نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
شيخوخة مشيخات الخليج الفارسي

كما تنبأنا في مقال سابق، بالذات، مجلس التعاون لدول الخليجي الفارسي، هذه المنظومة الأمنية الإستراتيجية والعسكرية و”القبيلة” التي أنشأتها الولايات المتحدة لتكون ذراع الأطلسي في المنطقة، ولإدارة دفة الحرب العراقية الإيرانية الدائرة وقتذاك، وصل إلى حالة الخرف والشيخوخة السياسية بعدما استنفذ سبل وجوده وبقائه ودبت الخلافات في أوصاله وظهرت الصراعات إلى سطحه، وهو في طور التماوت والتفوق السريري البطيء والانهيار والزوال بفعل تسونامي الحروب والإرهاب، وتداعياته، التي لا بد ستصيب طبـّاخيه في يوم من الأيام.

 انفجرت الصراعات داخل مجلس التعاون الخليجي، ولكن ليس بالخلاف على الاستراتيجيات قدر ما هو تباين في التكتيكات، وربما في الميول والأهواء والمزاجات الذاتية مع خلطة من العصبيات القبلية، كما أنه ليس في درجة الولاء وتقديم الخدمات، أو اختلافاً في النوع، على الإطلاق. فالمنظومة بقضها وفضيضها تتبع أمنياً، واستراتيجياً، للأطلسي، وتعمل على تحقيق سياساته من دون نقاش، وبكل طاعة عمياء وشديد انضباط.

 واستعرت الصراعات والثارات داخل مجلس التعاون إلى حد لا يمكن وقف تدحرجها، ولدرجة القطيعة الدبلوماسية فيما بين مشيخاتها، ما يعني نسفاً وانهياراً حقيقياً للمجلس في ضوء الحياد، والغموض التاريخي، والدبلوماسية الهادئة الرصينة للعمانيين، الذين تجنبوا، تاريخياً، سياسات الاستقطاب والاصطفاف، حتى في أوج استعار أوار الحرب العراقية الإيرانية.

 كان ما يسمى بالربيع العربي وهمروجة الثورات الأمريكية في المنطقة التي استهدفت النظم الجمهورية العربية، تاركة النظم المليكة، والسلطانية والأميرية، تعمه في غيــّها وطغيانها واستبدادها الأبوي الهبراركي المقيم، اختباراً حاسماً، وتطبيقياً، لمدى نجاعة وفعالية وتماسك المجلس للقيام بمهام إستراتيجية كبرى ورسم خرائط جيوسياسية جديدة، لكن تبيـّن أن الآمال والطموحات كان فيها الكثير من المبالغة والمغالاة، على المجلس الشائخ والمخرّف، وحيث تبين أن حسابات الحقل لم تأت كحسابات البيدر، وبدأت التناقضات وتباينات الرؤى والتنافس وتنازع الأهداف والمنافع والخلل الإجرائي والعملياتي والتنسيقي تظهر في مفاصل المجلس المهترئة والمترهلة، وأثناء عمله وأدائه، كترهل قادته وكهولتهم التي تطغى على وجه المجلس.

 غير أن بيضة القبان، وكلمة الفصل كانت في الملف السوري المعقد والشائك الذي ضرب كل التوقعات وكان عقدة النجـّار التي استسلم أمامها عتاة “نجاري” الربيع العربي الكبار، ونسف وحدة المجلس وتناغمه، وأظهر الخلاف “والحسد” والغيرة” القطرية السعودية المتأصلة، حين أسقــِطت قطر من معادلات التثوير، وانتقل ملف إدارة الحرب (الربيع العربي)، ليد السعوديين، كما لا يعلم فيما إذا كانت قطر تقف وراء التفجير الإرهابي الأخير في البحرين التي قتل فيها ضابط إماراتي وإذا حصلت أسوأ التوقعات هذه فالأمر سائر باتجاه أكثر من قطيعة وسحب للسفراء، حيث لم تستطع كل الوجاهات و”تبويس” اللحى والشوارب أن تطفئ غل الشقيقين، أو أن تخمد في النار الكامنة تحت رماد ابتساماتهما الدبلوماسية الصفراء، أو تفلح في تبريد درجة الغليان والفوران.

 التباين الملحوظ في النظرة للإخوان المسلمين، ودورهم المستقبلي والموقف المتوجس منهم خليجياً، على العموم، والدور الطامح للإمارة الصغيرة “المشاغبة” فجـّر الكثير من الصراعات. ففيما كانت قطر الحاضن الرئيس والراعي الرسمي للتنظيم الدولي، كانت السعودية والدول الأخرى تنأى بنفسها عنهم، والأمر يحظى، على ما يبدو، بدعم أمريكي لافت تجلى بزيارة أوباما للمهلكة الوهابية، متجاهلاً بقية المهالك، ما قوّى من عصب مبعرة آل قرودأمام شقيقاتها المشيخات الأصغر ، ورجح كفتها في الصراع.

 مشاكل جمة وركام من الثارات والعداوات لم يستطع الراعي الأمريكي احتضانها، منها ما هو سياسي، وأمني، وجمركي، وخلافات حدودية…إلخ، جمة وهائلة تعترض سبيل عمل المجلس، وتماسكه، وتناقضات شتى تعتمل في داخله وحتى ثارات قبلية وعشائرية، ولا يخلو من تباين وتنافس مذهبي حاد، يتلطى خلف صور قادته الزاهية والباسمة، وصلت حد رشق “العمانيين” “الأباضيين” بالتهكم والسخرية والتخوين، من قبل رجال دين سعوديين ينتمون للمذهب الرسمي لما يسمى بـ”مملكة آل سعود”، وذلك في ذروة انكشاف دور عمان في المفاوضات النووية، واستقبالها، وعلى مدى ستة أشهر وبسرية تامة للوفود الأمريكية، والإيرانية، ودونما إطلاع “الأشقاء” في المجلس الخليجي، بما يحصل داخل البيت العائلي، والنادي النفطي الثري، ما أثار، وألهب غيظ وحفيظة السعوديين المخدوعين والمضحوك عليهم، واعتبر صفعة واستخفافاً بهم واستصغاراً لشأنهم، فأوعزوا لشيوخ المهلكة باستهداف السلطنة ورموزها بذاك الشكل غير اللائق وغير المألوف في العلاقات بين هذه الدول التي كانت تتطلع للاتحاد، وكانت عمان، أول من رفض مبادرة العاهل السعودي بهذا الصدد، ما شكل ضربة أخرى قاصمة، وصفعة قوية لـ”الشقيقة الكبرى”، في ذروة ذلك احتدام الصدام والصراع الذي ظهر على السطح مع مفاوضات الملف النووي.

 كان الربيع العربي شؤماً ووبالا على صانعيه ومفبركيه ومنفذيه، وقد تجاوزت لعناته الرؤساء والسفراء والوسطاء والعامة والأمراء، لتصيب، اليوم، عصب مؤسساته ومجالسه ومنظوماته الأمنية والإستراتيجية وتلسعها بسوط السقوط و”الشرشحة” و”البهدلة” والانهيار والإسقاط، وها هو مجلس التعاون لدول الخليج الفارسي، آخر ضحباياه. والسؤال من تبقى بعد ممن لم يتلظ بنار اللعب بربيع “العربان”، أولم يـَسقــُط، ويـُسقـَط، أو من هو ليس في طور السقوط والانهيار والزوال..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز