علاء الدين حمدي
a4hamdy@yahoo.com
Blog Contributor since:
17 April 2009

كاتب عربي من مصر

 More articles 


Arab Times Blogs
مصر .. شرعية الجمهورية السابعة 1/2

ـ منذ نشأتها 3425 ق.م بعد توحيد مملكتى الشمال والجنوب على يد الفرعون مينا، تعددت أطر شرعية الحكم وقوالبها فى الدولة المصرية ، وتغيرت أدواتها وأشكالها وفقاً لعوامل كثيرة بيئية وسياسية واجتماعية مرت بمصر عبر تاريخها الطويل، لنصل الى مرحلتنا الحديثة التى نستهل فيها إرهاصات جمهوريتها السابعة خلال اسابيع قليلة قادمة إن أراد الله تعالى.

ـ فمن شرعية الفرعون الإله، الى شرعية ظلال الله فى الأرض، الى شرعية القاب النصرة والتأييد منتسبة له تعالى أو لدينه الحنيف، الى شرعية القهر والاستبداد، الى شرعية ذهب المعز وسيفه، الى ومضة زمنية بسيطة من شرعية الدستور، الى شرعية الزعيم، الى شرعية كبير العائلة، الى الشرعية البوليسية، الى شرعية مغلفة بغلالة رقيقة من دستور نقضها إطار الأهل والعشيرة، عاشت مصر وعانت، ازدهرت وانحدرت، فلا تعرف أكان إزدهارها تحت القهر أم بين ومضات الحرية، أبنت حضارتها العتيدة سخرة أم عبادة ؟ أكانت انتصاراتها الكبيرة طاعة وقناعة أم خوفا وارتعاداً ؟ إنه أحد الأسرار المصرية فى خزائن كهنوت تاريخها الطويل، ذلك الذى توازى هناك .. مع بداية النور

ـ ولأن الشرعية ببساطة هى "رضا المحكوم بقرارات الحاكم" إختياراً أو فرضاً، تسليماً بالقضاء والقدر أَو إعجاباً، فقد ميَّز العالم الألمانى "ماكس فيبر"، أحد مؤسسى علم الإجتماع الحديث، بين ثلاثة نماذج للشرعية، هى التقاليد، الزعامة أو الكاريزما، شرعية الدستور

ـ وإذا تناولنا الحالة المصرية، وحسب فهمى البسيط غير المتخصص، فشرعية التقاليد هى تلك التى استندت الى موروث دينى او قِيَمِى بأى درجة، فبدأت بشرعية الفرعون الإله التى صيغت بذكاء ودهاء ومعرفة كبيرة بمكنون النفس المصرية وارتباطها الشديد بالنيل والأرض، فأرجع فرعون اسباب ألوهيته لكونه مالك مصر {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ }الزخرف51، بمعنى أن مصر، بكل ما تحملة الكلمة من زخم، هى التى منحته الإلوهية ! وهنا وجب على الشعب المرتبط بأرضه الإعتراف بشرعية الفرعون كاملة والا تعرض لغضبة الأرض ونقمة النيل، فَصنَع لمصر حضارتها الكبيرة التى أبهرت العالم، ولازالت، بكل موروثها المتأصل فى وجدان هذا الشعب الطيب، والتى انتهت مع دولة الفراعين فلم تتكرر بعدها أبداً، رغم أن الشعب هو نفسه وعبقرية الأرض هى نفسها، فقط تغيرت آلية الحكم، لتظهر شرعية القيَّم من زعماء القبائل والعائلات، تلك التى نمت مقابل رفض المصريين النفسى لسلطة الاحتلال بصوره المختلفة وعدم الثقة فى عدالتها ، ثم الفتح الاسلامى فالولاية من قبل الخلفاء الراشدين بشرعية انتسبت للدين مرة أخرى، فعدلت الى حد كبير جعلها فى غنى عن أى دعم إضافى بعد قبول الناس لذلك الدين والرضا باحكامه، ليستمر ذلك الرضا متناسبا مع قوة دول الخلافة التالية التى انتسبت لخلافته صلى الله عليه وسلم استجلاباً الشرعية ليس إلا، إذ أن جميع من تلى خلفائه الأربعة الراشدين ،صلى الله عليه وسلم، وحتى سقوط نظام الخلافة مع سقوط الدولة العثمانية اكتوبر 1923، انتزع دولته وأسسها بالسيف والدم، ثم أورثها ذويه بنظام البيعة الصورى وليس بالشورى كما أوصت تعاليم الدين التى شرعت سلطة الأغلبية كحجر الزاوية فى بناء الدولة

بمعنى أن شرعية التقاليد هنا تلبست الدين تضليلاً للمحكوم وتغطية لسلطة السيطرة، فكان نتاجها الرضا النسبى بقرارات الحاكم طمعاً فى ذهبه أوخوفاً من سيفه، وخلالها، ومع انتزاع العباسيين الحكم من الأمويين، نلحظ بداية ظاهرة الصاق ألقاب القوة والحكمة بالخليفة " السفاح، المنصور، المهدى، الرشيد" وكأنما استشعر الخليفة نقصانا ما فى شرعيته، لتبدأ بعدها ارهاصات عصور الضعف والتوتر بعد ان خلع الأمين بن الرشيد أخيه المأمون من ولاية العهد ووضعها فى ابنه موسى الناطق بالحق، ليعود المأمون فيحارب أخيه طيلة أربع سنوات فيقتله فى النهاية وينفرد بالخلافة، باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم !!! ثم بروز نفوذ الجيش، من وقتها، وتدخله فى "تعيين" الخلفاء، فاحتال الخليفة لنفسه فألصق اسمه بالدين دعما لشرعيته وخداعاً للمحكوم كالمعتصم بالله، المتوكل على الله، المستعين بالله، المعتز بالله، المعتضد بالله .. الى آخره

ثم ليبدأ الإنشقاق على دولة الخلافة بشرعيتها الدينية المزعومة التى لم يستطع المغامر المنشق أن يدعى نفس إطارها، والا فلا معنى لإنشقاقه، فسعى لإمتلاك الشرعية وإستجلاب رضا المحكوم بنفس تضليل خلفاء الضعف فربط اسمه أيضاً بدعم السماء او بالقوة، كما ظهر مع حكام الدولة الفاطمية كالمعز لدين الله، العزيز بالله، الحاكم بأمر الله، الحافظ لدين الله، ثم الدولة الأيوبية ودولتى المماليك التى فخمت جميعها من الحاكم بالقاب شخصية كالملك الناصر، الملك الكامل، الملك العادل، شجر الدر المستعصمية عصمة الدنيا والدين، المظفر، الأشرف، المنصور

لتدخل مصربعدها فى عصور بطش منغلقة خلال حكم الدولة العثمانية بداية من سنة 1517 ميلادية، استمدت شرعيتها فقط من رضا المحكوم قهرا وخوفاً وسطوة، وليعود حاكمها، بنفس التضليل، مستنداً الى خلافته المزعومة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولكن بشرعية عزَّزها استتباب المُلك وأدواته بعد القضاء على أغلب الدويلات المنشقة، فلم يعد الخليفة بعدها فى حاجة لدعم شرعيته بألقاب اضافية لها بعدها الدينى أو الشخصى مكتفياً بنصل السيف وسن الرمح وكيس الذهب ! لتدخل مصر معها فى عصور ظلام عميق غاب فيها العلم الدينى والدنيوى فأفرزت أعاجيب كثيرة، وأضافت للدين خرافات كارثية مازلنا نعيشها حتى اليوم، وليستمر ظلامها الى أن بدأت ارهاصات الشرعية الدستورية مع ضعف دولة الخلافة ثم سقوطها

ـ بدات مرحلة تأسيس مصر الحديثة على يد محمد على 1805، وظهرت خلالها إرهاصات الشرعية الدستورية لتبلغ ذروتها مع ثورة 1919 ثم دستور 1923 الذى أنتج مرحلة استندت فيها الزعامات الوطنية الى رضا الشعب وقناعته بالوفد كضمير للأمة ومعبرٍ عن آلامها وآمالها، وقناة التوصيل بين واقعها وأحلامها الكبيرة، ذلك وقتها بالتأكيد!، فأفرزت سلطة شرعية الأغلبية مالكة الإرادة صانعة التقدم صاحبة السطوة والنفوذ، ولننظر مثلا لسعد زغلول لما تولّى الوزارة والحكم فى يناير سنة 1924 فاستدعاه الملك فؤاد وقال له .. " اننى ارفض تماماً المادة 23 من الدستور لأنى أنا مصدر السلطات، انا الملك من نسل الملوك"، وكانت المادة تنص على أن الامة هى مصدر السلطات، فيهب سعد واقفاً مستندا لجبل الإرادة الشعبية يقول للملك ..  "لتقل ماتشاء، ولكنى اقولها لك.. لست انت المسيطر على هذا الدستور، ولكن المسيطر عليه هو الشعب الذى وضع الدستور واراده"

تلك هى شرعية الأغلبية وقتها كما أشرنا، قبل أن تبدأ فى الإنسحاب تدريجياً مهيئةً المناخ الجيد لثورة يوليو 1952 ، التى بررت حركتها بتخلى حزب الأغلبية وقتها، الوفد،عن دوره الطبيعى والتاريخى، وتحوله من حزب الرعاع والبسطاء ومدرسة الوطنية المصرية الأصيلة، الى حزب وجاهة اجتماعية ومأوى لباشاوات ذوى توجهات خاصة وكبار الملاك وبعض أغنياء الحرب، فخرج عن حدود توكيله وعن قضيته المحورية، اعنى الاستقلال الوطنى بكل صوره، لتنتهى فترة حلم الشرعية الدستورية، ولتبدأ شرعية الزعامة او الكاريزما مع تولى جمال عبد الناصر رئاسة الجمهورية الثانية، بعد محمد نجيب، وحتى وفاته 1970

ـ بدأت مرحلة شرعية الزعيم أو الكاريزما وانتهت، ولازلنا مع رأيى المتواضع، خلال فترة حكم عبد الناصر، وهى ذلك النوع الذى يستند فى استقراره الى تجاوز المحكوم وتغاضيه عن أخطاء الحاكم قناعة بأنه الزعيم الملهم الواحد الأوحد، وبالتالى فكل خطاياه انجازات، وكل قمع يمارسه هو موجه لأعداء الشعب، وكل سلبية إنما فعلتها حاشيته دون علمه، وكل ظلم يقع يجب الصبر عليه استعداداً للمعركة الفاصلة التى لا يعلو عليها أى صوت

وكعادة أى زعامة مستبدة، بنى ناصر شرعيته على حالة الاستنفار الدائم للقوى الشعبية وخلْق عداءات تدغدغ موروث الخيلاء الفرعونى لدى البسطاء، من عينة "انا مش خرع زى المستر إيدن" يقصد رئيس الوزراء البريطانى انتونى ايدن أثناء حرب 1956، وذلك إما استعداداً لمعركة المصير مع العدو الغاشم الخارجى أو القوى الرجعية الداخلية التى لابد من وجودها أصلاً ليوجد الزعيم نفسه !!! وإما للتفرغ لوهم معارك البناء والتنمية، اضافة الى تركيز الخطاب السياسى على أولويات أهم من المطالبة برفاهيات العدالة والحرية والديمقراطية، والتأكيد على ان الزعيم هو من صنع للشعب كرامته، كما قالها ناصر يوم حادث المنشية الشهير " ... فقد وضعت فيكم العزة، فليقتلونى فقد وضعت فيكم الكرامة، فليقتلونى فقد أنبت فى هذا الوطن الحرية والعزة والكرامة " !!، فالوطن لم تخضَّر أرضه الا تحت حذاء الزعيم، ولم تثمر عزة وكرامة وحرية الا بعد أن غرسها الزعيم ورعاها ! ذلك بين إعلام سام وتغييب متأصل وتأييد غوغائى غير مسبوق، وديماجوجية رهيبة توارى معها كل همس لعقل يدرك بالمقدمات الملموسة ما البلاد مقدمة عليه من نتائج

ويبدو أن الشعب لم يحتمل ذلك الكم الهائل من الحرية والعزة والكرامة، فكانت سلسلة الهزائم المتتالية بما فيها هزيمة 1967 التى مازلنا نحيا أثارها وتبعاتها حتى اللحظة، والتى ربما كسرت شموخ ناصر داخله، الا انها لم تفقده شرعية الزعامة التى لازلنا نرى تواصلها مع شباب صغار ربما ولد اباؤهم أنفسهم بعد وفاة عبد الناصر ! نجدهم يرفعون صوره اليوم بعد اقتراب النصف قرن على وفاته، فى دعاية كبيرة لم يستغلها الحزب الذى يحمل اسمه وفكره !! وليظل لغز الرضا هو نفسه بين مصر الفرعون ومصر الزعيم

ـ وبوفاة عبد الناصر، الزعيم الشعبى غير السياسى حسب رأيى، انتقلت مصر الى جمهوريتها الثالثة باحثة عن شرعية جديدة مع بروز السادات كسياسى محنك مكنته قيادته الحكيمة، فى بداياتها، للتحول من الهزيمة الى  نصر اكتوبر المجيد، الذى هو الأول فى تاريخ مصر الحديث، إلا أنها لم تمنحه شرعية الزعامة المتوقعة كاملة، الى جانب افتقاد النظام كله لشرعية الدستور التعددية منذ مجلس قيادة الثورة الى هيئة التحرير الى الاتحاد القومى فالاتحاد الاشتراكى والتنظيم الطليعى، فاصبح الأمر ولا أدوات سياسية تتفق مع الانفتاح على الغرب الديمقراطى يمكنها تحقيق معادلة "رضا المحكوم بقرارات الحاكم" سلمياً، مع احتياج السادات، حسب نصيحة الغرب، لكيان اغلبية يساند توجهه للسلام مع اسرائيل بحث عنه فى محاولته ان يرأس حزب الوفد الجديد فكان قرار تجميد الوفد لنفسه 1978، فلم يكن أمامه إذاً وقد اغلقت المنافذ إلا العودة لإكتساب رضا المحكوم عن طريق الحل الأسهل فى اى زمان ومكان، أعنى شرعية القيم والتقاليد بصورتها السيئة التى ظهرت فى عصور الضعف كما تقدم شرحه، فأطلق السادات على نفسه القاباً شعبية مثل "كبير العائلة المصرية"، أو ألقاباً رسمية مثل "الرئيس المؤمن"، مع محاولات محمومة  لخلق صور ذهنية تعبر عن القيادة والهيبة كارتداء الجلباب البلدى، أو الزىّ العسكرى الغريب المزين بوشاح القضاء ونياشين عديدة غير مفهومة ! ذلك، وغيره، للإيحاء بالبعدين القيمى والدينى الذين ترفض الطبيعة النفسية المصرية الخروج عليهما تحت أى مبرر، مع طيف بسيط من تعددية سياسية صورية وليدة غير مؤثرة ضاق بها صدر السادات نفسه !الا أن واضع ذلك السناريو المختلط لترقيع ثوب الشرعية، لم يفطن للتغير المتسارع فى منظومة القيم الشعبية نتيجة الحراك الإجتماعى الذى خلفته سياسات التأميم والاشتراكية ثم الإنفتاح الإقتصادى، من انقلاب للهرم الإجتماعى وتبديل لسلم الأولويات والإهتمامات والتابوهات القيمية المتوارثة كما يقول استاذنا الدكتور جلال امين فى كتابه القيم "ماذا حدث للمصريين، فكانت النتيجة أشبه بمسرحية هزلية من الكوميديا المأساة لم يجد الشعب مفراً من متابعة فصولها البلهاء  التى احتُتِمَت بحادث المنصة المأساوى الذى أنهى عهد الجمهورية الثالثة بصورة غير مسبوقة، لتبدأ جمهورية جديدة باحثة عن شرعية من أى نوع

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز