سري سمور
s_sammour@hotmail.com
Blog Contributor since:
27 January 2010

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
في ذكرى معركة مخيم جنين..شيء من نقد الذات

 

 

 

(1)حقيقة  مؤكدة

 

نعيش هذه الأيام ذكرى معركة مخيم جنين التي خلدها التاريخ في نيسان(أبريل) 2002م ومنذ تلك المعركة البطولية بقينا نتذكر الأحداث بعمومياتها وتفصيلاتها، ومن ولد وقتها هو الآن في الصف السابع أي ابن أو ابنة 12 سنة يسمع عنها، وقد يكون أو تكون من بيت شهيد أو أسير أو بيت دمر وأعيد بناؤه.

بل إن قافلة شهداء مخيم جنين لم تصل محطتها الأخيرة؛ وخلال الشهور القليلة الماضية ارتقى سبعة شبان من أبناء المخيم شهداء ملتحقين بقافلة طويلة من الشهداء؛ وهؤلاء الشهداء كانوا أطفالا يافعين إبان معركة نيسان 2002 وبعضهم من بيوت تتصل فيها المعاناة والتضحية؛ مثل الشهيد حمزة جمال أبو الهيجا الذي استشهد في 22-3-2014م، والذي كان طفلا لم يتجاوز التاسعة من عمره إبان الاجتياح والمعركة، وهو ابن الأسير المحكوم بالمؤبد تسع مرات، والمبتورة يده اليسرى بسبب إصابة أثناء معركة في المخيم سبقت الاجتياح بشهر واحد، وشقيق الأسرى، بل هو أسير سابق...ومثله الشهيد إسلام حسام الطوباسي(استشهد في 17-9-2013م) شقيق شهيد وشقيق أسير محكوم بالمؤبد أكثر من 30 مرة...ولا يتسع المجال لسرد كل حلقات الفداء والتضحية في مخيم جنين، ويكفي التأكيد أنها مستمرة ومتواصلة.

ومن الطبيعي أن يتحول مخيم جنين إلى أيقونة للفداء والتضحية والجهاد والبطولة لدى عموم الشعب الفلسطيني، وسائر التواقين للعزة والرفعة والكرامة من العرب والمسلمين، وكل الأحرار والشرفاء في العالم، وأن تنتج أعمالا درامية وأعمالا فنية تحكي قصة مخيم جنين أو بعضا منها، وأن يكون هناك أطروحات دراسات عليا حول معركة مخيم جنين، مثل رسالة الماجستير التي قدمها النائب في المجلس التشريعي جمال مصطفى حويل في جامعة بير زيت وهو ممن شهد المعركة واعتقل على إثرها بضع سنين...ناهيك عن العديد من الكتب المطبوعة حول معركة المخيم، والقصائد والأغاني والأناشيد.

 

كل هذا طبيعي ولا ضير فيه، ولن آتي اليوم لانتقاد تمجيد ما يستحق التمجيد، أو التشكيك بحقائق ثابتة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار؛ وأي وضوح أكثر من أن عدد الدبابات التي دخلت وحاصرت مخيم جنين أكثر من نظيراتها في حرب حزيران 1967م مع فارق أن مخيم جنين صمد فيه بضع عشرات من المقاتلين بأسلحة خفيفة وقاتلوا نحو أسبوعين ببسالة وأثخنوا في عدوهم، فيما تمكنت إسرائيل من إلحاق الهزيمة بعدة جيوش عربية أنفقت عليها الأموال الطائلة المأخوذة من قوت الشعوب، خلال بضعة أيام بل ربما بضع ساعات؟!

ومن منا ينسى، ومن نسي فليتذكر، أن شارون جاء ليشرف على معركة مخيم جنين ومعه وزير دفاعه فؤاد بن أليعازر ورئيس أركان جيشه شاؤول موفاز؟ وقد تحول المجلس الوزاري المصغر في الكيان العبري، بل كل حكومة شارون إلى فريق عمل لمتابعة المعركة في مخيم جنين.

إن السطور القادمة لن تتطرق إلى انتقاد أي خطأ وقع في أثناء معركة المخيم؛ لأننا نتحدث عن جيش جرّار مسلح بالدبابات والطائرات والتكنولوجيا الحديثة ومدرب تدريبا عاليا يهاجم منطقة مساحتها كيلو متر مربع يتحصن فيها بضع عشرات من المقاتلين، 90% أو أكثر منهم لم يتلقوا أي تدريب عسكري...فإن وقعت أخطاء معينة فهي أشبه بقطرات في بحر الحدث البطولي.

إلا أننا يجب ألا نبقى محصورين في دائرة الحديث عن مخيم جنين كحالة بطولية متميزة، ونسرد قصص الشهداء، والملحمة البطولية دون الجرأة على الحديث عن الأخطاء؛ وليكن لنا في عدونا عبرة، فهو عقب كل حدث يناقش أداءه وأين نجح وأين أخفق وأين كان ثمة تقصير، ويعمل جاهدا على تلافي الأخطاء في المستقبل، حتى ولو كان نجاحه الظاهر بنسبة 100% في تحقيق الهدف.

ويكفي أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر؛ أنهم لتجنب كمائن المقاومين في حرب الكوانين في غزة(2008-2009م) كانوا يدمرون البيت أو المنطقة (ب) انطلاقا من المنطقة (أ) للوصول إلى المنطقة (جـ) تدميرا  كاملا، فقد تعلموا من درس مخيم جنين وكمائنه القاتلة، وقرأت شيئا من هذا مترجما عن صحافتهم إبان تلك الحرب.

وعلينا أن نمتلك الجرأة ونتحدث علنا عن الأخطاء، أو السلبيات، التي نتحدث بها في مجالس خاصة أو ننثرها تعليقات مبعثرة على الإنترنت، وهذا الحديث لن يضر أو يمس بسوء -مثلما يتوهم البعض- مكانة وسمعة مخيم جنين وصموده وتضحيته البطولية، بل على العكس تماما.

 

 

(2)فرادة ضارة!

 

من المؤكد أن مخيم جنين كان حالة فريدة متميزة، وهذا إن كان مفخرة للمخيم، فإنه ضار بالحالة الفلسطينية المقاومة، ومعناه أن الاحتلال ليس أمامه سوى هذا المخيم ليكسر شوكته ويخضعه وينقضي الأمر!

لماذا لم تجر استعدادات في تجمعات سكنية شبيهة وبعضها أكبر مساحة وسكانا من مخيم جنين لمواجهة اجتياحات جيش الاحتلال؟أولو تكررت معركة مخيم جنين في خمسة مواقع أخرى أو أكثر، هل كان شارون سيبقى في سادرا في غيّه؟

هناك من تحدث وهدد عبر الفضائيات بمقاومة شرسة منتظرة في أكثر من منطقة من التي طالتها الاجتياحات؛ ومع الأسف النتيجة أن المقاومة كانت لا تذكر...ثم لماذا تمترس المقاومون في كنيسة المهد؟أنا أسأل الله أن يعودوا سالمين غانمين إلى فلسطين، ولكن هل كانوا يظنون أن شارون سيتورع عن دخول كنيسة المهد أو القيامة لتحقيق أهدافه؟أم أن الهدف هو تحقيق (SHOW) إعلامي لم يتحقق بحصار الكنيسة من جيش الاحتلال، فالعالم لا يكترث إلا لما يسمى محاربة الإرهاب ولو دمرت الكنيسة حجرا حجرا...طبعا أضرب بيت لحم مثالا عن حالة سقوط سهل لكل المدن والمخيمات والبلدات والقرى في عملية «السور الواقي» باستثناء مخيم جنين...وأعلم أن هناك تبريرات كثيرة، إلا أن حالة مخيم جنين تدحض هذه التبريرات، أو تجعلها في محل شك كبير!

 ولم ولن يكون في مصلحة مخيم جنين -ولا أي منطقة أخرى- أن تكون حالة مقاومة متميزة وفريدة دون سائر المناطق، لأنه سيكون هناك خسائر في صفوف العدو، وشهداء، وقصص بطولة خالدة، إلا أن الحصاد السياسي أو حتى الميداني سيكون قريبا من الصفر...فهل أخذنا العظة بعد 12 سنة، وكلامي موجه إلى الفصائل بالدرجة الأولى بأن يكون لها أكثر من كنانة وأن تنتشر أفقيا وعاموديا في العمل المقاوم، وألا تكتفي بمنطقة تتلو في حضرة تضحياتها قصائد التمجيد!

 

(3)عدم إدراك استمرارية العملية

 

بعيد معركة مخيم جنين كنا نسمع بأن المخيم سيستعيد عافيته وقوته خلال شهور عدة، وأن المعركة زادته قوة وخبرة ميدانية...هذا التفاؤل كان مرده إلى الاعتقاد بأن الاحتلال اكتفى بما أحدثه من قتل

 

ودمار وسيترك المخيم وشأنه، مما يتيح لمجموعات المقاومة التقاط أنفاسها وإعادة بناء قدراتها وتطوير أدائها، وهذا تفكير تبين أنه خطأ فادح.

فالاحتلال واصل عملياته في مخيم جنين، دون كلل أو ملل، واعتقل كثيرا من النشطاء، ومن خلال اعترافات هؤلاء، اعتقل الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وتمكن من استنزاف المقاومة في المخيم بسياسة النفس الطويل، المبنية على حزم وشراسة ودموية ممزوجة بدهاء ومكر، افتقدتها المقاومة في المخيم مع الأسف.

وبصراحة بعد معركة المخيم كان يفترض بالمقاومة-داخل المخيم- أن تتخذ قرارا قطعيا بعدم العمل في داخل الخط الأخضر حتى إشعار آخر، وألا تستنزف ذاتها في أعمال لا طائل منها مثل إطلاق النار على دبابات الميركافاه، وأن تعي أنها أمام مرحلة جديدة، وألا تبقى مسكونة بإعادة حالة ما كان يمكن أن تعود خلال شهور ولا حتى سنوات.

وكان يفترض تغيير التكتيكات، وأساليب العمل، ولو أدى الأمر إلى حالة سكون مؤقتة؛ فما لوحظ أن المقاومة دخلت في حالة إثبات أن عملية السور الواقي فشلت وأنها ما تزال قادرة على الضرب والإيلام، دون أن توفر لنفسها عوامل قوة وأن تستعد للمرحلة الجديدة؛ فعملية السور الواقي كان معلنا وواضحا منها أن جيش الاحتلال سيدخل إلى الضفة الغربية ويقتل ويعتقل ويعيد بناء شبكة جواسيسه وقاعدة بياناته، وذلك تزامنا مع عملية بناء الجدار، وكان الاحتلال يحسب بلا ريب أنه لا بد من وقوع بعض العمليات ولكن المنحنى في هبوط، ولو ظهر العكس في المرحلة الأولى.

 

(4)المظاهر الاستعراضية ومفهوم المطاردة

 

ومما كان يجب التنبه له وإنهاؤه تماما هو ظهور المسلحين علنا في الشوارع والساحات وما يرافق ذلك من إطلاق نار في الهواء، واستعراضات ضررها أكثر من نفعها؛ فالفترة من أوائل تشرين أول(أكتوبر) سنة 2000م وحتى منتصف نيسان(أبريل) سنة 2002م تختلف تماما عما بعدها، فالجيش الإسرائيلي صار يدخل المناطق المصنفة (أ) وقتما شاء، ولم يعد يعتمد على القصف بالمروحيات أو زرع العبوات القاتلة في أماكن يرتادها المقاومون؛ فكان الأوجب ترك خروج المقاتلين بالمناسبات وفي مسيرات التشييع، سواء أكانوا ملثمين أو مكشوفي الوجوه، فلا فائدة من هذا، وهي

 

 

ظاهرة ربما ساهمت في عزوف شريحة من الناس عن تأييد المقاومة نظرا لأن حجم وعدد من يتصدون للاجتياحات المتكررة كان أقل بكثير، من العدد الذي  يظهر في المسيرات وحفلات التأبين وإحياء الذكريات.

وأمر آخر هو ظاهرة المطاردين لقوات الاحتلال؛ فالملاحظ أن الغالبية الساحقة من هذه الفئة حينما يحوز حائزها على صفة المطارد أو المطلوب ينقطع عمله المقاوم تماما، إلا من رحم ربي، ويصبح شغله الشاغل حماية ذاته وشخصه، ويكون عبئا ثقيلا على أسرته وتنظيمه، وينعدم دوره في المقاومة حتى ساعة اعتقاله أو تصفيته وما يصاحبها من تدمير ورعب...المطارَد يفترض أن يكون مُطارِدا للاحتلال لا باحثا فقط عن حماية ذاته!

 

(5)ترك المخيم ساحة مفتوحة اجتماعيا وثقافيا

 

لا أنكر أن هناك في العالم من يتعاطف معنا، وجاء للتضامن معنا، وصورة راشيل كوري لم تمح من مخيلتنا، هذا أمر مفروغ منه؛ وفي ذات السياق فإننا أمام كيان فيه دوائر لها موازنات ضخمة هدفها دراستنا واختراقـنا ثقافيا واجتماعيا بشتى الوسائل المتاحة.

والعمل العسكري في العقلية الصهيونية دوما له عمل ثقافي مواز أو مكمّل؛ ونعلم أن معظم الإسرائيليين يحملون جنسيات مختلفة أوروبية وأمريكية وغيرها؛ كما أن أجهزة استخبارات الدول الغربية جميعا بلا استثناء تتعامل مع نظيرتها الإسرائيلية وتتبادل معها الخبرات والمعلومات...ومراكز الدراسات والأبحاث الغربية، وإن افترضنا أن بعضها بل حتى جميعها لا علاقة لها بالموساد أو الشاباك إلا أن ما بحوزتها من معلومات وبيانات مما ينشر أو لا ينشر يمكن للمعنيين داخل الكيان الاطلاع عليه كله بسهولة ويسر!

وبعيد الاجتياح امتلأ مخيمنا بأجانب من أوروبا وأمريكا تحت عناوين مثل: متضامنين أو صحافيين أو فنانين أو غير ذلك؛ وأنا لا أشكك بنواياهم جميعا، ولكن هل من ضمانة أنه ليس بينهم ضباط مخابرات صهاينة؟وهل الذين أتوا لعمل دراسات وأبحاث وكنا أمامهم كتابا مفتوحا لن يقدموا ما توصلوا إليه من نتائج مبنية على دراسة علمية ميدانية إلى الكيان؟

وكان يجب منع احتكاك هؤلاء تماما بفئتين اثنتين؛ الأولى هي المسلحين، لدواعي أمنية واجتماعية وحتى سياسية؛ والثانية فئة الشباب والفتية الذين وجدوا أنفسهم فجأة بين أناس لهم ثقافة وحياة

 

 

مختلفة تماما عن بيئة هؤلاء الفتية وثقافتهم، ودرهم وقاية خير من قنطار علاج؛ وأنا شخصيا لطالما لاحظت فتية ما بين 17-19 سنة يرافقون هؤلاء الأجانب خاصة الفتيات في جولات في المخيم، وقد أصابني الغيظ مرة فصرخت فيهم:-

-ولكم فيهم إيدز!

فما كان من والدتي، أن خرجت من المنزل بسبب ارتفاع صوتي محذرة عاتبة:-

-عزيين، احنا شو مالنا؟!

ولم أكترث لأمي وأكملت صراخي متسائلا:-

-ولكم عارفين شو يعني إيدز؟!

هنا قد يدافع البعض أن هؤلاء الفتية لم يقيموا بالضرورة علاقات محرمة مع بنات الأجانب، بل كانت دوافعهم فضولية ورغبة في اختبار ما يحفظون من كلمات إنجليزية، وربما طمعا ببعض المال؛ هذا صحيح، ولكن كلنا يعلم أن بعض الأجانب  كانوا يبيتون في المخيم؛ وكيف الحال بفتية في ذروة فورتهم الجنسية، يعيشون في بيئة يغلب عليها الدمار والدماء، وتساورهم رغبات في الحياة بنمط مختلف ولو لأيام قليلة، مهما كانت تربيتهم الدينية أو المحافظة قوية؟!

وعلى كل حال أطرح سؤالا لكل ذي لبٍّ:هل ترك مخيمنا ساحة مفتوحة لهؤلاء الأجانب الذين أجزم أن بينهم ضباط من الشاباك والسي آي إيه والإم آي 5 وغيرها أمر أفاد المخيم والقضية؟لا أقول يجب منعهم أو طردهم ولكن كان يفترض أن يكون هناك ضوابط لحركتهم، وبرنامجا نتحكم فيه نحن، لا أن نترك لهم الحبل على الغارب يلتقطون الصور ويدخلون المؤسسات والمنازل وقتما شاؤوا ويجالسون مسلحينا وفتياننا وفتياتنا، بحيث أننا صرنا كتابا مفتوحا أمامهم!

 

(6)وحدة مثلومة

 

كتبت في الذكرى العاشرة لمعركة المخيم: قيل أن شهيدا من كتائب الأقصى قد تكون بندقيته من كتائب القسام وذخيرتها من سرايا القدس وبالعكس...لقد كانت حالة من التفاني في الفداء والتضحية ومنافسة شريفة ونسأل الله أن يكونوا ممن نالوا محبة الله تعالى التي تأتي وفق الآية الكريمة«إن الله

 

 

يحب الذين يـقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص»(انتهى الاقتباس)، وذاك أمر معروف والتفاخر به متواصل حتى اللحظة، ولكن الوحدة التي يكثر الجميع التباهي بها ظلت ميدانية محدودة، ولم تنعكس كثيرا على واقع المخيم ومؤسساته؛ ولا يتذرعنّ أحد بالانقسام الذي بات شماعة يعلق عليها ما هو سببه وما لا شان للانقسام به؛ ولكن الانقسام حصل في 2007م أي بعد مضي خمس سنوات على معركة المخيم، كما أن الانقسام لا يخص حركة الجهاد الإسلامي والمستقلين مثلا…ولماذا لا يكون هناك انتخابات للمؤسسات العامة في المخيم يكون من حق أي ساكن في المخ







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز