الطلحاوي نجيب
talhaoui.najib@hotmail.com
Blog Contributor since:
05 January 2008

كاتب عربي من المغرب

 More articles 


Arab Times Blogs
إعــلامُ تدنيسٍ و تدليسٍ

 من حين لآخـر تتحرك الآلـة الإعـلامية اللائكية لتصكّ آذان النـاس عن قيم التسامح و احترام الآخرين و الخضوع لسلـطة القانـون وعدم استعمـال مسالك التغيير العُنـفي لحيازة السلطـة و التسليم لأحكـام القضاء في إجراءاته...فهــي مـاكينـة تتحرك من موقع مُحذَدٍ هدفهـا الرئيسي اللعب بالمفردات السياسيـة اللبقة و الدوران حول قاموسهـا "الأخـلاقي" لإقنـاع فئات عريضـة بعدم جدوى الاعتراض علــى قرارات السلـطة اللائكية، فهــي في الصميم أدوات رِجعـية تُــنَــظِّـرُ لرهـانات إدامـة الدولة الجائرة و تُحِـــــدُّ من الأصوات النقيضة بطرق إخبارية تقاريرية تُجَنَّــدُ لهــا سَحــرةٌ مُتمرسون في فن استشباح الواقع، و للأسف فرسـالة الإعــلام بدلَ أن تُسنَـــدَ مَهَــمّتُهــا لرجال باحثين عن الحقيقـة فيتعاملون مع الأحداث السياسية بمنطق التجميع الكلي للأخبار دونمـا انحياز لسلطة طـائشة أو جمـاعـة محددة أو لإيديولوجيةِ بورجوازيٍّ معتوهٍ نجدهــا صارت رهينـة عقليات حاقدة تتنفس غيْضا علــى هـذا الطرف أو ذاك فتعمد إلــى تصفية عُقَدِهـا المكبوتـة علــى شكل إرسـال مُغـالطات أخبارية و نسج حوارات حـاقدة مُختـارة و التعويل علــى شخصيات تحمــل عداءات قديمــة لأجــل الانتصار لنزعات مَرضيـة غائرة في الوجدان اللائكي الحَقود

 ففي معظم البلدان الأعرابية لازالت سلطة الإعـلام أسيرة الدولـة الجائرة تتصرف فيهــا كليا عن طريق التحكم برجـالهـا و قنواتهـا بتمويل كوادرهـا بشكل يسمح لـها بتمرير المغالطات السياسية و الفكرية و استغلال سَحَرتِهـا في تبليد الرأي العام و صرف الأنظار عن حقيقة الدولة المستبدة التابعة، لذلك فإمـا أن تُباشِــرَ إلــى خلق كيانـات إعـلامية تُسهـر علــى بناء عقول أهلهــا بنـاءً بلطجيــا فتُجندهم لخوض معارك ضد أطراف منـاوئة و إمـا أن تبدأ في سن تشريعـات مُقيِّدة للإعـلام الخاص بشكل يضمن لهـا سلامتهـا من كل نقـد ، و في جميع الحـالات تُمـارس الدولة الأعرابية اللائكية منطقا متعسفا يحد من حرية الكلمة و يُفسِحَ المجال لسيادة الصوت الواحد فتبني بذلك ثقافـة الزعيم الأوحد و القائد الملهم و تَسحقُ في المقابل كل الزعـامات المُعارضة بالتشهير و فبركة الأكاذيب السياسية و إلصاق التهم و قلب الحقائق .

 إن للإعـلام الجبري اللائكي منطق يتحرك دائمـا من أزمـات فكرية يعاني منهـا منذ القديم، فهو مشهور له عداءُه للحركات الإسلامية إذ راكمَ تجربة طويلة من العنت تحت الحكم المستبد فمنحهُ ذلك مساحـةً واسعة لتشويهها عبر استخفاف عقول النـاس بالقراءات الساذجـة و التأويلات السطحية، أزمــة هـذا الإعــلام الجبري تُعـريهــا دائمــا توجهـاتهــا المُغَطِّـية علــى جرائم الدولة الظالمة و تفضحهــا ارتباطاتهـا العضوية بمافيات الدولة اللائكية ماليا علـى وجه الخصوص، كمـا أن طبيعــة المحمول الرسالي لديهـا يكشف بجلاء عن حجم تغلغل العقلية المتطرفة في بنيات الكوادر الإعلامية التي ناصبت العداء لكل توجه إسلامي متحرر من وصايـة الدولة الظالمة، بهذا يكون هـذا النمط الإعلامي الجبري نموذجـا رديئا للصوت الحر و شكلا من أشكال الاستبداد و طرفا أساسيا في استدامـة التبعية الحضارية و جزء لا يتجزأ من ماكينة  منظومـة الجبر السياسي، كمـا أنه صار مُعيقا حقيقيا لطلاب التغيير الجذري الذين حُرِموا من كل منبر قادر علــى منـافسة آلات إعلامية مدججة بكل التقنيات الحديثة .

 تعَفــرَتَ الإعلام اللائكي الجبري و تعجرفَ فخرج عن وظيفته الأخلاقية و قَبِلَ أن يكون قُــفــازا يمسح به الطاغية إجرامـاته في حق معارضيه، فبعد أن دنَّس مَهمته الرسالية و لطَّخهــا بأدرانِ السياسة راحَ يُــدلِّــسُ علــى الناس اتجاهاته عبر تصويرات مقلوبة للواقع أمــلا في كسب ثقة الناس، فهـو تدنيس لشرف أمـانة الكلمة و نُبلِ الرسالة و هو تدليس لحُرمة الوظيفة و لحقيقة الواقع ،و من علامات هـذا التدنيس و التدليس في قنوات الجبر اللائكي انكشاف أساليب التعاطي مع المخالفين سواء كـانوا أشخاصا بعينهم أم كانوا أفكارا و نظريات، فالعقل الإعلامي اللائكي يهيمنُ علــى اشتغاله منطق أُحاديّ النزعـة يتحسس الحقائق و يجمع منها مـا بدا له سندا في إدانــة خصمه اللدود و لا يكترث بطبيعـة الأحداث في شموليتهـا و لا يلقي بالا للمجازر التي يرتكبهـا الظلمة اللائكيون، بل يعمد جاهدا إلـى تزويق أساليب البطش الاستبدادي تحت مسميات الحفاظ علــى النظام العام و فرض الأمن، و فوق كل ذلك يتكفل بصنـاعـة احترابات اجتماعية تقوم علــى زرع القلاقل و تحويل كيان الجمـاعة إلــى وحدات متناحرة تُغذّيهـا لغة الصحافة الحاقدة و الإعلام العميل، ففي مصر صارَ الحديث عن الإعـلام الحر و القضاء الحر أقرب إلــى نُكتٍ اجتماعية دخلت عالم السخرية الشعبية و الدولية إذ قدمت سلطة الانقلاب الإعلامي نموذجـا بارزا لفضاءاتٍ تَــعـشَّـشت فيه أمراض الوصاية الاستبدادية و احـتـنكــتْـهُ قيادات العسكر و الخنجر، في هــذه الدولة الفرعونية الجديدة انخلعت قيم الحرية الإعلامية عن أداء رسالتهـا الاجتماعية و تدلَّت فيهــا حرية الكلمة الصادقة إلـى مستويات قياسية حضيضية و صار تصريف الكلمة الإعلامية عمــلا فاشيا تحت سيطرة أموال أباطرة الإقطاعيين الخليج و جنرالات لا تعرف غير السيف سبيلا . فرغم كل هـذا البطش و هذه المسرحيات القضائية العُكـاظية المتلاحقة فإن الديكتاتورية الإعلامية اللائكية لا زالت تؤدي دورهـا السافل الحقير كمــا لو أن الدولــة عادلة و لا زالت تسكت عن الجرائم الإنسانية و عمليات الإبادة القضائية الجماعية للمعارضين و عسكرة الجامعات و جرائم خنافس "الأمن المركزي" بحق العفيفات ، و بكلمة ، لا زالت أنياب اللائكية حـادة من موقع الإعلام تعمل عملهـا في محاربة الإسلام بلا هوادة.

 من وراء هـذا الجهـاز اللائكي الإعلامي المتعفن طابور من المثقفين المرتزقـة وجدوا في انتزاء السلطة الانقلابية علـى الحكم الشرعي منـاسبة لإحياء أحقادهم الفكرية فشرعوا يمدون الظلمة الإعلاميين بمزيد من الغي و الضلال المبين و راحوا يخوضون حربا قذرة ضد أنصار العدالة و الشرعية منتقمين للحظات فشل لائكييهم للوصول للسلطة عبر آليات الصندوق. لو كـان في قلب هـؤلاء ذرة من الإحساس بالآدمية لكان بمقدورهم أن يستنكروا مسلسلات التصفيات الجسدية و الفكرية للمعارضين و التي تشنهــا مؤسسات الفساد الإعلامي اللائكي و لَكان إصدار حكم قضائي -لا نظير له- بإعدام المئات جمـاعيا زلزالا كافيا ليهز النائمين و المخدوعين، لكنهــا العقلية اللائكية الحاقدة دائمـا سليلة أبناء "المُستعمِرين" لا يهمهـا أن تُسحَق البلاد و العباد ولا تتحرك إلا عندمــا يأتيهـا الطلب كعبيد ينتظرون خدمة أربابهم بلا تردد، لو كانت حقوق الإنسان و قيم المواطنة و استقلال القضاء و ضمان حرية الكلمة و مساواة الجميع..لو كانت مطالبَ حقيقيةٍ عند القوم لثاروا ضد البغي السياسي و ضد استغلال القضاء و ضد تدجين الإعلام و ضد الممارسات الوحشية لدولة أوغلت في الدمـاء  و الأعراض و لكانوا من أجل ذلك فضلاء جديرين بالاحترام من باب " الإنسان نظير لك في الخلق"، لكنهم للأسف الشديد عبَّروا بمـا فيه الكفاية عن حجم اندراس الحس الوطني في ضمائرهم و قدموا الدليل علــى استعدادهم الذليل ليكونوا سدنــة فرعون و خدَمَــة فرعون المتأله .

 لكن عـلامـات التدنيس و التدليس لا يمكن حصرهـا في أحذية إعـلام نظام بوليسي فرعوني فاشي و لا يمكن عدهـا بأي حـال من الأحوال خاصية قُطــرية بدولة مصر الانقلابية، إذ مـا بين دول التجزئة قواسم مشتركة في جوانب متعددة أهمهــا بقاء الإعلام فيهـا تحت الإقامـة الإجبارية و تحت فعل الأمـر و النهي وعلى أقل تقدير تحت النظر و المراقبة ، كمــا أن سيطرة اللائكيين مبكرا علـى مفاصل الدولة و أدواتهــا التصريفية جعلهم يشتركون مع العديد من الدول المستبدة في معاداة التيارات المنـاهضة للحكم الشمولي المنفرد، لذلك فتدنيس الرسالة الإعلامية الحرة و تدليس بضاعتهــا للناس عمومــا سيبقى جِذعــا مشتركـا في ظل بؤس السياسة اللائكية و اختلال منظومـة العدالــة الدولية، و هذا مـا يبدو واضحـا خـلال تصفح العديد من القنوات الرسمية في بلاد أنظمــة التجزئة و التي قتلت أمـانة الإعلام و صفدت فيهـا ألسُن الأحرار بأغلال الاستبداد ، فرغم هول الانقلاب الدموي بمصر و جلاء خيوط مؤامرات العسكر و تعجرف كيان البولسة فإن ذلك لم يكن كافيا لِحَصْحَصَــةِ الحق لديهـا و لم يكن سببا في إدانـة سلوك الظالمين، بل عكسَ ذلك تمامـا، فإعـلام البترودولار الإقطاعيين و فضائياتهم الأصفارية (من الصفر) أخذت علــى نفسهــا تزكية الباطل و أهلــه فتُعرض أحيانـا عن تغطية الواقع و أحايينَ أخرى تقوم بمُحـالفة الظلمة عبر الدعم المـالي السخي و الخرجات الإعلامية الكشكولية، و إدراج جمـاعـة "الإخوان المسلمين" كتنظيم "إرهـابي" من دولة  الأصفاريين لا يخرج عن محاولات التنفيس عن الإعلام اللائكي المصري الذي تمأْزقَ بفعل انكشاف ضلالاته، ولا يمكن عده إلا نتيجة للطائفية البغيضة لملوك العض و الجبر الإقطاعيين و لا يمكن أن تُفهَم أسبابه إلا باستحضار أزمـة الشرعية لدى مؤسسة آل سعود الملكية، هــي إذن عمليات يائسة الغرض منهــا إنقاذ نظام فرعوني بلغ في إجرامه مـا لم يرتكبه فرعون نفسُه، كمــا أن هَبَــلَ الإدارة الإعلامية الطائفية و من وراءهـا لواحقهــا من دول العبيد ( الكويت،البحرين،الإمارات..) إنمــا تتصرف من موقع الدفاع عن كراسيهــا اللاشرعية خوفا من أن يكون الدور عليهـا لاحقا و تتحرك بموجب الحفاظ علــى علاقاتهــا التبعية مع بني صهيون، فــلا عجب أن تعمد دُوَيلَــة صهيونية في طور النمو كالإمارات إلــى تعزية أسادهــا الصهاينة بمناسبة هلاك كبير السفاحين شارون ، فالطواغيت زمرة واحدة يتنفسون من هواء مسموم واحد و يتغذون من لحوم المناضلين الكادحين و يتصرفون بعقلية استئصالية موحدة همهم الوحيد أن يديموا التبعية و يُقبِّلوا أيادي أسيادهم و يكافئوا أعوان الظلمة علــى إنجازاتهم الدموية و خططهم الشيطانية .

        من علامات التدنيس أيضا أنكَ تجدُ شيوخــا أصفاريون يحدثونكَ عن دم البعوض و لا يتحدثون عن إجرامات الجبابرة و ما يحصده من الرقاب في كل يوم، تجدُ "علماء" ينزوون في أركـان مكاتب فضائياتهم يحدثون الناس في كل شيء و يشرحون لهم خرائط الإصلاح التغييري و يصفون لهم مسالك النهوض و يجيبون على أسئلـة الجميع بلا صمت، لكنهم يصمتون عندمـا يأتــي الجد و العمل و يفرون من ساحـات الوغـى فيدعون الميدانيين يجابهون آلات البطش بأرواحهم و شيوخنــا يتوارون خلف القنوات المُنمــقة المجهزة، يختفون و كأنهم يُنظِّـرون لواقع أحداثــه تدور في كوكب زُحَــل أو عُطارد فتشهــد عليهم أرض الدمـاء الطاهرة علــى كساد بضاعتهم و جُبنهم الدائم، من هـؤلاء من أعلنوهــا حربـا علــى الإخوان المسلمين قديمـا فتبلدت عقولهم عندمــا اختاروا تدمير البلد و سفك الدمـاء علــى مناصرة الحق من أي مكان جاء ( سعيد رسلان والرضواني والهلالي..)، ومنهم من أُلجِمت شفتاه فحسابه عند ربه.

     من السهـل جدا أن يكثر الشيوخ و الدعـاة علــى شاشات الفضائيات المتناسلة و من السهولة بمكان تسخير بعض الحركات و شيء من سحر البيان لمخاطبة الناس و تحسيسهم بضرورة تغيير مـا بالأنفس و المجتمع، لكن الصعب علــى هؤلاء ممن يؤمنون بإسلام فرداني أن ينخرطوا في مسارات تغيير المنكر السلطاني و الاستعداد لتحمل تبعاته، الصعب أن يتحدَّوْا قيم العجز و الكسل و الرهبة من الظالمين ليقدموا للأمــة نموذجــا حقيقيا في كيفيات الوقوف ضد المتغلب المنتز أيام انبلاج الحق و صحْصَحتِه ، الصعب أن ينزلوا من محيطات الفضائيات المُزَخرفـة المُرفَّهــة ليعايشوا نكبات الشعوب و هي تحترق حُزنــا علــى ضياع مبادئ العدالـة الإسلامية التي نافحوا عنهـا بأصواتهم و بإرادتهم الحرة، كــان العلمـاء السابقون رحمهم الله في بعض مراحل تاريخنــا قد سكتوا عن ظلم الطغاة حفاظا علــى سلامـة المجتمع من الفتن و صار هـؤلاء الآن ساكتين عن الطغاة ناقمين علـى المجتمع .و لله الأمـر من قبل و من بعد  







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز