عادل أسعد
adelas3ad@hotmail.com
Blog Contributor since:
23 May 2012

 More articles 


Arab Times Blogs
ثورة ضايعة .. ضيعة ضايعة 2-2

في بداية الحراك السوري كان هناك الكثير من السوريين ممن التزموا الصمت المريب و لم يصدروا حكماً على أحد ، و كان هناك أيضاً من انتابهم القلق و الشك من ماهية المحرك الفعلي للمظاهرات و حملوا بعض التساؤلات دون اطلاق حكم و سمحوا للحراك بخطأ آخر يضاف إلى خطيئة المتظاهرين في حمص عندما لبسوا الأكفان البيضاء و ساروا في الصفوف الأولى في التظاهرات حاملين رسالة فيها وعيد بالقادم أكثر مماهي رسالة تضحية لأجل الحرية . كنت وقتها من فئة القلقين من الحراك و المرتابين من محتواه ، و ممن يتسألون في دواخلهم عن أمور متناقضة فيه و ليست منطقية أو منسجمة مع شعارات الثورة و أهدافها المعلنة . و في أول مقال كتبته حول الأزمة السورية طرحت فيه تساؤلات عن تظاهرات يوم الجمعة كانت و مازالت تحمل تشكيكاً بما كانوا المتظاهرون ينادون به من مثاليات اجتماعية ترفع من قيمة الانسان السوري .

و كان من تساؤلاتي وقتها : ان كانت لحياة المواطن هذه القيمة التي تدعيها المعارضة لماذا لم نسمع يوماً أن معارضاً واحداً قد طالب مرة بتحسين الخدمات الطبية أو نادى بتحسين الطرقات و قوانين السير مما كان سينقذ سنوياً آلاف السوريين من الموت ، أي ما هو أكثر بأضعاف مضاعفة من السوريين التي تسعى الثورة لانقاذهم من براثن أجهزة المخابرات ؟؟ و لكن يبدو أن للمعارضة مزاج عام خاص بها .. مزاج له بوابات متعددة ، كل واحدة منها تفتح و تغلق حسب رغبة الراعي لها و حسب نوعية البواب القائم عليها ان كان دينياً أو مدنياً أو ميدانياً . في بداية الأزمة أفرزت لنا المعارضة السورية بواباً دينياً فريداً من نوعه ، هو داعية و زعيم معارض ذو أوامر مطاعة ولو كانت انتحار ، و له كلمة مسموعة ولو كانت هلوسات أو ترهات و هرطقات . هو منظر غاضب و خطيب منفعل لم تعرف مثله معارضة و لم تأت بمثله ثورة من قبل و لا حتى في بلاد الواق واق. إنه الشيخ العرعور صاحب نظرية قرع الطناجر لقهر الجيش السوري و مطلق صرخة الحرية العتيدة (سنفرم لحمهم و نطعمه للكلاب).. و المذهل في أمر المعارضة أنها قد قامت فعلاً بقرع الطناجر في محافظة حماة !! و مارست الفرم بالسواطير و المفخخات ، كما و سرقت جثث لأعدائها و رمتها إلى الكلاب الضالة لتنهش بها !!. العرعور جسد مثالاُ عن الزعامات الدينية للثورة أما زعاماتها المدنية أو (القشرة البراقة) من حملة الشهادات أمثال ميشيل كيلو و الغليون فهؤلاء لهم حكاية أخرى . فكيلو الشطيح (نسبة إلى شطحاته التي لا تنتهي) قد ظهر في أحدث مقابلة تلفزيونية و هو متفائل جداً و سعيداً بما حصل عليه من معلومات سرية من جهات سرية سوف تغمر المعارضة بالسعادة لو اطلعت عليها و لكنه لا يستطيع البوح بها الأن .

و تحت الحاح معد البرنامج تلحلح قليلاً الأخ المطلع ميشيل و سرب معلومة صغيرة هي فترة زمنية تقاس بعدد من الأشهر و بعدها سوف تنتهي معاناة المعارضة و سوف تشرق شمسها من جديد و سوف تعود إلى سورية زقزقة العصافير و ستأتي النهاية السعيدة بانتصار المعارضة و سقوط النظام المدوي ... و يا سلام ، و لكن مالم أفهمه حتى اللحظة هو أنه كيف لمعارض رومانسي و بواب ثورجي عتيق كميشيل كيلو أن ينسى أن هناك رؤساء لدول عظمى و رؤساء لدول اقليمية و لتنظيمات من كل حدب و صوب قد وقعوا قبله في حفرة (بعد شهرين سوف يسقط النظام السوري) و أن وقوعه في نفس الحفرة هو أمر يعتبر حسب البوابة السياسية كارثة معنوية و انتحار اعلامي لمصداقيته هو و ثورته . أما الغليون فلم يقصر هو الأخر بالمفارقات فقد هب علينا مؤخراً بدخانه فاتحاً للمعارضة باباً جديداً و مبشراً مقاتليها المحاصرين و المتهالكين بوصول سلاح جديد فعال سوف يقلب الموازين عاليها واطيها و قادر على نفخ العضلات و انبات الأجنحة التي ستحلق بمقاتلي المعارضة عالياً و تطلقهم إلى قصر قاسيون ... و لو فكرنا قليلاً في فحوى الكلام السابق لرأينا فيه دعوة من "البروفيسور" غليون لتغليب الاقتتال و الاستنزاف و سفك الدماء على أي خيار آخر في توقيت بدأت فيه الأطراف المتقاتلة تعيد حساباتها من جدوى هذه العبثية التي هدمت أكثر من نصف البلد ، و بدأت تظهر في الأفق بادرات لاتفاقات تقرب بين الطرفين تترجمت بمصالحات تتوالى بين المسلحين و الحكومة السورية . أما ثالثة الأثافي أو الكارثة الثالثة فهي تخص الزعامات الميدانية و قد جاءتنا من حمص العدية (بلد البوابين الميدانيين) بزعيم قد فاقت شعبيته تلك التي كانت للمفضوح عبد الرزاق طلاس .

 زعيم يمون على الحياة و السلاح و لم يتردد في أن يمون على الفتاوى أيضاً . زعيم حمل من الألقاب و المراتب أكثر مما حمله قائد جيوش الحلفاء في الحرب العالمية الثانية و هو حارس المرمى أو حارس الثورة السورية أو المنشد أو قائد كتيبة البياضة في حمص العدية أو المقاتل المؤمن عبد الباسط الساروت . أذكر أني قد شاهدت في اليوتوب منذ حوالي السنتين مشهد لعبد الباسط هذا و قد ترجل من السيارة ليتهافتوا عليه أطفال الحي من كل حدب و صوب بغية لمسه و هم ينشدون أغنية تمجده . و الغريب ان للساروت الكثير من المريدين أو الأنصار من البالغين و من حملة الشهادات العليا ، فقد حققت صفحة واحدة للمعجبين به على الانترنت أكثر من ثلاثة آلاف مشترك .

و عندما كانت الفضائيات الخليجية تعرض للساروت و تطلب منه التكلم في السياسة كان يصر دائماً على التحدث باسم طائفة و مذهب معين و يصف نفسه بالمعارض السوري و يقر في نفس الوقت أن هذا المذهب هو فقط ما يهمه من كفاحه في سورية !!. و عندما دب الخلاف بين مقاتلي حمص و قياداتهم في الجيش الحر و كتيبة الفاروق بسبب هزائمهم المتكررة في حمص لجأوا قادة المعارضة إلى الساروت كي يلقي كلمة على الحماصنة يهدء النفوس بها و يصلح ذات البين .. أما ما هو استثنائي و طارئ في مسألة عبد الباسط الساروت هذا هو أنه ليس بذاك الشخص المحنك و الرصين من أصحاب العلم و حملة الشهادات ، و هو ليس بذاك الرجل الهرم الذي أمضى حياته في السياسة و بين دهاليزها ، بل هو شاب عشريني لم يكمل تعليمه قد نما و ترعرع في أزقة و زواريب حمص العدية و انتهى بتطور طبيعي كمقاتل معارض ليكمل مشواره وصولاً إلى شعبية و زعامة تقارب حد التقديس بالرغم من أن أحدث تسجيل له على اليوتوب قد أظهره و هو ينوح على أخويه الذين قتلا في عملية تسلل بينما يقوم شخص بجانبه بتهدئته عن طريق .. (جرعة بالوريد) . نعم ..هؤلاء هم منظري و قادة المعارضة السورية ، و هؤلاء من يمثلون الحراك السوري و يعطون صورة دقيقة عن طبيعة مريدي الثورة و عن سطحية النظرة التي لمثقفيها و عن عقلية الحواري و الزواريب التي لمقاتليها الميدانيين . فالأمثلة المذكورة أعلاه هي لأكثر الشخصيات شعبية و رمزية في المعارضة و بعد كل هذا يأتينا المعارضون ليبحثوا عن أسباب خارجية لفشل حراكهم في كل مكان من حولهم ، فتارة هي المخابرات السورية و تارة أخرى هو حزب الله و ايران و في نفس الوقت هي أميركا المتخاذلة ، و أهم من هذا و ذاك هي الشيطان الأكبر روسيا حارقة قلوب المعارضين السوريين الذين فجروا شماتتهم بها في انقلاب اوكرانيا الأخير و منوا أنفسهم بسقوطها سياسياً أو سقوط حلفائها في المنطقة و تأملوا أن تكون اوكرانيا هي ورقة الضغط التي ستخضع الدب الروسي و تسقط الدولة السورية ..

و لكن لو تأملت المعارضة السورية قليلاً في المرآة و تمعنت فيما حدث في اوكرانيا لاكتشفت بسهولة ثلاث حقائق تواجه و تقابل كارثاتها الثلاث . أولها هو أن المعارضة الاوكرانية قد استطاعت على قلب الحكم بزمن قياسي في بلد حيوي بالنسبة لروسيا و ملاصق لها ، و يحوي فوق ذلك بين سكانه نسبة كبيرة من المواطنين الروس و من العساكر و المخابرات الروسية هذا عدا عن مليارات الدولارات التي تضخها روسيا سنوياً لاوكرانيا ... و الحقيقة الثانية هي أن الاستيلاء على الحكم في اوكرانيا من قبل المعارضة اليمينية قد كلف داعميها من الجهد و المال ما هو أقل بمائة مرة مما قدموه داعمو المعارضة السورية لها ... أما الحقيقة الثالثة فهي أن من تواجههم المعارضة السورية من جيش نظامي و جيش شعبي و حزب الله في الميدان هم ليسوا بالفريسة السهلة كما يتوهمون المعارضون ، و هم ليسوا بالطريدة الجاهزة للالتهام حالما تتوفر الأنياب و المخالب المناسبة التي تنتظرها المعارضة من أمريكا و اسرائيل . بل ان سرعة سقوط اوكرانيا قد أثبتت أن من يقاتل على الجغرافية السورية ليبقي سورية بعيدة عن فلك الغرب و الخليج و اسرائيل يملك من الاصرار و العناد و الانضباط ما استطاع أن يفل كل الدعم العسكري و اللوجستي الذي تلقته المعارضة حتى الأن ، كما و يملك من "الدهاء الحضاري" ما استطاع أن يتحمل سخونة كل الطبخات المخابراتية العالمية التي تجهز على أرضه على مدار ثلاث سنين و يفككها إلى موادها الأولية ليتم حرقها ... على ناره الهادئة .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز