نزيه عودة
olgalialina@gmail.com
Blog Contributor since:
18 April 2012



Arab Times Blogs
هيئة التنسيق – بضاعة أميركية كاسدة

تستمر الملهاة السياسية الدائرة في جنيف السويسرية بحلقاتها المتتابعة. ورغم وصول ما يسمى بالمفاوضات إلى حائط مسدود. فلا الأميركي يمتلك ما يمكن أن يعتمد عليه كخطة بديلة، خاصة بعد طي صفحة الخيار العسكري إلى غير رجعة، ولا روسيا راغبة في التشويش بفشل علني للمفاوضات على انتصارات الجيش العربي السوري الذي يبدو متقدماً أكثر من أي وقت مضى في دحره للإرهاب في مختلف الناطق السورية فلا داعي للعجلة حيث "بسترة" الإرهاب على الأرض قائمة على قدم وساق.

بعد فشل كل أدواتها في سورية من جيش حر وجبهة نصرة وداعش وجيش الإسلام وغيرها من مسميات يتفننون في استنباطها على عجل (كما كانوا يتحفوننا بأسماء الجمع الثورية مع بداية الأحداث)، باتت أميركا تلهث وراء التطورات الميدانية السريعة ولا تكاد تلتقط أنفاسها بعد كل سقوط لقلعة من قلاعها الكرتونية حتى تتهاوى قلاع جديدة. حتى بات التخبط والإرتجالية من أهم سمات السياسة الأميركية تجاه الأزمة السورية وهذا ما نراه من خلال التناقضات في التصريحات والمواقف العلنية لممثليها. هذا يحصل عادة عندما تخسر الدول استراتيجياً فلا تكون للتفاصيل الصغيرة قيمة تذكر ولا يعود إنقاذ الأدوات أمراً ذا قيمة، خاصة وأن هذه الأدوات أظهرت الخطأ القاتل لمن راهن عليها.

كانت أميركا منذ بداية الأحداث في سورية تسعى إلى تصنيع جسم معارض يحمل أديولوجيتها ويؤمن بأهدافها ويقدم فروض الطاعة على محرابها الصهيوني. ولم يكن من الصعب على الأميركان سواءاً بالمال أو بالكثير منه أن يجندوا خليطاً من أصحاب النفوس الميتة، وهم (الأميركان) ذووا خبرة عريقة وباع طويل في تصنيع المعارضات وخلق الناشطين السياسيين أصحاب الصدور العارية وحملة الورود وأغصان الزيتون. وبين كل أنواع البضاعة الأميركية على الأرض السورية هناك صنف غير كل الصنوف يقف وحيداً بعيداً عن كل البضائع الأخرى فرغم حمله منذ البداية "دمغة" صنع في أميركا وحصل على المباركة من بوابة السفارة الأميركية ومن المناضل فورد بعينه، يستمر هذا الصنف بإتخامنا بادعاءاته الوطنية وتمايزه عن باقي الأدوات. لم  لا وهو الذي "ضربنا منية" برفضه لحمل السلاح، لكنه في نفس الوقت أسس لمشروعية الدفاع عن النفس حتى لو كان بحمل السلاح الذي رفضه في البند السابق. وتابع بوقاحة تسمية ما يحصل في المدن السورية بالمظاهرات السلمية وأصر على وحشية القمع الأمني ضد هؤلاء الملائكة الأبرياء مع العلم أنه مع انتهاء كل يوم كان التلفزيون الرسمي يبث مراسم تشييع العشرات من أفراد وضباط قوى الأمن وكأنهم كانوا يقتلون بأغصان الزيتون. لا شك أن غضبنا وسخطنا على العصابات الإرهابية المسلحة أكبر من أن يقاس بكلمات لكن أولئك الذين مهدوا بتحريضهم وغطوا بدجلهم ونفاقهم ودعموا وساندوا بمكرهم على استفحال الإرهاب، أولئك الذين لا يزالون حتى يومنا هذا وبعد اعتراف العالم كله بخطر الإرهاب في سورية يرون في القتلة والمجرمين شركاء لهم يحاورونهم ويذهبون للقائهم إلى أي وجهة في العالم، لكنهم يرفضون ورغم كل الضمانات الدولية الإنخراط في حوار وطني في ربوع الوطن هؤلاء هم أكثر مدعاة لغضبنا واحتقارنا. إنها بضاعة من النخب الأميركي الرفيع حقاً تحت ماركة تجارية مسجلة لصاحبها روبرت فورد وإسمها "هيئة التنسيق الوطنية".

هنا أرجو من القارئ العزيز أن لا يتسرع بمهاجمتي على كلامي هذا وخاصة أن هيئة التنسيق هذه تحظى فعلاً بقبول في أوساط المثقفين الوطنيين، فقط لأنها أعلنت رفضها للتدخل الخارجي ورفضت حمل السلاح. ولكن هذه الصورة مرسومة من قبلهم للإستهلاك السياسي فقط وبمقاربة منطقية بسيطة تسقط كل الهالات التي عملوا على تظهيرها فوق رؤوس قيادييهم. وأنا هنا سأتعرض إلى أكثر المفارقات "صراخاً" إن صح التعبير:

1.منذ يداية الأحداث كانوا يفضلون مسايرة الإحتجاجات حتى بعد افتضاح تسليحها ويغلقون أعينهم كلياً عن ضحايا قوى الأمن المتزايدة ويتهمون النظام بما اصطلحوا على تسميته حلاً أمنياً وقتلاً للشعب الأعزل في حين إن ما كان يحصل وبكل بساطة لم يكن أكثر من تطبيق لمسؤوليات للدولة في حماية شعبها.

2. كانت تصريحاتهم دائماً ولا تزال تختلف جذرياً بين شخص وآخر وفي كثير من الأوقات كان بعضهم يدلي صباحاً بتصريح لجهة ما ويعطي مساءاً عكسه لجهة أخرى. فعلى سبيل المثال كنت عندما تسمع لحسن عبد العظيم تشعر وكأنه الناطق الرسمي لفورد، وتسمع لهيثم المناع فتشعر وكأنه عضو في حزب الإرادة الشعبية للتغيير والتحرير كما كانت مواقفهم تختلف من عاصمة إلى أخرى ومن مجلس إلى آخر.

3. لم يوافقوا على مدى كل سني الأزمة على الإنضمام إلى الحوار الوطني في الوطن، فمن جهة كانوا يخافون أن يخسروا تعاطف من يسمونهم ثواراً ومن جهة أخرى كانت لهم حساباتهم السياسية وكانوا ينتظرون سقوط النظام إن لم يكن اليوم فغداً وإن لم يكن غداً فبعد غد وكانت التعليمات والنصائح تتواتر إليهم من الرعاة الأميركان أن انتظروا ولا تبيعوا أسهمكم فالبورصة إلى ارتفاع  وبهذا هم شاركوا في استمرار قتل السوريين بدم بارد فقط ليصلوا إلى غاياتهم السياسية ولو على أنقاض بلدهم المدمر.

4. بعد انقلاب الموازين ورجحان كفة الجيش العربي السوري على الأرض وتوضح الدعم الروسي الصيني الغير محدود، بدأ التنسيقيون بالمناورة فاحتدت لهجتهم ضد الإرهاب وصاروا يظهرون تعقلاً سياسياً مصطنعاً يتناسب مع المرحلة، لكن رغم ذلك لم يتخلوا عن اتهاماتهم للدولة ورفضهم للحوار معها وذلك بانتظار التدخل العسكري الذي كانوا يعلنون رفضه وبالتالي سقوط النظام ودخولهم كما أسلافهم في العراق على ظهور دبابات المحتل وفي ظلال راياته.

5. في المراحل اللاحقة وبعد الإتفاق الروسي الأميركي وإعلان جنيف شعروا أن هذا هو وقت قطاف ثمار زرعهم السياسي وخاصة مع إيلائهم اهتماماً من قبل روسيا التي كانت تبحث عن بدائل لمعارضي الإئتلاف الرافض للحوار.

6.عندما قرر الأميركان أن يضعوا في واجهة جنيف السياسية مقابل الوفد الرسمي السوري وفداً من الإئتلاف وعرض عليهم مشاركة متواضعة تحت قيادته شعروا بخيبة الأمل وانزووا حانقين ولكن لم يدم "حردهم" طويلاً (خوفاً من قذفهم خارج مركب التسوية) فبعد الفشل الذريع الذي مني به وفد الإئتلاف في جنيف 2 اقتنع الأميركان أنه لا بد من تطعيم الوفد المعارض برموز جديدة لمتابعة المناكفات السياسية واستمرار التغطية على عمليات العصابات المسلحة، فرضخ التنسيقيون لرغبة الأميركان وانخرطوا في حوارات مع الإئتلاف لم تقدم ولم تؤخر.

مما سبق بات واضحاً أن هيئة التنسيق رغم ادعاءاتها بالإلتزام بخط معتدل وتوجه ديموقراطي وعقيدة وطنية، فإن أداءها السياسي على مدى سني الأزمة أظهر عمق النفاق والإنتهازية السياسية والشبق الفظيع للوصول إلى السلطة بأي ثمن.

أنا أعلم أنني بطرحي هذا سأكون عرضة لإنتقادات حادة من الكثير ممن لا يزالون حتى اللحظة مخدوعين بالشعارات البراقة والأخلاقيات المبدئية للهيئة لكنها سقطت في امتحان الوطنية السورية وسقطت حتى من اعتبارات داعميها الأميركان، لأن الخياران المطروحان اليوم على طاولة الأزمة السورية لا ثالث لهما: أولهما حل سياسي متفق عليه بين روسيا وأميركا بشروط سورية وبإدارة سورية وعلى أرض الوطن وثانيهما حرب طاحنة مهما طالت ستنتهي بانتصار الدولة السورية وتلاشي الهيمنة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط. وفي كلا الحالتين لا مستقبل لبضاعة ستكسد دون أن تجد من يشتريها.

كييف 27/2/2014







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز