د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
السعودية .. الانتحار وحتمية الانقراض

 

لا يغرنكم الكلام الكبير .. راح بندر جاء متعب .. راح متعب جاء نايف .. قال كيري وقال هولاند، والسلاح يتدفق على سورية، وملك الأردن ترك موائد القمار في لاس فيجاس، وجلس على مائدة قريبة من سورية مع المقامرين السعوديين، والأمريكيين، والإسرائيليين! القضية فيها لغط كبير يراد منه التغطية على الحقائق على الأرض.

 

قبل بضع سنوات ألقى أكاديمي أردني مرموق محاضرة في جامعة يمنية سأله خلالها الطلبة عن دور النظام القبلي السعودي في تخريب العالم العربي والإسلامي، ومصير هذا النظام. أجاب الأستاذ، من بين أشياء أخرى، بأن وعي شعب اليمن هو حتف النظام السعودي، فالتغيير سيزحف إلى السعودية من اليمن.

 

لا شك أن الأكاديمي الأردني كان بذلك يشير إلى ما يفرضه الواقع على الأرض، ففي اليمن شعب في حالة حراك، ويتمتع بقسط وافر من الوعي السياسي يشكل العداء للجار المتغطرس، الجامد عقليا، جزء هاما منه. وديموغرافيا فإن الاتصال البشري الوحيد لشعب الجزيرة هو مع اليمن، إذ تقع الكتل السكانية في الجزيرة في مناطق معزولة عمن حولها من الجيران إما بالصحراء أو بالبحر. وعلى هذا فإن النظام القرووسطي الذي يستند إلى أجهزة استخبارية فاشية يستفرد شعب الجزيرة، ويعمل على قطعه نهائيا عن العالم كله، خاصة عمن يحيط به لمنع انتقال أي وعي، أو تحرك سياسي إلى صفوفه – اليمن كان لوقت طويل بمثابة عقب آخيل بالنسبة للنظام المتعفن في الرياض.

 

كلام منطقي، والنظام السعودي يعي خطورة اليمن عليه تماما، ولذلك كان إدخال كتائب القاعدة إلى اليمن للعبث بأمن الشعب اليمني، وإشغاله بمشاكل لها أول وليس لها آخر سياسة سعودية واضحة. وقد تفرغ هذا النظام القرووسطي لليمن وحده لفترة طويلة، إذ كان يشعر بالأمان من كل الجهات الأخرى، فبالنسبة إلى العراق، مثلا، كان الوضع مطمئنا، فعدا عن الصحراء بين البلدين كان هناك لسنوات طويلة نظام صديق للسعودية، ثم تحول العراق، بفعل التآمر السعودي، إلى بلد ينزف ويعالج جروحه، ولا يشكل من قريب أو بعيد أي خطر على آل سعود. أما من الشرق فكان البحر يحمي النظام من إيران ومما رأته قبيلة آل سعود خطر الثورة الإسلامية، وخيل للنظام الفاسد في الرياض أنه بإشعال الحرب بين العراق وإيران أفلح في إخراج عدوين لدودين له من الساحة إلى أجل طويل. أما الأردن، فمع وجود اتصال بشري بسيط بينه وبين الجزيرة فإنه لم يكن يدخل في الحسبان لدى وضع الستراتيجيات لحماية نظام آل سعود، فطاولة القمار في عمان كفيلة بدرء أي خطر قد يشكله الشعب الأردني على النظام المهترئ في الجزيرة.

 

اليوم تغيرت الأمور، ولم يعد اليمن وحده يقض مضاجع النظام السعودي، الوريث الوحيد لتخلف القرون الوسطى، فمن الشرق، مثلا، أصبح النفوذ الإيراني عابرا للبحار والصحاري، ووصلت التكنولوجيا الإيرانية إلى الفضاء، وصارت السعودية تشعر أنها أصبحت أصلا على مائدة التفاوض مادة للمقايضة بين إيران والولايات المتحدة، دون أن يسأل أحد عن رأي خادم الفئتين (الفاسدة والمفسدة)، وصار صد التأثير الفكري من إيران أمرا مستحيلا وليس كما كان قبل ثلاثة عقود عندما كان وجود صدام حسين وحده على البوابة الشرقية كافيا لجعل الرؤوس العفنة في الرياض تتوسد الطمأنينة. وفي الشمال لم يعد العراق كما كان، بل صار حليفا طبيعيا لإيران، وليس هذا وحسب، بل وإن آفاق التواصل بين إيران والعراق وسورية ولبنان تجعل السعوديين يشعرون أنهم يتحولون إلى ما يشبه "قملة بين إظفرين"، بين عملاق في طور النشوء في الشمال وبين اليمن الذي يتحرق شوقا للدوس على أنوف النظام العفن في الرياض.

 

وغير هذا، فإن السعودية، بناء على تجربتها مع عراق صدام حسين، كانت تضع خططا خبيثة للتعامل مع تركيا علها تستطيع أن تضع تركيا في مواجهة إيران. هؤلاء التيوس يحسبون أن أموالهم كفيلة بتحقيق كل ما يريدونه. لكن التطورات الأخيرة في العلاقات بين تركيا ونظام آل سعود الفاسد تكشف أن تركيا لم تبتلع الطعم، فبالنسبة للأتراك لا تساوي المصالح القبلية لآل سعود مثقال ذرة إزاء المصالح الحيوية لتركيا، وما ارتكبه صدام حسين بحق العراقيين حين حمى بدمائهم أمن آل سعود لا يمكن أن يقترفه الساسة الأتراك، بل ولا حتى ملك الأردن الهاشمي القرشي، مهما بذلوا له على موائد القمار.

 

النظام السعودي محاصر، يطبق عليه الموت، كما يشعر ويرى، من كل جانب. ولن يلبث شعب الجزيرة طويلا قبل أن يقول لهذا النظام المتخلف "كفى". النظام السعودي يعيش في الحقيقة حالة الاحتضار، وغاية ما يرمي إليه هو أن يمد في عمره بعض الشيء، قبل أن ينتهي نهاية القمل. ولمواجهة حالة التقمل فإن هذا النظام صار يؤمن بأن الهجوم هو أفضل وسيلة للدفاع، فراح يرسل تيوسه الوهابيين يمينا ويسارا في مهمات انتحارية لنشر الموت والدمار في كل مكان من أقصى جنوب اليمن إلى أقصى شمال سورية، مرورا بالعراق، وذلك بدلا من الاستسلام لمنطق العصر الذي يفرض عليه ان يرحل إلى مزبلة التاريخ، أو إلى جهنم الكبرى.

 

إن إصرار السعودية على إشعال حرب طائفية على امتداد الأرض العربية، والإسلامية، لا يمكن تفسيره إلا بأن هذا النظام يستخدم جهاد الانتحار للتغطية على حالة الاحتضار التي يعيشها إذ يرى آل سعود بأم أعينهم المستقبل الأسود الذي يزحف إليهم في عقر دارهم، ويظنون أن الحرب الطائفية ستشغل شعوب المنطقة بعضها ببعض، ويبقون هم لثماني سنوات أخرى يتفرجون على الدماء وهي تسيل كما سالت بين العراق وإيران.

 

اللغط حول من فشل، ومن لم ينجح، ومن لم يفلح في سورية، وحول الهجوم من الجنوب نحو دمشق، كله لغو فارغ، فسواء وضعت ملفات سورية ولبنان والعراق بين يدي القرد الأجرب بندر، أو في يدي التعبان متعب، أو ابن نايف لا يغير من الأمر شيئا، فليس لأي من هؤلاء ذرة من الذكاء أكثر من غيره. إنهم متساوون في الغباء والتيوسة، وكذلك ليس بينهم من هو أقدر من غيره على استخدام التيوس لغير القتل العبثي، فهم من نفس السلالة من التيوس. ويقينا فإن السياسة الهادئة التي ينتهجها الإيرانيون، وكذلك السياسة الواعية التي يتبعها حزب الله، والدهاء السياسي الذي أثبتته القيادة السورية على مدى السنوات الثلاث الماضية كلها مجتمعة سترد كيد آل سعود إلى نحورهم، وتتحول الحرب التي يريدونها طائفية إلى حرب بين القوى المحبة للحرية والحياة والسلام من جهة، وبين الإرهاب الوهابي السعودي من جهة أخرى.

 

هناك عامل وحيد في الكماشة التي تطبق على القملة السعودية ما يزال لصالح إطالة عمر النظام القرووسطي في السعودية، وهو مماطلة نظام حكم المالكي في العراق في الرد على الإرهاب السعودي. لقد تلكأ المالكي في معالجة الإرهاب، وتأخر كثيرا، وكان المفترض به أن يشارك من زمن بعيد، وبنشاط حاسم في محاصرة الإرهابيين السعوديين على الحدود مع سورية. وواضح أن المالكي، رغم اعتبار الكثيرين له حليفا لإيران، يتحرك في الواقع ضمن إطار اتفاقياته الأمنية مع الأمريكيين، وهؤلاء يهمهم كثيرا إطالة عمر نظام آل سعود لأن كل "المجاهدين" الموجودين تحت تصرف آل سعود والمستعدين للفطس طمعا بالحور العين، أو ربما طمعا بحفنة دولارات هنا على الأرض، وكذلك موارد الجزيرة النفطية، باتت كلها احتياطيا مهما لإسرائيل. ولهذا يمكن توقع المزيد من انتحار التيوس لأن إسرائيل تحب أيضا أن تستمتع بقدرتها على استخدام ما تحت تصرفها من موارد نفطية ومن تيوس.

 

ولكن مهما كان عدد التيوس من هواة الانتحار كبيرا، ومهما غير نظام آل سعود في الوجوه الكالحة التي تقبح صفحات الجرائد، فإن حكم التاريخ قد صدر بحقه .. إنه الانقراض، ولو أن آل سعود أبدوا شيئا بسيطا من الرغبة في الاستسلام لمنطق التاريخ فإن العالم كان بلا شك سيضع نظامهم في متحف التاريخ، ولكن بهذه التياسة التي يقاومون بها روح العصر فإنهم يجبرون العالم من حولهم على إلقاء نظامهم قريبا في المكان الوحيد الذي يليق به - مزبلة التاريخ.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز