عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
معجزة نوح هي عمر نوح، عليه السلام

نوح شاهد على العصور!

 

  كلما كان يجيء رسول يحدث  قومه أن هناك يوم قيامة وأن فيه بعثاً، فإنهم كانوا يتحدوْنه بأن يأتيَهم بآبائهم إن كان من الصادقين، وكانوا يعتبرون أن الدهر هو الذي يهلكهم، وأن الأمر سنة طبيعية جارية لا مصرّف لها: "نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر".  

 فجاء نوح آيةً على أن الدهر لا يُهلك، وأن حياته بعمر مضاعف عدداً من المرات ما هي إلا بمثابة بعث لآبائهم.

  فها هو نوح بعمره الألفيِّ غير المألوف للناس - ها هو قد عاكس الهلاك الدهري؛ والطبيعة لا تشذ أبداً لو كانت دهرية!

  وما من نبيٌّ كان يأتي لقومه إلا ومعه آية تمثل معجزة خارقةً تُظهر للناس صدقَ دعواه بأنه مرسل من عند الله تعالى لتبليغهم رسالةَ الدين؛ إذ إنهم إذا ما جاءهم لا بد سائلونه عن برهان يثبت لهم منه أنه مأمور بحمل الرسالة من الله تعالى. فماذا كانت آية نوح، عليه السلام؟

  كانت آيته هي عمره المتطاول المتجاوز لأضعافِ كل الأرقام المعهودة للأعمار!

فما قصة عمره؟

 يبين صريح القرآن أن نوحاً، عليه السلام، قد بقي يدعو قومه ألف سنةٍ إلا خمسين عاماً، وإذ لم يؤمن معه منهم إلا قليل فقد جاءهم الطوفان.

أرى أن آية نوحٍ الكبرى كانت هي عمر نوح، عليه السلام.

فاسمع ماذا قال نوح: "{وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً }{ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً}"... إنها خِبْرته في عشرات الأجيال التي تعاقبت ورحلت وهو حيٌّ؛ فهكذا هو توالد الأجيال سلوكاً، إنه استنساخ اجتماعي متواصل: {وَٱلْعَصْرِ}{إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ}{ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}

متى كانت رسالته؟

 يبدو أن نوحاً، عليه السلام، قد ضرب الرقم القياسي في العمر بين قومه وفي تاريخهم، وحينئذ جاءته الرسالة، أي بعد أن تجاوز عمره قليلاً أطول عمرٍ يعلمونه، بعد أن أصبح أطولهم عمراً، ولم يبقَ من مُجايليه لا ديّارٌ ولا وقّادُ نار، جاءته الرسالة، وهذا يعني أنه كان فيهم،  حسب عمره - كان حالةً فريدة في الفتاء والنشاط وفي كامل السلامة الذهنية والبدنية والجنسية؛ وأخذ يدعو ولكن أحداً لم يستجب له؛ كان قد أتمَّ خبراتِه الاجتماعية ومعرفة النفسية البشرية على أكمل وجه، ولمّا تأته الرسالة. وأخذت الأجيال تأتي وتذهب وهو على قيد الحياة، وفي تمام الصحة، وبقي يدعوهم مثابراً فلا  يستجيبون. وكرت القرون بأجيالها، والمعرفة عنه والتعريف به متواصلان متناقلان متواتران بأنه بالغ من العمر ما يزداد مضاعفاً على أطول ما هو معهود لدى قومه وغيرهم من الحد الأعلى من عمر الإنسان.

 ولما أوشك اقتراب وعد الله تعالى بإنتهاء رسالته، فقد أمر سبحانه نوحاً بالزواج وقد دخل عمرُه القرنَ العاشرَ، ونظراً لصلاحيته الجسدية وغيرها فقد قبلت به إحداهن، مدفوعةً إلى ذلك لغايةٍ أو لأخرى. وجاءه منها ذرّيّةٌ كان آخرهم غلاماً، جاءوه على ذلك الكبَر المتمادي؛ وبلغ الأخيرُ منهم أشدَّه، ولكنه لم يؤمن بنبوة أبيه، وكذلك فإن زوجته هي الأخرى لم تؤمن به مع أنها كانت تعلم من تناقل أجيال قومها للقول إن عمره قرون، وربما كان ما وجدته فيه من القوة الجنسية الفائقة هو ما قد رابَها منه، وشككها في رواياتهم؛ وبخاصّةٍ أن مظاهر الشيخوخة غائبة عنه. ولكنَّ مجيء الذريّةِ لنوح على تلك السنِّ الألفيّة، قد فتح السبيل لإيمان نفرٍ من قومه المعاصرين له؛ إذ لم يعد من شكٍّ لديهم أنه بشر، لا ملَك ولا جانّ، وأن عمره واحتفاظه بسلامات الجسم والجنس والعقل، ما  هما إلا من قدرة الله تعالى، إنها آية نوح أنه رسول إليهم.

 أجل، نوح نفسه، هو آية رسالته؛ وذلك متمثلٌ في عمره المتمادي، وفي احتفاظه بالسلامة العقلية والجسدية والجنسية بخلاف المعهود، وبحصول الذرّيّةِ منه، ومنها ابنه الشقي، في عهد أواخر الأجيال التي عاصرها.

 

 كان نوح من قبل الرسالة قد شاهَد، وكان من قبلُ قد علم من شهادة التاريخ، أن سننَ الاجتماع لا تتغير، ولكنه جاء ليكون شاهداً للتاريخ. شهد التاريخُ لغيره من الأنبياء على أن الأقوام نسخة اجتماعية واحدة: {مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} (فصلت:43) تعدّدتِ الأقوامُ والردُّ واحد، ولكن نوحاً نفسَه كان شهادة للتاريخ؛ لقد جاء شاهداً على العصور، لا على عصر واحد فقط.

  حقّاً، فإن تغيير الأجيال لا يغير أقوال الأقوام لرسلهم. ولقد كان نوحً تاريخاً يمشي على رجليْن. كان بشراً تاريخاً، وقلّما يمثل التاريخ للناس موعظةً، ولذلك هو يُعيدُ نفسَه.

 فالجيل الختاميّ الذي عاصر نوحاً الألفيَّ وهو بكامل سلاماته العقلية والجنسية والجسدية، وشهد ميلادَ ابنه الأخير وهو في ذلك العمر، عمرٍ عشريِّ القرون، وشاهد فيه نوحاً نفسَه شاهداً على التاريخ، ومع ذلك لم يؤمن– أفلا يكون قد استحق العذاب؟ ..

حقّاً، لقد حانَ يومئذٍ قطافُهم بالطوفان!

{وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ}{وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} (الصافات: 75-76).

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز