الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
عالم الثقافة : ح 4 - درب السعادة !

نتعلمها بان نسعد الناس مثلما نسعد انفسنا، ذلك الذي يتمتع بسعادته دون ان يشارك فيها غيره لن يحصل على كل ما يستحق، لان الانانية وحدها لا تسعد شخصنا انما الذي يسعدنا هو اننا نحس اننا مشتركون مع غبرنا في هذه السعادة. وقد يكون هذا الاشتراك شخصيا حين يسعدنا مثلا ان نسعد امهاتنا او ابنائنا او اصدقائنا. او حين نسعد طفلا يتيما او اسرة بائسة. ولا تزال في ذهني صورة سيدة ارملة مات زوجها ولم يعقب. فتبنت عملا خيريا هو العناية بمعهد للصبيان اليتامى كانت تهتم بهمك وتتعب وتعرق من اجلهم كما لو كانت امهم التي تسعد بسعادتهم وكانت سعيدة حقا.

 

وهناك نوع آخر من السعادة لا نعرف فيه شخصا معينا او اشخاصا معينين نسعدهم ونسعد بسعادتهم، وذلك حين نحس اندغامنا في مجتمعنا ووطننا. او فيما هواكبر من ذلك، اي الانسانية. فنخدم مبدأ وندعو الى مذهب ونكافح ونتعب لاننا قد رسمنا حالا مثلى للوطن او الانسانية،  نهدف الى تحقيقها ولا نبالي ما نلاقي من آلام في سبيلها وهذه هي السعادة الكبرى التي لا نبالي ان نفقد سعادتنا الصغرى في سبيلها. فالهموم الشخصية مثل الاثراء والنجاح وتحقيق الملذات الشخصية، كل هذا لا قيمة لها عندئذ في جنب هذا الامل الاكبر الذي يغمرنا.

 

وعندما نصل الى هذه المرتبة السامية، يكون لأرتقاء المجتمع الانساني او انتصار السلام في العالم او ظهور دواء للسرطان او هزيمة الجهل والفقر والمرض او زرال الاستعمار او نحو ذلك ما يملأنا سعادة لا تقدر بجانبها اية سعادة شخصية اخرى. وعندئذ نفكر بالعقل العام والاعتبارات العالمية.

ولكن يجب ان نتدرب على السعادة منذ طفولتنا، التدريب الذي يفهم منه الصبي والشاب كيف يتجاوز شخصه الى امه ثم بعد ذلك يتدرب على سعادة ارفع واكبر وهي كيف يتجاوز بحبه لأسرته الى حبه لوطنه، ثم الى العالم اي الى الانسانية.

 

لقد الف الاديب الامريكي دوس هكسلي كتابا عن الميكالين، وهذه مادة مخدرة تستخرج من جذور الككتوس الذي نعرف احد انواعه عندنا بأسم التين الشوكي، لكنه يختلف عن المخدرات كونه يخدر الجسم لا العقل، وبذلك يرى الانسان النور اضوأ والزهر انضر والاحساس بالرضى اكمل، وهذا الاسترخاء يجعل صاحبه يشعر بالسعادة.

ونعني هنا بالسعادة المزيفة.

 

وواضح ان الرجل السعيد حقا هو ذلك الذي تنبع السعادة من قلبه كما لو كانت اشعاعا نفسيا لا يحتاج الى الخمور او المخدرات او الميكالين. وكلنا يعرف هؤلاء السعداء الذين لا يحتاجون حتى الى فنجان من القهوة او الشاي فضلا عن الخمور و المخدرات. وقد كان الفيلسوف الانكليزي برنارد شو كذلك. انه لم يكن بحاجة اليها، لأنه اتخذ من انسانيته مذهبا لخدمة الانسان وبذلك كانت نفسه تغمرها السعادة الحقيقية. ان الاشخاص من صنف هؤلاء لهم صفات يمكن ان نعرفها من العناوين التالية:

 

انهم غير انانيين. فان الاناني الذي يتعب كي يثري ويقتني ليس سعيدا لانه في الاغلب يحيا في جو من البغض يثير في نفسه ايضا بغضا، فلا يجد ذلك الحب الذي يستمتع به غير الانانيين. ثم ان انانيته لا تعرف حدودا فهو دائما سجين الهموم، يحاول الزيادة في الاقتناء. مثل احد الاشخاص في قصة تولستوي ما زال يقتني ويثري حتى خطر له ان يخرج كي يضيف الى ارضه الواسعة، فشرع يسير، يشتري ويضيف، الى ان مات.

لذا قلما تجد شخصا مفرطا في الثراء الاّ وهو مريض نفسيا وجسميا.

 

ولكننا نجد السعداء حيث نجد الحب للأخرين. فالام التي تحب ابنها سعيدة بهذا الحب ولكنها تبتئس اذا جعلت هذا الحب انانية، كأن طفلها يعض بعض مقتنياتها التي تخشى ضياعها حتى ليعود اهتمامها به هما وقلقا وهي تحدد طاقاته وتحول دون نموه النفسي والعقلي بهمها وقلقها.

والفنان سعيد بفنه لانه يرتقي به ويجد فيه الجمال او الكفاح المنشود. وصاحب الرسالة سعيد برسالته وهو يكبر بها وينضج مهما استهلكت من قواه ومهما عانى من فقر وحرمان بسببها. ورجال المذاهب والمبادئ سعداء ايضا لانهم يهدفون منها الى خير مجتمعهم. وخلاصة القول اننا حين نهدف الى السعادة يجب ان نتجاوز نفوسنا واشخاصنا وانانيتنا الى ما هم اعلى منها جميعا،

 

والنبي الكريم محمد، عندما نزح عام 622 ميلادية الى مدينة يثرب ورأى افراد القبائل فيها في منازعات وحروب. وتمكن بفضل حنكته ودهائه وبفعل خطاباته التهذيبية ان يصلح بينهم ويجعل منهم اناس متحضرين، تجمعهم علاقات الاخاء والمحبة بدل العداوة والبغضاء، لأن المسلمون اخوة في الدين، غمرته السعادة الحقيقية حتى قام بتغيير اسم مدينة يثرب الى المدينة المنورة مثلما اطلق على ساكنيها من المهاجرين والانصار كنية الطيبون.      

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز