حمدي السعيد سالم
h.s.saliem@gmail.com
Blog Contributor since:
04 September 2010

كاتب عربي من مصر
صحفى بجريدة الخبر العربية

 More articles 


Arab Times Blogs
فيدرالية اليمن والقفز إلى المجهول

لما كانت المواطنة المتساوية من أهم المبادئ والأساسيات التي تحرص عليها الشعوب، ‏وتتعهد الأنظمة السياسية والحكومات والأحزاب بالحفاظ عليها أو السعي إلى تحقيقها، ولأنها ‏من أبرز العناوين والشعارات التي تغنت بها الفعاليات والقوى المساندة للتغير في اليمن بالعام ‏‏2011، ولأن المواطنة المتساوية تتجسد، أول ما تتجسد، في الواقع العملي من خلال المبادئ ‏الدستورية والقانونية، التي تقوم عليها الدولة.....لإن الدولة في مفهومها الأوسع والبسيط تتكون من ثلاثة عناصر أساسية هي "إقليم، وشعب، ‏وسلطة، مساحة محددة من الأرض (إقليم) يعيش عليها ‏مجموعة من الناس يتصفون ‏بخصائص متقاربة (شعب)، تسيطر عليها ‏سلطة واحدة بقوانين وأنظمة موحدة".....‏ ‏وتتخذ أي دولة في العالم أحد شكلين (إما بسيط أو مركب)... والدولة البسيطة هي الأساس، ‏وتسمى الدولة الموحدة، لأنها تتكون من إقليم واحد، وشعب واحد، ونظام حكم واحد..... وهذا ‏الشكل تتخذه أكثر من 85% من دول العالم.... أما الدولة المركبة، فهي في الجوهر والمضمون ‏عدد من الدول تتحد ببعض صفاتها وفي المظهر دولة، تسمى الدولة الاتحادية أو "الفيدرالية"..... ‏فالشكل الأول، تكون الدولة فيه مكونة من (إقليم ‏وشعب وسلطة) والشكل الآخر هو الدولة ‏الاتحادية وتكون الدولة فيه مكونة من (أقاليم، شعوب، سلطات).... ‏لذلك عندما نتحدث عن شكل الدولة، فإننا لا نتحدث عن أمر يتعلق بنظام الحكم أو النظام ‏الإداري أو الأحزاب والسياسات فقط، بل عن أمر يتعلق بمكونات الدولة الأساسية الثلاثة ‏‏(الإقليم، والشعب، والسلطة)، ‏الأمر الذي يجعل منه موضوعاً بالغ الحساسية ومصيرياً أكثر ‏مما يمكن أن ‏يحدث جراء سقوط النظام السياسي أو حدوث انتقال بين أحد أنظمة ‏الحكم أو ‏حتى سقوط البلاد في أيدي احتلال أجنبي.... ‏كثيراً ما نسمع عن الفيدرالية بأنها متعددة الأنواع تختلف حولها وجهات النظر، لكننا هنا نؤكد ‏أن ثمة قواعد علمية ومعرفية محددة، لا يختلف عليها اثنان من الخبراء، مهما كان أحدهما ‏مؤيداً أو معارضاً، فيكون أساس الاختلاف هو الجزء الذي سيركز عليه الواحد منهما، وليس ‏على الأساس....

الفيدرالية هي كلمة معناها الاتحادية، وهي مصطلح يعبر عن ‏نظام الدولة المركب..... ولتقريب الصورة فإن عبارة "بسيط" تعني أن المشار إليه يتكون من شيء ‏واحد، وعبارة "مركب" تعني أن المشار إليه أكثر من شيء.... ويمكن من خلال ذلك، تعريف ‏الدولة الفيدرالية أو الاتحادية أنها: عدد من الدول تجد على رأسها دولة تمثلها أمام الخارج ‏وتمارس بعض السيادة عليها وتنظم علاقاتها عبر قانون دستوري، أو هي نظام يتركب من ‏عدد من أنظمة الحكم المستقلة ذاتياً تتحد فيما بينها بنظام مركزي... ‏ويقوم النظام الفيدرالي على قاعدتين أساسيتين:
الأولى، هي أن الدول أو الأقاليم أو الولايات ‏المتحدة يتوفر لكلٍ واحدةٍ منها الاستقلال الذاتي، فيكون لها سلطة تشريعية وتنفيذية وقضائية ‏مستقلة، وتمارس السيادة على حدودها الطبيعية....
و الثانية، هي أن هذه الدول أو الأقاليم ‏أو الولايات توحدت فيما بينها ببعض الخصائص وتنازلت عن شخصيتها الدولية لصالح هيئة ‏موحدة..... ‏
وبصورة عامة يمكن أن نقدم تعريفين مختصرين للفيدرالية :
الأول، في حالة التوحد بين عدد من الدول: وهنا تعرف الفيدرالية بأنها ‏نظام يوحد مجموعة ‏من الدول تتمتع بخصائص مشتركة تتحد لتكوين دولة ‏مركزية قوية تمثلها على الساحة الدولية ‏وتتولى قضايا الدفاع والأمن ‏القومي وما يحدده الدستور وتسمى الدولة الاتحادية..... وتحتفظ كل ‏دولة عضو ‏بهويتها واستقلالها الذاتي.... ومن أمثلة هذه الحالة، الولايات المتحدة ‏الأمريكية...‏
الفيدرالية في حالة الدولة الموحدة وتعني: تقسيم الإقليم إلى أقاليم، ‏والشعب إلى شعوب، ‏والسلطة إلى سلطات..... أي تقسيم الدولة البسيطة ‏إلى دول ومن ثم إقامة دولة اتحادية تمثل هذه ‏الدول مجتمعة وتمارس بعض ‏السيادة عليها.... ومن أمثلة هذه الحالة، الصومال و ‏السودان......
من ناحية أخرى تنشأ الدول أو الاتحادات الفيدرالية في العادة باتحاد مجموعة من الدول أو الدويلات أو ‏القوميات، وتنشأ أحياناً نتيجة تفكك دول موحدة، وذلك كالتالي: ‏
‏1- اتحاد ولايات أو دويلات، تتحد لتكوين دولة قوية، وبهذه الطريقة نشأت معظم الدول ‏الفيدرالية، كالولايات المتحدة الأمريكية التي بدأت بتوحد 13 ولاية حتى وصلت إلى 51 ولاية... ‏وأيضاً الإمارات العربية المتحدة... ‏
‏2- تفكك دول موحدة: تنشأ الدولة الفدرالية كنتيجة لتفكك دولة موحدة، لأسباب مختلفة، فقد ‏تكون أساساً تتكون من أقاليم وقوميات ولغات وأديان متعددة، بحيث تصعب إدارتها بسلطة ‏مركزية، أو تتكون من كيانات متماسكة متميزة في الماضي تطالب بالاستقلال، فيتم تفكيك ‏الدولة إلى ولايات أو أقاليم باعتماد الصيغة الفدرالية....

على صعيد أخر عندما نتحدث عن المواطنة المتساوية، والمساواة، سواء كانت في حدها الأمثل أو الأدنى، ‏وسواء كانت في جانبها النظري أو العملي، فإن ذلك كله، يرتبط بنوع واحد من الدول، وهو ‏الدولة البسيطة..... أما في الدولة الفيدرالية أو الاتحادية، فلا وجود لشرط المواطنة المتساوية.... ‏لأنه في الأصل جاءت الفيدرالية كنظام يوحد مجموعة دول أو ولايات مستقلة تحافظ على ‏استقلالها الذاتي وتكون مهام الدولة الاتحادية مرتبطة فقط بالتمثيل الخارجي والقوات المسلحة ‏في أغلب الأحوال.... وليس في قاموس أو مبادئ الدول المركبة ما يسمى "المواطنة المتساوية"، ‏إلا إذا كان يقصد به التمثيل على الجماهير... ‏أي أنه "عند الحديث عن الانتقال من الدولة البسيطة إلى دولة مركبة، بغض النظر عن ‏إمكانية نجاح العملية من فشلها، إلا أن ذلك يقتضي بالضرورة انتفاء شرط "المواطنة المتساوية" ‏بين أبناء الوطن، لأن ذلك فقط مرتبط بالدولة الموحدة، أما في الدولة الفدرالية فتصبح المواطنة ‏متساوية بين مواطني الإقليم (فهو دولة بسيطة عملياً)، ولا تتحقق على مستوى الدولة الاتحادية ‏ككل، باعتبار أن مواطني كل إقليم يخضعون لسلطة مستقلة ويتمتعون بحقوق وميزات تختلف ‏من إقليم لآخر.... والفرص لم تعد متساوية حسب الكفاءة والتخصص والخبرة، بقدر ما أصبح كل ‏إقليم يمتلك حصة مخصصة... ‏وبدهيٌ أن تحقق المواطنة المتساوية عملياً في الدولة الموحدة هو أمر نسبي، كما ذكرنا، ‏بسبب ممارسات خاطئة للسلطة أو لأشخاص في السلطة أو بسبب قصور في أجهزة الضبط أو ‏ثغرات في لوائح القوانين، لكنها كمبدأ تبقى حقاً يكفله القانون والدستور، أما في الدولة الفيدرالية ‏فيصبح غياب المواطنة المتساوية هو الأمر الطبيعي الذي يكفله الدستور..... ‏وقد يبدو هذا الأمر صادماً للبعض في بادئ الأمر، إذ كيف يعقل أن الذين يقودون البلاد ‏إلى الفيدرالية، قد تنازلوا عن هذا المبدأ العريض الذي تتغنى به الأنظمة والأحزاب والمنظمات ‏والعالم المتقدم، لكن الأمر العملي المسلم به هو أن لا مواطنة متساوية في دولة فيدرالية....

لايختلف أثنان أن الفدرالية التي نحن في سياقها في اليمن، هي ذلك النوع الذي يقوم بتحويل الدولة البسيطة ‏الواحدة إلى كيانات دستورية مستقلة ذاتياً تحت مسمى "أقاليم"، كل إقليم أو جزء محدود بحدود ‏جغرافية، يقوم عليه نظام حكم يمارس السيادة ويشكل حكومة وبرلماناً وقضاءً مستقلاً.... وهذه ‏الأجزاء أو الأقاليم تتحد شكلاً في الدستور الفيدرالي أو الدولة الاتحادية التي تتولى الشؤون ‏الخارجية والأمن القومي... لكنها تختلف عملياً، في أن لكل إقليم أو جزء دستوره المحلي وقوانينه ‏المختلفة وحكومته المستقلة.... ‏
فالحديث عن المواطنة المتساوية اليوم يأتي في إطار المبادئ والأهداف الثابتة في أذهاننا ‏وبرامجنا كفعاليات ومؤسسات مدنية وكمجتمع يعيش في ظل الدولة البسيطة سواء في عهد ‏التشطير أو في ظل الجمهورية اليمنية... أما عند تحويل شكل الدولة من بسيطة إلى فيدرالية، ‏فهذا يقتضي أن نغسل أيدينا أول ما نغسلها، من مبدأ "المواطنة المتساوية" بين اليمنيين. وهذا ‏لا يعني شطبها نهائياً من القاموس، بل إن بالإمكان أن ننتقل بها من دائرة الوطن الواحد، إلى ‏الدوائر الجديدة الناتجة عن التقسيم الفدرالي... فنبحث عنها بين مواطني كل إقليم....‏فالمواطنة المتساوية بأبسط صورها تعني «أن المواطنين متساوون أمام القانون والدستور في ‏الحقوق والواجبات»، وعندما يكون لكل إقليم دستوره الخاص وقوانينه المختلفة وجهازه الحكومي ‏الخاص، فهذا يقتضي بالضرورة أن نبحث عن المواطنة المتساوية داخل الإقليم وليس في ‏الدولة الاتحادية ككل.... ‏فالأقاليم التي تتكون منها الدولة الاتحادية، هي دول، كما يصنفها الخبراء، باعتبارها تتمتع ‏بأغلب خصائص الدولة (إقليم، مجتمع، حكومة، برلمان، شرطة، وقضاء.. الخ)، ينقصها ‏الاعتراف الخارجي وتتنازل عن جزء من السيادة لصالح جيش اتحادي يتولى الحماية ولا يتدخل ‏في الشؤون الداخلية، إلا بالقضايا التي تمس الأمن القومي..... ‏

وقد يقول قائل: أليست الولايات المتحدة دولة واحدة؟ أليست الإمارات العربية المتحدة دولة ‏واحدة، وهنا نقول إن ذلك النوع من الفيدرالية هو الذي جاء استجابة للوحدة بين عدد من الدول ‏أو الولايات التي كانت منفصلة، وليس من النوع الذي يأتي استجابة لنداء التقسيم داخل دولة ‏موحدة.... ومن جهة أخرى، فإن ظروف النشأة وعوامل القوة والتجربة هي من يتحكم بتلك الدول ‏ويعزز صورتها المركزية ونفوذها على حساب المكون الفيدرالي في الداخل.... ‏على صعيد أخر تقوم الدولة البسيطة على مبدأ المساواة والوطن الواحد والهوية الواحدة، وقد تكون هذه الدولة ‏غير موحدة إدارياً (لامركزية إدارية) لكنها موحدة سياسياً.... أما الدولة الفيدرالية -التي نحن ‏بصددها - فتقوم على أساس التمايز والتنوع والشراكة.... فهي كفكرة تنطلق من أن هناك أجزاء ‏متميزة يجب أن تكون مستقلة بذاتها، وعلى أن المجتمع أكثر من نوع.... وإنما يتحد بمصالح ‏مشتركة تلتقي في عقد الدولة الاتحادية، وهي في صورتها الأولية هيئة كالجامعة العربية أو ‏مجلس التعاون الخليجي أو الاتحاد الأوروبي، لكنها تتمتع بمزيد من الخصائص التي تفقد ‏أعضاءها الشخصية الدولية....نخلص مما سبق أن المساواة إذن أساس يرتبط بالدولة الموحدة، والتمايز أساس يرتبط بالدولة الفيدرالية، وإنما ‏الاتحاد هو الأمر الثانوي، أو الطور الثاني من أطوار الدولة وله صلاحيات ومهام محدودة.... ‏وهذا هو الحقيقة العملية، وإن لم تكن تتردد من قبل الداعين إلى الفيدرالية فى اليمن .... أو أنها تمُرر تحت ‏عناوين أخرى لا يتم إرجاعها إلى أساسها الدقيق.... وإلا لماذا المطالبة بإقليم يضم محافظات كذا ‏وجهة كذا، إلا على أساس أن هذا الجزء يتميز عن هذا مجتمعاً وجغرافيا، ويترتب عليه هوية ‏مختلفة تترسخ من خلال القوانين.... ولمن يقولون إن الهدف تسهيل الإدارة أو ضمان بعض ‏الحقوق وتخفيف بعض الأعباء، نشير هنا إلى أن ذلك يرتبط بالنظام الإداري ويمكن تحقيقه ‏بأشكال وطرق مختلفة في إطار الدولة البسيطة.... والمركزية واللامركزية ترتبطان أساساً بالنظام ‏الإداري.... أما النظام اليفدرالي فهو نظام حكم سياسي أو لامركزية سياسية تقسم البلاد سياسياً إلى ‏كيانات دستورية ينقسم وفقها المجتمع إلى مجتمعات مستقلة.... ‏

يترتب على تقسيم البلاد سياسياً ومجتمعياً وجغرافياً إلى أقاليم، أن يكون لكل إقليم كيانه ‏المستقل الذي يتمتع بنصيب معتبر من الثروات الطبيعية في أراضيه وموارده المستقلة، وهذا ‏يترتب عليه أن تكون هناك أقاليم فقيرة الموارد كثيرة السكان، وأخرى كثيرة الموارد قليلة السكان، ‏ومن جهة أخرى تكون الفرص داخل كل إقليم لأبنائه أولاً، وإن كان يحق للمواطنين من الأقاليم ‏الأخرى العمل داخل الإقليم.... أي أن المواطنة بين اليمنيين في أبسط صورها ستكون شبه ‏منعدمة وعليهم التعايش مع الأوطان الجديدة المسماة أقاليم، في بلدٍ كان وطناً واحداً..... ‏من ناحية أخرى فإن الفرص والمناصب في الحكومة الاتحادية ستكون لكل إقليم حصةٌ ‏محددةٌ فيها، وإن كان يبقى جزء منها يمنح للأقاليم ذات الكثافة السكانية أو لأصحاب الخبرات.... ‏مثل أن يكون هناك برلمانان، أحدهما ينتخب مباشرة على حسب التعداد السكاني وآخر يكون ‏ممثلوه عدداً متساوياً من كل إقليم..... وهذا قد يتوفر بحال أفضل إذا كان هناك استقرار وتقدم في ‏الدولة بشكل عام.... أما الدول المتحولة فهي تظل تجارب معقدة للغاية، وهناك ثلاث تجارب ‏عربية بالتحول من دولة بسيطة إلى فيدرالية، وهي السودان والصومال والعراق. وكلها تجارب ‏توشك أن تؤدي إلى زوال آثار الدول القديمة وليس إلى بناء دول فيدرالية..... على عكس الإمارات ‏التي كان نظامها الفيدرالي خطوة إلى الوحدة بين إمارات متفرقة، وإن كان لها ظروفها التي لا ‏يمكن إسقاطها على أي تجربة أخرى...

تنقل الفيدرالية اليمنية البلاد من فكرة المساواة بين المواطنين إلى المساواة ‏بين الجهات أو بين الطوائف أو بين القوى، ومن ديمقراطية الأحزاب إلى ديمقراطية الطوائف، ‏ومن خيار الأغلبية إلى خيار التوافق، فلا يبقى للإنسان معيار.... وهذا ليس كلاماً للتهويل بل ‏هو الواقع، والذي قام على أساسه مؤتمر الحوار المسند إليه مستقبل اليمن، حيث ساوى في ‏التمثيل بين الشمال والجنوب..... وبغض النظر عن الأعذار التي تم التسويق لها للتبرير لهذه ‏الخطوة، إلا أنها عملياً الأساس الذي ستقوم عليه الدولة «الموعودة» وهو أساس المناطقية والاقليمية وقائم على التمييز تحت حجة العدالة والإنصاف والإرضاء..... وهو ليس إرضاءً مرحلياً ‏بقدر ما هو تأسيس لمرحلة جديدة قائمة على الماضي.... ونحن هنا نتحدث عن أسس ‏ومبادئ، ولسنا في سياق إنكار أو إثبات المظالم.... فذلك شأن آخر..... وماذا يترتب على هذا الأمر من تهميش وإهمال ‏للكفاءة، باعتبار المحدد الأول صار الانتماء المناطقي.... ‏لأن المواطنة المتساوية أمر مرتبط بالدولة البسيطة، وليس بالدولة الفيدرالية، ولكن ‏بالإمكان أن نبحث عن المواطنة المتساوية في الدولة الفيدرالية بين مواطني كل إقليم على ‏حدة.... فما مدى إمكانية أن تتحقق المواطنة المتساوية بين سكان الإقليم؟. ‏.هذا الأمر يتطلب النظر إلى الأسباب المؤدية إلى الأقاليم والواقع الذي سوف تتأسس في ظله ‏هذه الأقاليم.... والجميع يعرف أن التوجه إلى الفيدرالية يأتي نتيجة للانسداد السياسي الذي وصلت ‏إليه البلاد، ولوجود حركات في أجزاء من الوطن تطالب بالانفصال وتحديداً المحافظات ‏الجنوبية والشرقية، وأجزاء أخرى تنتشر فيها جماعة مسلحة تفرض الأمر الواقع وتنازع الدولة ‏سيادتها وهذا هو الأمر في صعدة وشمال الشمال.... ‏
من جهة أخرى، فإن الأقاليم، بغض النظر عن عددها، لا تزال أمراً في العالم النظري، ولكي ‏تتحول إلى مؤسسات على أرض الواقع، فإن هذا يحتاج لأن يمر كل إقليم في الأطوار التي ‏تمر بها كل دولة أثناء تأسيسها، لأن العملية تحتاج إلى تثبيت نظام حكم سياسي، وليس ‏مراكز إدارية.... وتجارب نشوء الدول وتطورها تقول إن التأسيس عملية معقدة للغاية، ولو أخذنا ‏كل بلد وعرفنا الأطوار والانقلابات التي مر بها حتى وصل إلى ما وصل إليه، فسنجد أن ‏تأسيس الأقاليم خطوة قد تفشل من أول وهلة بعد أن تكون الدولة المركزية قد تبعثرت سيادتها ‏في هذه الأقاليم... وبالتالي من المحتمل أن تظهر العصبيات والخلافات وتتحول هذه الأقاليم إلى ‏إقطاعيات ممزقة وصولاً إلى أضعف حلقة اجتماعية.... ‏ومن الطبيعي، في هذه الحالة أن تكون الحياة أصعب مما يمكن تخيله، وقد تكون القضية ‏الأساسية هي الأمن والغذاء وهناك تصبح المواطنة ذكرى أحلام ارتبطت بمرحلة متطورة من ‏الدولة تم فقدانها.... ‏وإذا فرضنا، أن هذه الأقاليم تريد الاستقرار، فإنها إما أن تسيطر عليها عصبة أو مجموعة ‏قوية أو تظل في صراع بين القوى... وما أغلب الدول الصغيرة إلا مشيخات وإمارات مملوكة ‏لعوائل استطاعت أن تثبت في مراحل قد لا تتكرر.... وبالتالي يمكن أن تؤدي الفيدرالية إلى تحول ‏مجموعات نفوذ تجارية وقبلية محلية إلى سلطات شرعية تحتكر السلطة والفرص تحت مسمى ‏الإقليم، ولن يكون بإمكان الدولة المركزية أن تتدخل في الشؤون المحلية..... وبالتالي لا يستطيع ‏المواطنون بعمومهم أن يأخذوا حقوقهم في حدها الأدنى الذي كان قد توفر في الدولة البسيطة.... ‏وهذا الكلام، ليس من باب التهويل، بل يمكن أخذه إلى الواقع : هل يمكن أن تفعل الفدرالية ‏في صعدة أكثر من تحويل الحوثي من جماعة مسلحة خارجة على الدولة، إلى كيان دستوري ‏شرعي يمارس السلطة والسيطرة بذات المنطلقات ولكن بصفة شرعية؟ هل يمكن في الواقع أن ‏تسمح جماعة الحوثي بدولة مواطنة متساوية في المناطق التي تسيطر عليها؟.... ‏ذات الكلام يمكن طرحه في مناطق أخرى، هل يمكن أن تكون هناك جماعة محلية في أبين ‏أقوى من جماعة فلان أو علان؟..... أين مؤسسات الأقاليم التي ستضمن الديمقراطية أو المواطنة ‏المتساوية داخل الإقليم؟ ما الذي يضمن أن هذه الخطوة لن تؤدي إلى تحول بعض المشايخ ‏والنافذين المحليين من أصحاب مكانة معتبرة ونفوذ إلى أصحاب سلطة، فيصبحون هم الدولة ‏وهم المال والنفوذ؟ .....‏

وعلى صعيد أخر فيما يبدو خيار (الفيدرالية) محسوماً لدى اللاعبين الاساسيين على الساحة اليمنية فقد بقي النقاش محتدماً في الوسط الاجتماعي حول الخارطة الفيدرالية التي سيتشكل على اساسها اليمن الجديد خصوصاً في ظل رفض بعض الفصائل الجنوبية المساس بالوحدة الجغرافية لمحافظاتهم وتمسك البعض الاخر من هذه الفصائل بحق تقرير المصير وفك الارتباط مع الشمال واتهامها لأبناء الشمال بالتغول على موارد الجنوب وثرواته وعدم قبولها بمبدأ اقتسام السلطة والثروة وتهديدها برفض الاعتراف بالواقع الذي سيفضي اليه مؤتمر الحوار وما سيخرج به من اجماع....وإذا ما كانت جل العناوين التي يقف اليمنيون فيها اليوم في مواقع مختلفة ومواقف متقابلة فان من الموضوعية ان يجعلوا من مؤتمراتهم الحوارية فرصة لتعزيز الثقة فيما بينهم حتى يتسنى لهم التحرك معاً من اجل انتشال وطنهم من المنعطفات الخطيرة التي يمر بها هذه الايام والتي قد تقوده الى فوضى شاملة في المفاهيم والقيم والسلوك والنتائج ولعل اخطر ما يلوح في الافق هي الثغرات الامنية التي باتت تتسلل منها جماعات الارهاب لاستباحة دماء اليمنيين وانتهاك حرمة وطنهم.....اذ انهم وإذا ما غلبوا العقل وانتصروا على نزواتهم ونزعاتهم وأطماعهم الشخصية فلن تعوزهم الوسائل التي تمكنهم من بناء يمن جديد متصالح مع نفسه ومع حاضره ومستقبله بعيداً عن الاصطفافات الجهوية والمناطقية والشطرية والمذهبية بل انهم وفي ظل اجواء التفاهم سيجدون الطريق امامهم ممهداً للأخذ بأفضل الصيغ المتوازنة التي من شأنها الحفاظ على وطنهم موحداً وتحقيق التغيير الذي ينشدونه ويتطلعون اليه بمعزل عن اية مغامرة قد تودي بهم الى التدمير الذاتي والهلاك المحفوف بالمكاره.....

ربما كان بعض السياسيين في اليمن على حق في قوله ان الفيدرالية لا تعني الانفصال لكن هذا الحق يصبح باطلاً اذا ما اعتبر ان النظام الفيدرالي هو الوصفة السحرية لمشاكل اليمن خصوصاً وان هناك من يراهن على ذلك لمجرد اعجابه بالأنموذج الفيدرالي الناجح في الولايات المتحدة الامريكية في حين انه لا وجه للمقارنة بين دولة تقف على رأس سلم التقدم الانساني وبلد يقبع في ذيل قائمة اكثر البلدان تخلفاً بل ان من يذهبون الى مثل هذه المقارنة انما هم كمن يحاولون اقناعنا ان مابين العرب والغرب ليس اكثر من نقطة.....ان اليمن وبعد تجربته المريرة من الصراعات الداخلية والحروب المتنقلة والقتل والقتل المضاد بحاجة اليوم الى ان يسوده الاستقرار السياسي العميق اكان ذلك من خلال الشراكة السياسة المتكافئة والمصالحة الوطنية التي تشعر فيها جميع الاطراف انها تقف جميعاً على درجة من المساواة في الحقوق والواجبات او عن طريق فيدرالية تمنح كل منطقة الحق في حكم نفسها ومثل هذا لن يتحقق اذا ما استمرت النخب السياسية اليمنية غارقة في غيبوبتها ورعونتها والتي يبدو انها قد تحولت الى حالة من حالات الاستبداد وهو ما يذكرني بشكوى الكواكبي من مثل هذه الحالات والتي قال عنها: لو كان الاستبداد رجلاً وأراد ان يحتسب وينتسب لقال أنا الشر، وأبي الظلم وأمي الاساءة وأخي الغدر وعمي الضر وخالي الذل وابني الفقر وابنتي البطالة وعشيرتي الجهالة ووطني الخراب أما ديني فالمال المال المال....ووطن ترسم مصيره مثل هذه النخب المستبدة والانتهازية فحتما مآله ان يتحول الى رماد وتاريخه الى مجرد ركام مشوه....

أن من يرى بأن مشروع الفيدرالية سيمثل حالة انقاذ لليمن واخرجها مما تعيشه اليوم من فوضى وازمات يكون لا يفهم في فقه التاريخ السياسي شيئاً ، وانما سوف تضاف كحالة ازمة جديدة في تداعيات مستقبلية لتلك الازمات، والمشاكل التي تعيشها اليمن في الوقت الراهن..... وانما تعد تفتيت للوحدة الوطنية، وتمزيق للجسد اليمني الواحد، وكحل مفخخ بالصراعات " المناطقية – الطائفية " لتلك الكيانات الجديدة ( الأقاليم )..... ولن تكون الفيدرالية سوى خارطة طريق للعودة إلى مرحلة ماقبل الدولة ، حيث سيجعل النظام الفيدرالي اليمن تقبع تحت الوصاية الخارجية بشكل دائم ، وكذا تحت التهديد والاحتلال، بعد ان يتم تقسيم الشعب اليمني الواحد إلى مجموعات منفصلة بحدود جغرافية وسياسية على أساس انتماءات مناطقية وجهوية ومذهبية ، وكل مجموعة تدور حول ذاتها في حلقة أضيق..... وستغذي الفيدرالية نوازع الصراعات بين تلك الكيانات الجديدة على الثروات والموارد ، وسيكون الصراع مزدوج بين أقاليم تلك الكيانات المنتجة للنفط وغير المنتجة ، وصراع آخر بين الحكومة المركزية، وحكومات الأقاليم في تلك الكيانات التي تنتج النفط وتسعى للاستئثار بمعظم عوائدها...... وايضاً نشوء الصراع على الموارد والثروات التي قد توجد في المناطق الحدودية لتلك الأقاليم ، والتي سيدعى كل إقليم احقيته بها..... ونموذج الصراع القائم بين "حكومة السودان في الشمال ، وحكومة جنوب السودان في الجنوب" على مناطق الثروة النفطية بين حدود الدولتين..... و " الحكومة العراقية المركزية وإقليم كردستنان في شمال العراق" لذا وضعت قوات الجيش العراقي وقوات البشمركة على مشارف المواجهة المسلحة حتى هذه اللحظة الراهنة.... والصراع الدائر منذَ عام 1990م، عندما انفصلت الصومال إلى اقاليم ماتزال تعيش في حالة صراعات ، وليبيا اليوم في فضاء الصراعات المفتوحة ماتزال تخطى مشوارها ...وكذلك تحمل الفيدرالية العديد من العيوب تتمثل في زيادة النفقات المالية للأقاليم ، حيث سيكون لكل إقليم برلمان وحكومة . مما يتطلب تكاليف مالية لتلك البرلمانات والحكومات والإدارات وازدواجها في الفيدرالية ، وهي أكبر من تلك التي يتم الصرف فيها في ظل الدولة المركزية.... واذا كانت الحكومات في اليمن وإلى اليوم تستأجر بعض المباني لبعض الوزارات، وكذا اقسام الشرطة من ممتلكات لمواطنين.... وتلهف تلك الحكومات، وماتزال بعد الدول المانحة والصديقة لتقديم المساعدة المالية لانعاش ارصدة المسؤولين ، وليس لإنقاذ اليمن من سوء ادارة ثرواتها... مما سيجعل كل إقليم يبحث له عن راعي خارجي للتمويل مستقبلاً، وهذا ما تبحث عليه تلك الدول....

إن الفيدرالية كأسلوب في إدارة الدولة ينفع في الدولة شاسعة المساحة ، وفي المجتمعات ذات التعددية الدينية واللغوية والعرقية كحل لمشاكل تاريخية بين مكوناتها او لتجنب الأقليات الشعور بالاضطهاد من قبل الأغلبية. بحيث يًعطى كل صاحب ديانة أو أقلية أو عرق خصوصيته في التشريعات ، وقد أخذت بذلك كلاً من ( الولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا والهند.....)، ولذا اليمن ليست مترامية الأطراف في مساحاتها ، وتمثل في وحدة " الدين واللغة والقيم والعادات " بين ابناء شعبها في الشمال والجنوب، وايضاً ينفع النظام الفيدرالي بين دول مستقلة او امارات مستقلة تريد أن تنتقل إلى اتحاد فيدرالي ، لإيجاد تنوع في الثروة مما يخلق لديها توازن اقتصادي.... لتمثل حالة من القوى الاقتصادية الواحدة.... كنموذج دولة ( الإمارات العربية المتحدة ). فالاتحاد الفيدرالي لا يحدث إلا بين أجزاء مقسمة ، وليس بين كيان موحد كاليمن.... وسيتم تحميل نصيب المعاناة الاكبر المواطن ، حيث سيصبح لكل إقليم تشريعات محلية مختلفة .... مما يصعب استقرار المواطن خارج إقليمه " كاالطلاب والموظفين والتجار " .... إن التجارب الفيدرالية الناجحة، هي تلك التجارب التي تتوحد فيما بينها في نظام فيدرالي، أما ‏التجارب المتحولة أو المتفككة من دولة موحدة إلى دولة فيدرالية فإنها خطوة تحتمل المزيد من ‏الانقسام وتظل كل تجربة معقدة للغاية..... ومثالها في المنطقة العربية، السودان، الصومال، ‏والعراق.... ‏الى جانب إن تحويل شكل الدولة من البسيط إلى المركب، يقتضي حتمياً التضحية بمبدأ المواطنة ‏المتساوية والانتماء الوطني الواحد، لصالح انتماءات أدنى، على أسس مذهبية أو جهوية أو ‏ماضوية يمكن أن تكون طوراً جديداً ومعقداً من المشكلة وليس خطوة في طريق الحل..... ‏

إن إمكانية تحقق المواطنة المتساوية داخل سلطات الإقليم ترتبط بوجود هذا الإقليم في ‏هيكل مؤسسي مستقر، أما هذه الحالة فتحتمل تسليم رقاب المواطنين في المحافظات إلى ‏إقطاعيين وعنصريين واحتكاريين يقمعون كل من يقف في وجههم... وما يجري في صعدة هو ‏صورة عملية مما تجترحه الفيدرالية، إذ تتحول الدولة المركزية إلى طرف محايد ويتجه ذوو ‏الأنياب إلى ضرب الناس تحت مبررات واتهامات فظيعة.... ‏ قد تؤدي العملية الفيدرالية إلى تحطيم الدولة الضعيفة الموجودة ونقل البلاد إلى مرحلة ‏اللادولة، باعتبار أن جميع الأقاليم والكيانات التي يمكن أن تنفصل أو تحكم ذاتياً هي كيانات ‏غير موجودة على أرض الواقع..... وبالتالي سيكون حالها أضعف من حال الدولة اليوم والتي لم ‏يستقر لها ما استقر حتى الآن، إلا بعد تضحيات وعقود وسيول من الدماء والدموع.... ‏لا نزعم إن ما ذكرناه هو كل الصورة ولكن ندعو إلى دراسة متأنية تنطلق من مسؤولية ‏مهنية ووطنية ولا تتأثر بالتوجهات السياسية أو بالموجة شديدة الهبوب بل من دراسة واقعية ‏تنظر في التجارب وتدرس الاحتمالات....‏يجب على كل حريص يهمه أمر اليمن ومستقبلها أن يتجه إلى دراسة الخيارات ‏السياسية المطروحة، وعدم ترك الحبل على الغارب للسياسيين الذين تدفعهم الثارات والخلافات ‏نحو خيارات لم تأخذ حقها من الدراسة..... ‏إن إدخال الشعب اليمنى الشقيق في معمل تجربة مع الدولة المركبة أمر يجب ألا يسكت عنه تحت ‏مبرر أنه قد أصبح إجماعاً، فمهما كان الإجماع تظل مسؤولية الأكاديميين والباحثين هو دراسة ‏إمكانية النجاح وليس النظر في المعاذير والمبررات.... ومن كان لديه إجابات مقنعة تزيل ‏المخاوف وتبعد المخاطر فلينزلها علمياً وعملياً، بعيداً عن الأوهام والأمنيات وبعيداً عن الركون ‏إلى أية تطمينات شفهية خارجية أو محلية.... ‏إن كل سياسي أو مسؤول يمنى في هذه اللحظة التاريخية الفاصلة مطالب بأن يشعر بحجم ‏المسؤولية التي تلقى على عاتقه، وما يمكن أن يتحمله جراء صمته أو مشاركته في السير ‏بالبلاد في طريق يمكن اعتباره خيانة للوطن أو على الأقل قفزا إلى المجهول....

حمدى السعيد سالم
صحافى ومحلل سياسى ‏







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز