هاني شاهين
hchahine@live.com
Blog Contributor since:
20 January 2013



Arab Times Blogs
حب في ذراع القدر

 

 استقبلتها بين ذراعي كما يستقبل النهد الرضيع وهو يجهش من البكاء.. ما بها يا ترى تدق بابي في مغمضات الليل وفي عينيها أمواج تتكسر كالنِهى على كتفي؟!!. حملتها وضميتها الى صدري.. وضعتها بهدوء وتأنٍ على الأريكة.. اقتربت من وجهها المنمنم ونكفت هذه الدموع المتطفلة عن خدها الغض.. ما بك ايتها الحبيبة الغالية؟، زرعتِ في قلبي حزة وكأن شيئا خطيرا ما قد حصل!!.. أجابتني بالصمت.. ثم نظرت إليّ نظرة بال وصبر، وارتسمت على شفتيها الغاضفتين بسمة.. ثم أرخت برأسها الى الخلف وطلبت كأسا.

سكبت لها الرهيق وناولتها الكأس.. فأخذت تلعقه وكأنها تشرب دواءا وتريد التخلص من داء. ابتعدت عنها قليلا وأنا أتأملها بقلق وريبة الى أن انتهت من هذا الكأس الملعون؛ بصوت يرتجف.. طلبت كأسا آخر.. فأبيتُ.. ولكنها أصرّت على هذا الكأس، بحزم أجبتها بالرفض؛ فأخذت تبكي وتلملم دموعها صارخة " ما أدراك أنت ما بي!!"، ثم ألقت بصوتها الناهم المتكسر على ضفاف شفتيها الرقيقتين " إني آمرك أن تسكب لي كأساً آخر".. فلم أشعر كيف صفعت هذا الوجه الرقيق.. هذا الوجه الذي سكبت الدنيا فيه كل جمالها وكل أسرارها.. فارتدّت وارتمت بجسدها الغيد ودموعها تتقطر فوق كتفي ثم قالت " إن ما جمعنا يوما سيموت وينتهي".. رفعت رأسها عن كتفي ووضعت يداي على خديها الجُوريَّتَين.. أخذت أتأملها  وأضلعي تتكسر وتتفتت في عينيها!.. التقطت أنفاسي المتناثرة وقلت لها " لا تقولي هذا يا آنسة الحسن والجمال.. فما بيننا سيبقى للنَسَاء.. إن ما بيننا حبا سرمدا"، فقالت: ألم تفهم يا حبيبي.. يا عزوتي ويا حلمي.. يا من سكب في قلبي كل الحب.. كل الحنان.. كل الأمان.. يا من جعل حياتي قوس قزح وألحان، ألم تفهم يا حبيبي أن قدري يدق بابي كل ثانية.. ومع كل ثانية أموت ألف مرة.. فلا تحزن.. إن ما كان بيننا لم يعرف الحزن والشجن.. فرجائي هو أملي.. وأملي هو بقائي.. وبقائي هو أنت.

أبعدتها عني كمجنون ارتوى من عداوة الحياة، وأخذت أصرخ وأصرخ وأصرخ بصوت ذبحه الخوف " لا لا هذا ليس صحيح.. لا يمكن أن يكون صحيحا.. لا لا لن أسمح بذلك"... كانت كلمات لم تعد تفهمها سوى دموعي المتحجرة منذ ملايين السنين.. دموع ابتلعتها جفوني فتشققت.

قامت ومشت.. تركتني واتجهت بجسمها الكليل الى الغرفة وأنا على تلك الأريكة أئن مثل رضيع فقد نهد أمه؛     ... مضت الشجون مع عقارب الساعة، فإذا بها تخرج من الغرفة وتنادي بصوتها الكيثاري وأصبعها يشير إلي     " تعال.. تعال يا حبيبي"، رفعت رأسي ونظرت الى هذه الفتاة البهيرة وهي تتمايح مرتدية ثوبا رقيقا من الدمقلس، ثم استدارت متجهة الى الغرفة وشعرها المأد الفينان يتمور، قلحقت بها كما النحلة تلحق الزهر لتفتش عن اللواص.

دخلت ورائها وأغلقت خلفي بابا زجني في دنيا من الأحلام.. من الضياع.. من العذاب.. من الحب؛ اقتربت بثقل من هذه المهيرة التي أخذت كل كياني وأعطتني كل الحب، فنضبت عنها ثوبها الخلخال ونظراتي لم تفارق عيناها الكريمتان، وحملت بجسدها الملص وأرخيت بها الوثار ثم اقتربت من شفتيها المليحتين واستبأت خمرة أسكرتني حتى أتى الصباح بندأة الشروق وسرق من عمري كل عمري.

رفعت جسدي عن جسدها واتكأت على المنبذة وأدرت وجهي الى شباك الغرفة فاكفهرت في وجهي الدنيا وسرقت من عيوني دموعا لم أشأها، نكفت هذه الدموع الثقيلة وانتقلت بثقل الكليل الى كرسي في آخر الغرفة قد وضعت عليه خلخالها فأخذته بيد خائفة مرتجفة ومنهزمة وأخذت أنتشل كل النضخ في كل بقعة وزاوية.

ثم  خرجت من الغرفة تاركا هذه المرأة البهيرة هامدة لا تحرك ساكنا، مكمهة العينان ساكبة كل أسرار جمالها على سرير سرمدي خطف مني كل الأمان وكل الحب، ودس في عيوني الكلأ والسهر فصرت أرى الأشياء في ارتياء المنهزم كعاصفة إقتلعت قلبي وزرعت الخُدرة والنحاط.

صرتُ أمشي وحيدا كإنسان قِلٍّ لا أحد له، لا يعرف شيئا ولا يرى شيئا، حاملا بيدي كشكولا أتسول وأشحد النسرين والدرّ علّني أرجع بشيء يزين كهفي وينثر الأريج في ثنايا الجدران، ولكن قلّ ما جمعت. فأرجع دائما مكسور الخاطر،منزوع الأمل وأجلس وحيدا بين كأسين، كأس لي وكأس لها فيضمحلُّ  كأسي ويبقى كأسها أُنفا، بعدها أقوم وأمشي مشية المنهزم لأدق باب الغرفة لعلني أجدها في انتظاري تبتسم لي، ولكن لا أجد سوى هذا السرير الواسع المتجمّد، فارتمي عليه لأغرق في ملل العدم بعين كلوء لا تعرف النوم ولا تعرف الأحلام.

وكلما اقتربت من طعام، أقتهيه؛ فلا الطعام يناسبني ولا الماء يرويني ولا الهواء ينعشني. فأخطف القلم لأنثر شعرا ولكن الهمّ يُفحمني ويُسهرني الكفرةَ حتى تلطمني غياية وتيقظني من عذاب الإرتياء الى عذاب الحياة.

 وهل من أمل أعيش له وأنتِ أملي، وهل من دواء يشفيني وأنتِ الآسي، وهل من حياة أعيش فيها وأنتِ كل الحياة.. لآ لآ لن أنتظر..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز