حافظ ألمان
hafez78f@hotmail.com
Blog Contributor since:
26 December 2013



Arab Times Blogs
من حمّام القيشاني إلى باب الحارة

 

لمن لا يعرف مسلسل حمام القيشاني،، هو مسلسل سوري تدور أحداثه في حارة من حارات الشام القديمة وهو من خمسة أجزاء عرض جزؤه الاول عام1994،  يحاكي واقع سوريا السياسي والاجتماعي إبان الاستعمار الفرنسي .

ما يلفت الانتباه في هذا العمل هو مقدار الحرية التي كانت تتمتع بها المرأة والرجل على حد سواء، فحرية الرجل بدون حرية المرأة عبودية مطلقة، يكفي أن يلقي المرء نظرة على الدول التي تضطهد المرأة، ليرى فيها الرجل مقموعاً، متخلفا، يعاني من صراعات ومشكلات لا حصر لها، حتى أنه من شدة المرض لم يعد يشعر بالألم.

عندما كنا نتابع حمام القيشاني كانت الضحكة ترتسم على وجوهنا والسعادة تغمر قلوبنا (تنكيت، أغاني،  رقص، لقاءات غرامية …)،كان قوس قزح يطل علينا من شاشة التلفاز ملونا مساءنا حبا وثقافة وأملا.

من منا لا يتذكر شوكت القناديلي، ذاك الرجل المسن بقلب شاب، كان يطير من غصن لغصن موزعا ألحانه العذبة مطربا كل من يسمعها،كان يفهم السياسة ولا يعمل بها ، فتخصصه  كان جراحة القلب وبلسمة الآلام،  كان محبا للحياة وللناس يرتاد السينما والكافتريات مع من وقعت في حبه ، حتى أن الشباب كانوا يشعرون بكبر سنهم أمامه فكانوا يخافون على عشيقاتهم من نظرة عينه الساحرة ومن كلامه المعسول.

كان صديقا لأبنائه وصديقا لنا، كنا نسير معه ممسكين بيده الدافئة مطمئنين إلى يومنا وغدنا، نشم رائحة دخان نرجيلته المفعمة بالياسمين والنارنج والحب والأمل.

وعنايت المرأة الشابة ، كانت حلم كل رجل تأسر كل من يراها أو يسمع حديثها ، امرأة جميلة ، أنيقة ، مثقفة، لها شخصية مستقلة وفكر حر، وما زالت ضحكتها حتى الآن  في ذاكرة أذني (تقبرني هالضحكة).

وعز الدين ابن شوكت القناديلي كان شابا طموحا، مثقفا، ناشطا في السياسة والأدب والفن ممسكا بيد قلما وبالأخرى يد فتاة يحبها، كان الشباب يرون فيه مثالا يحتذى ورمزا للأمل والنجاح ولكن يا خسارة …

مات عز الدين بطل حمام القيشاني في اليوم الذي ولد فيه معتز بطل باب الحارة، كان هو الآخر مثقفا يمسك بيده عصا لا ليضرب الناس بها  وإنما ليهش بها على غنمه، كان شابا مكافحا يدرس ويعمل في نفس الوقت وعندما أنهى دراسته وحصل على الشهادة المطلوبة عين عكيدا لباب الحارة . كان بحق مثالا يحتذى بالعلم والأخلاق ناهيك عن كونه رياضيا لا بل مدمن رياضة كان يمارسها في كل مكان لا يثبت على الأرض إطلاقا، حتى إن بعض الحاسدين اتهمه بأنه مصاب بالصرع أو أن مسّا قد أصابه، كلام الحاقدين وأعداء النجاح. ويبقى معتز رمزا ومنارة لهذا الجيل وللأجيال القادمة ولن تنال منه تلك الأقلام المأجورة (يا باطل).

في مسلسل باب الحارة كان الممثلون يموتون واحدا تلو الآخر، لم يقتلهم الفرنسيون وإنما هم ومن شدة الحب كانوا يقتلون بعضهم بعضا.

مات الإدعشري في الجزء الأول والزعيم في الجزء الثاني وأبو عصام في الجزء الثالث والعكيد أبو شهاب اعتقل من المخرج في الجزء الرابع ربما كان يريد فدية لكي يطلق سراحه، المسكين أبو شهاب صدق أنه عكيد وربما حلم أن يبني حارته الخاصة وأن يتزعمها فقال له المخرج: إذا كنت مفكر حالك عكيد أنا أعكد منك ، أنا المخرج وأنا من يمسك بخيوط اللعبة . فأسند دور البطولة لمن لن يطمح للزعامة وأبقى أبو شهاب معتقلا لديه . أنا شخصيا كنت متعاطفا مع أبو شهاب ، فكنت أرى في شواربه عقلا راجحا وفي قسمات وجهه الغاضبة ألفة وطمأنينة، لم أكن أخافه كنت أحبه فقط ،  ومتى اجتمع الحب والخوف معا ؟ لذا قررت أن أساعده وأن أدفع له الفدية المطلوبة، فبدأت أقتر على نفسي وأكتفي  مرة واحدة في الشهر بالذهاب إلى المسرح أو السينما أو دار الأوبرا، حتى جمعت مبلغا محترما، فأعطيته للمخرج ووعدني خيرا، وأنا بدوري أعدكم بأن أبوشهاب سيطل علينا قريبا (وأنا شكلين ما بحكي).

أما أبو عصام عقل الحارة وحكيمها، فقد أعجبني في كل مشاهده وبالأخص في المشهد العاطفي لابنته الصغرى (جميلة) عندما كانت تتحدث من وراء الباب مع ابن الفرّان (بشير)، كان المشهد غاية في الرومانسية،  كلمة واحدة قالتها أو كلمتين، لم أكن أدقق في الكلام لأن المشهد ككل أسرني واستحوذ على عقلي وروحي، إلى أن دخل أبو عصام على الخط فأضفى على المشهد نكهة لا تقل جمالا عما كان هو عليه، فعندما رأى بشير صافحه بحرارة شديدة حتى أن بشير لم يحتمل قوة يد أبو عصام ولكن شوق أبو عصام لم ينطفئ فعانقه  وبدأ بتقبيله في وجهه وعينه ورأسه وكل جسده ثم شكره لأنه يحب ابنته ودعاه إلى زيارتهم متى شاء. وبعد ذلك دخل أبو عصام إلى البيت مزهوا فرحا ونظر إلى ابنته جميلة نظرة ملؤها الفخر والاعحاب، فركضت إليه فعانقها بلهفة وشوق حتى كادت أضلعها تنكسر (ومن الحب ما قتل) ثم بعد ذلك رفعها وبدأ يلوحها في الهواء كما لوكانت طفلة صغيرة، ضحكاتها ملأت أرجاء البيت، وبعد ذلك أدخلها إلى إحدى الغرف وأغلق الباب وراح يفشي لها أسرار شبابه ويحكي لها عن مغامراته العاطفية وكم هو يقدس الحب والمحبين .

كان يتكلم ويتكلم بلا انقطاع وعندما انتهى من تلقينها درسا في الحب لن تنساه ما حييت، قال لها والإبتسامة على وجهه: لو فعلت هذا مرة ثانية سأذبحك (عذراعلى هذا الخطأ غير المقصود) سأذبح لك عجلا وأوزعه على العاشقين . كم كان هذا المشهد مؤثرا فكانت الدموع أصدق من يعبر عن مشاعري في تللك اللحظات.

ولحسن حظي كانت صديقتي الألمانية تتابع معي هذا المشهد، هي لا تفهم العربية ولكنها كانت تستمتع بالمشاهدة و بجمال المناظر، وسألتني لماذا فعل أبو عصام هكذا مع ابنته ومع ذاك الشاب، أعذرها إن لم تفهم فهذه اللغة الجسدية لم يتوصلوا إليها بعد (يحق لنا أن نفخر بذلك)، في البداية لم أعرف بماذا أجيبها ولكنني في النهاية لم أعدم الوسيلة، فقلت لها بسعادة غامرة: هذا هو الحب في بلادنا. فنهضت فجأة ، سألتها إلى أين ؟ فقالت لي ساعود بعد قليل، ومن يومها  لم أرها، ربما خجلت من نفسها أمامي، أعتقد ذلك، لذا أنا عذرتها.

لكثرة ما أثر في نفسي  هذا المشهد العاطفي ، تساءلت كيف سيكون تأثيره على المشاهدين وبالأخص على الأطفال ، لم تتأخر الإجابة طويلا فبعد عدة سنوات انتشرت في شوارع دمشق ثقافة " الكل للحب والحب للكل " كان الحب على أشده حتى أن منظر شاب يقبل فتاة في الشارع أو عاشقان متعانقان في الباص أو شابا يمسك بيده وردة حمراء وينتطر حبيبته تحت باب بيتها كل ذلك لا بل أكثرمن ذلك كان مألوفا وشائعا، وأعتقد أن لهذا المسلسل الرائع وبالأخص للمشهد العاطفي لابنة أبو عصام تأثيرا سحريا يفوق كل وصف .

في إحدى المرات سمعت فنانا يتكلم عن مشاركته في هذا العمل كل ما قاله : إنه مثّل بضع لقطات وحصل على أجر خيالي  لم يتكلم عن دوره في العمل ولا عن القيمة الفنية للعمل ولا عن  رسالة هذا المسلسل العظيم ، وبعد فترة قصيرة هاجم العمل ووصفه بأنه فيلم كرتون، ونسي أننا تربينا على أفلام الكرتون، وتعلمنا منها القيم النيبلة، فمن منا لا يذكر ريمي ، بل وسيباستيان، جزيرة الكنز، سالي وغيرها الكثير، ربما كان يقصد أن يقول فيلم كرتون مشوه ونسي كلمة مشوه، معه حق أن ينسى فالمبلغ الذي تقاضاه ينسي الإنسان نفسه. وفنان آخر قال: إن هذا العمل يجب أن يكون اسمه مذبحة الحارة قال هذا الكلام بعد أن سحب منه المخرج دور البطولة، وانا أقول لكل من يتطاول على باب الحارة:  باب الحارة عالي ولن تنال منه سهام غدركم، وهو مغلق بشكل محكم وعاجلا أم اجلا ستأتون إلى الحارة وعندها لكل حادث حديث (وأنا شكلين ما بحكي … وياباطل).

الفن بلا رسالة كالحمل الكاذب سرعان ما ينفضح أمره، ومسلسل باب الحارة أنجب طفلا وهو الأن يمشي في شوارع دمشق بكل حرية بيد قلم وبالأخرى وردة .

رحم الله أيام حمّام القيشاني ورحم الله الفنان طلحت حمدي .

أغلقوا الباب عليكم واستحموا جيدا .

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز