د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
كارل ماركس ولعبة الشيطان والرحمن

صديقي القارئ لا بد أنك تعرف لعبة (The Bad Guy .. The Good Guy)، وقد تكون تعرضت إليها ولو مرة واحدة في حياتك، مباشرة، ومرات ومرات دون أن تشعر بذلك. اللعبة أصلها تجاري خبيث، لكن استخدامها انتشر في المجال السياسي أيضا. وهي في جوهرها أنك ربما تتوجه إلى مكان ما بقصد التجارة، تريد أن تشتري شيئا، مثلا، فتجد أمامك شخصا لا يبدي كثيرا من الود، وتشعر أنه يريد أن يغشك، ويريد أن يبتزك، ولحظة تقرر تركه والانسحاب يبرز أمامك شخص آخر، مثلا أخوه، أو ابن عمه، أو شريكه، فيتدخل، ويبدأ بتعنيفه والاعتذار منك، فينسحب ذلك الغليظ الـ (bad guy)، وينفرد بك اللطيف الـ (good guy) بلسانه المعسول، وأسلوبه اللطيف، ويجعلك تتصور بأنه يتعامل معك بمنتهى الأخلاق، فيتنازل عن هذا الشيء وذاك، ويخفض السعر من أجل عينيك، ويعطيك هدية علاوة على كل ذلك، وقد يقول لك عشر مرات "هذا محلك. أنت مو غريب". ولو تمعنت في حقيقة ما جرى فإنك سترى أن الشخص الطيب قد ابتزك أكثر من أخيه الغليظ، وأنه شدك إليه بالدور الجميل الذي لعبه معك بعد أن قرفت من أخيه القبيح، وربما جعلك تشتري أكثر مما كنت تريد، أو حتى تشتري أشياء لم تكن تفكر بشرائها، وطبعا تعود إلى ذلك المكان مجددا مجذوبا بما لاقيته من تعامل لطيف، وربما تتعامل بعد ذلك مع الـ (bad guy) نفسه، تقديرا لأخيه  الـ (good guy) – هكذا الأمر حين يقع المرء تحت تأثير لعبة اثنين يمثل أحدهما دور الشخص السيء أو الغليظ، والآخر دور الشخص الجيد أو اللطيف لبلوغ نفس الغتية. الذين يتعرضون، مثلا، للتحقيق من قبل الأجهزة الأمنية يعرفون بالتأكيد أن تلك الأجهزة تمارس هذه اللعبة بلا كلل – محقق يعربد، ويشتم، ويهددك بالاعدام، ويسألك عن أهلك ليوحي لك بأنهم سيتعرضون للويل والثبور بسببك،  ثم ينسحب، فيعقبه بعد ساعة محقق آخر يقدم لك سيجارة، ويسألك إن كنت تريد قدحا من الشاي، ويسألك بكل نبل! إن كان أحدا في المكان قد أساء إليك، أو أنك شعرت بالضيق، ويعتذر نيابة عن المسيئين لأن من يسيء إليك يسيء للثورة التي تحرص على كرامة المواطن! والله. إن لم يكن السجين يعرف هذه اللعبة فإن الأخير سيأخذ منه بالكلام المعسول ما كان الأول سيعجز عن أخذه بالتهديد والوعيد

 أحيانا ننظر إلى الوراء لنقرأ التاريخ بعيون ناقدة، فنكتشف أن هذه اللعبة قد مورست على مستوى تاريخي عالمي، وعلى مستويات عديدة، وفي مجالات مختلفة، بقصد ودون قصد. لنأخذ، مثلا، ثيودور هرتزل (1860-1904)، مؤسس الحركة الصهيونية العنصرية، وكارل ماركس (1818-1883)، مؤسس الشيوعية الأممية. ودون التشكيك بنوايا كارل ماركس، وبصرف النظر عن التوالي في الظهور، فإن الرجلين يمثلان بسطوع مدهش هذه اللعبة، لعبة الـ (bad guy .. good guy)، تاريخيا، وأيديولوجيا. كيف؟ لا نناقش هرتزل فليس هناك من يشك في أنه الشخص السيء، الشيطان، الـ (bad guy)،. ولكن ننظر إلى كارل ماركس الذي، قد يقول لنا أحدهم "لا تظلم الرجل"، ونقول: العياذ بالله، إنه لم يقصد ذلك، بل نحن نميل إلى الاعتقاد بأن الرجل يجري استخدامه، وحسب، ليكون في دور الـ (good guy)، ولكن هذا لا يغير شيئا من اللعبة

دعونا نرى نتيجة عمل السيء هرتزل، والجيد ماركس. هرتزل أسس الحركة الصهيونية العنصرية على أساس أسطورة سخيفة تعشعش في رؤوس قومه، وفي نفوسهم من ثلاثة آلاف سنة، أي أن الرجل لم يفعل سوى أنه صاغ صياغة عملية أفكارا أسطورة مريضة عمرها ثلاثة آلاف سنة، ووضعها على أرض الواقع، وحسب، وأربك بذلك العالم كله - أو في الحقيقة، العرب أكثر من غيرهم، فصاروا يتحدثون عن الصهيونية واليهودية كشيئين منفصلين. وماركس أطلق صرخته الشهيرة "الدين أفيون الشعوب"، فلم يفعل سوى أنه خلق إرباكا آخر على طريقته. وجاء من ركب الإرباكين على بعضهما، وخلق منهما دوامة تصيب رأس الإنسان العربي بالصداع. شخصان لهما نفس المشرب، أحدهما يصوغ على أساس أسطورة "دينية" سخيفة حركة من أكثر الحركات عنصرية ووحشية في العالم، لا تضاهيها في وحشيتها إلا حركة واحدة تتطفل على الإسلام، اسمها الوهابية. والآخر رفض "الدين" جملة وتفصيلا، الأسطورة والحقيقة، وأعطى البعض بذلك منطلقا لإعادة صياغة فكرة الشيطان والرحمن في العالم الفكري خارج الإطار الديني

كثير من الناس يجهلون أن كارل ماركس لم يقصد في عبارته الشهيرة الدين بشكل مطلق، بل المسيحية فقط، وكان ذلك جزءً من حربه الأيديولوجية ضد الكنيسة، وليساهم، ببراغماتية واضحة، في مواصلة انتزاع السلطة منها لأنها كانت في نظره متحالفة مع الاقطاع، وتعرقل مضي المجتمعات الأوروبية نحو الرأسمالية (التي كان في الأساس ينتقدها)، إذ كان ماركس يرى انتصار الرأسمالية على الاقطاع وحليفته الكنيسة شرطا ضروريا للانتقال إلى المرحلة العليا في تطور المجتمعات الإنسانية، مرحلة الشيوعية. كارل ماركس لم يقصد بالدين اليهودية لأن اليهودية لم تكن لها أية سلطة أو قوة سياسية ليصب ماركس غضبه عليها، ولم يقصد الإسلام لأنه لم يكن يعرف شيئا عن الإسلام، ولا البوذية، ولا غيرها

هرتزل (لولاه لما ظهرت الصهيونية! يا للسذاجة) تسبب في حروب طاحنة، وهولوكوستات مزعومة، وفي اغتصاب أوطان البشر لصالح الأساطير السخيفة. إنه الشيطان بنفسه! وماركس خرّب بصرخته تلك عقول عشرات الملايين من الشباب المسيحيين والمسلمين الذين بمجرد انبهارهم بالجانب الإنساني في نظريته الاقتصادية أداروا ظهورهم إلى المسيحية والإسلام بشكل فظ، وحاولوا اقتلاع هذين الدينين من الوجود (في روسيا أولا، وفي بلداننا العربية لاحقا)، جاهلين جهلا مطبقا أن المسيحية والإسلام جزء من تاريخنا، على الأقل، ومن نكون نحن، وماذا تكون هويتنا إن نحن شطبنا ماضينا، تاريخنا، بلا رحمة؟ ثم حتى لو صح أن الدين، كله، أفيون، فلننظر إلى ما تفعله الدول المتحضرة اليوم. إنها لا تحارب (الأشكال المختلفة من) الأفيون لمحوها من الوجود، بل تعمل على ترشيد استخدامها، ومنع الإدمان عليها. أليس بعض أشكال الأفيون دواءً؟

دعونا ننصف كارل ماركس، فنسأل: هل كانت مقولة "الدين أفيون الشعوب" دعوة إلى اجتثاث الأديان؟ أغلب الظن، لا، وذلك لأن العبارة نفسها تنفي ذلك ضمنا، إذ كيف يمكن لماركس أن يظن أن الشعوب يمكن أن تقلع عن ذلك "الأفيون" وقد أدمنت عليه لآلاف السنين؟ إنها عبارة وصفية لا غير، ليس فيها تحريض عام. لو أن ماركس أراد بذلك التحريض ضد الدين، يجوز لنا أن نقول عنه إنه، وهو المبدع في مجال الاقتصاد، كان عالم اجتماع سيء. الرجل لم يدع إلى اجتثاث الدين، بل إلى مواصلة انتزاع السلطة من الكنيسة الأمر الذي بدأته الرأسمالية. لقد أسيء فهم ماركس. لم يفهمه بشكل صحيح سوى إخوته في الدين، فكم يهوديا أدار ظهره لليهودية باعتبار أن يهوديا عبقريا قال "الدين أفيون الشعوب"؟ ولا واحد .. ولا واحد. وربما، حتى صاحب المقولة نفسه. لماذا؟ أليس لأنهم فهموا ما قاله، ولم يؤولوه تأويلا، كما فعل الآخرون، حسب أهوائهم، وعلى قدر غبائهم؟

لهذا لا معنى لانتقاد اليهودي لعدم تنصله من دينه، كما فعل المسلمون والمسيحيون، مع أن مجرد فكرة "شعب الله المختار" مقرفة، ويجب أن تجعل الإنسان المتنور يهرب بعيدا عنها، ليس إلى دين آخر، بل إلى الشيوعية التي رأت الدين أفيونا للشعوب.  أبدا. نحن ننتقد ماركس، وننتقد الشيوعيين المسلمين والمسيحيين. لا نقول إنه لا ينبغي لأي إنسان أن يتخلى عن دينه، بل نقول أن لا إنسان يمكنه أن يتخلى عن دينه – ليس كممارسة للطقوس، بل كهوية، وقيم مغروسة في النفس والعقل. أرقى ما يمكن أن يفعله أي إنسان إزاء الدين هو أن يدرك أنه ينتمي إلى هذا الدين أو ذاك بالوراثة، قبل أي شيء آخر، وأن هذا الدين قدره لأنه ولد فيه، وتربى على قيمه. وبهذا سيحترم الإنسان كل الأديان الأخرى ومعتنقيها، لأن كل الآخرين ولدوا، مثله هو، كل في دين. وبلا أدنى اعتراض فإن من حق الإنسان، إن هو أراد، بحكم وعيه، وتغلبه على عامل الوراثة، أن يغير دينه. لـِمَ لا؟ وظاهرة تغيير الأديان، مثلا الدخول في البوذية، أو الإسلام ظاهرة شائعة في المجتمعات التي لها هوية دينية ضعيفة. وليس هناك اليوم من هو أكثر تخلفا وهمجية من الذي يريد أن يرغم الناس على ترك دينهم، واعتناق دين آخر، كما يفعل الوهابيون في المناطق التي تصاب بوبائهم في سورية. وبالمناسبة سيسأل أحدهم: وماذا عن المسلمين، ألا يعتبرون أنفسهم خير أمة أخرجت للناس؟ والجواب القاطع هو: لا. إن "خير أمة" مشروطة بأن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر. وإن هم لم يفعلوا ذلك، فهم والزبالة سواء. ولهذا نرى أن الوهابيين والإسرائيليين وحدهم يرون أنفسهم شعب الله المختار بلا شروط، مع أنهم يأمرون بالمنكر، ويفسدون في الأرض، وينهون عن المعروف، ويقتلون النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق

نحن نعرف بالتجربة أن الكثيرين من المسلمين والمسيحيين الذين أداروا ظهورهم لدينهم، عادوا إليه، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وصاروا متطرفين فيه. بالنسبة للإسلام فمن المثير للقرف حقا أن نجد شيوعيي الأمس الذين كانت عبارة "الدين أفيون الشعوب" لا تفارق ألسنتهم، وقد أصبحوا ، خاصة بعد الغزو الأمريكي الصهيوني للعراق، ليس مسلمين متعصبين وحسب، بل طائفيين ممقوتين. ربما يحق لنا أن نقول: هذا ماجناه علينا كارل ماركس، ولم يجنه على اليهود

في النقاشات عن الأديان، وعندما نصل إلى اليهودية، ونذكر هرتزل كمثال على عنصرية فكرة "شعب الله المختار"، ينكزنا أحدهم، ويقول "تذكر الـ good guy" كارل ماركس. عجيب! لماذا يجب أن أتذكر كارل ماركس باعتباره الـ (good guy) في هؤلاء القوم مقابل هيرتزل باعتباره الـ (bad guy)؟ إن كان ماركس قد آمن بأن الدين أفيون الشعوب فإنه يكون بذلك قد قطع علاقته بدينه، وتبرأ منه لأنه أفيون الشعوب، وبهذا فإنه لا يُحسب عليهم لأنه ليس منهم. أما أننا نريد أن نستخدمه باعتباره الـ (good guy) فيهم، فإننا نتهم بذلك كارل ماركس بالنفاق، والغش، والكذب لأننا نصوره كشخص دفع الآخرين إلى التعامل مع الدين باعتباره أفيون الشعوب، وبقي هو يبيّض صفحة أتباع دينه باعتباره الـ (good guy) فيهم! علينا أن نحسم أمرنا وأمره، هل كان كارل ماركس يهوديا أم لا؟ فإن لم يكن، فهرتزل وحده يمثل قومه، وإن ظل يهوديا، فلماذا تكون أديان الآخرين أفيونا للشعوب؟

 ويقال لنا أيضا إن بعض اليهود ينتقدون اليوم إسرائيل، ويساندون حقوق الفلسطينيين، ويكتبون كتبا ومقالات عن الفلسطينيين. جميل، ورائع. بارك الله في جهودهم، وحياهم، ونحن لا نعاديهم حتى لو لم يفعلوا ذلك، فهناك أكوام من زبالة العرب، خاصة في الجزيرة العربية، لا يساندون فلسطين، ولا العراق، ولا سورية، أو مصر، بل يشنون، يدا بيد مع إسرائيل، حربا إرهابية على العراقيين، والسوريين، والليبيين، والمصريين، وغيرهم. الناس الجيدون لديهم دوافع كثيرة في مساندة المضطهدين في هذا العالم، ومن يساند حقوق الشعب الفلسطيني فإنه يفعل ذلك من منطلقين، على الأقل: أولا لأن قضية الشعب الفلسطيني قضية عادلة تستحق المساندة، وثانيا لأن مساندة القضايا العادلة من صلب مهمات الإنسان الذي يريد أن يكون إنسانا بالفعل، مهما كان دينه. وبالنسبة لليهود الذين يساندون القضية الفلسطينية هناك سبب ثالث، ومهم، وهو التخلص من تأنيب الضمير الذي يلاحقهم لأن قتل الشعب الفلسطيني واضطهاده جرى، ويجري باسمهم، فمساندة هذه القضية تخلصهم من الشعور بالعار. وقد تكون هناك أسباب أخرى معقولة. ، ولكن لا ينبغي لهم بهذه المساندة أن يمارسوا (وكذلك لا ينبغي لأحد أن  يستخدمهم في ممارسة)  نفس اللعبة باعتبارهم الـ (good guys) مقابل أرئيل شارون، أو ناتانياهو، أو موفاز الذين يلعبون دور الـ (bad guys)، وتنتهي اللعبة بأن يبيعونا البضاعة نفسها. وهناك مسألة ملفتة للنظر تبين أن صرخة ماركس "الدين أفيون الشعوب" آتت أكلها، على أية حال، بين المسيحيين، وقد تؤتي أكلها بين المسلمين أيضا، فنحن نرى أن كل الدول الأوروبية المتحضرة التي تدين شعوبها بالمسيحية استجابت له، ففصلت الدولة عن الدين، وأصبحت علمانية، وهي تحث الخطى لتكون إطارا لمجتمعات تعددية ثقافيا، وعرقيا، ولغويا، ودينيا. كذلك في البلدان المسلمة التي هي أصلا متعددة الثقافات، والأعراق، واللغات، والأديان، فإن صوت العلمانية يرتفع، والمطالبة بفصل الدولة عن الدين مطروحة على جدول الأعمال. في هذا الوقت بالذات هناك كيان واحد في العالم يسمي نفسه "دولة إسرائيل" يطالب العالم بالاعتراف به كدولة عنصرية لليهود وحدهم، دولة تقوم على أساطير سخيفة عمرها ثلاثة آلاف سنة عن أرض الميعاد.  إن اليهودي الذي يدين إسرائيل يدافع أولا وقبل كل شيء عن نفسه ضد عار التخلف التاريخي، وللبراءة من العنصرية المخزية، ولا يجوز لأحد أن يدخله، ربما دون قصد، في مثل هذه اللعبة







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز