يوسف عادل
hdsaout@yahoo.fr
Blog Contributor since:
31 December 2013



Arab Times Blogs
صرخة من وادي مزاب (الجزائر).

يبدو أن مسرح الاحداث الاليمة التي تعيشها مدينة غرداية في وادي مزاب لا تزال مشاهده تتوالى دون خاتمة لإسدال الستار، مع ما تحمله الليالي الحبالى من أنباء تدمي القلب وتعجز اللسان عن دقة الوصف.

ومعذرة اليراعة والقوافي *** جلال الرزء عن وصف يدق. (شوقي).

ويبدو أن كل ما حدث من قتل وتخريب، لم يشف بعد غليل هؤلاء الوحوش البشرية من الشعانبة وعرب بني هلال الذين ينتسبون حسب زعمهم إلى المالكية. ومسلسل العنف لا يزال متواصلا وبحلقات مستحكمة.

وادي مزاب لا يزال، يوما بعد يوم، يعد قتلاه الذين يسقطون ضحايا الغدر. واليوم يضاف إلى هذه القائمة الثقيلة شهيدان من بني مزاب الامازيغ : الاول "باباواسماعيل عزالدين" وهو طالب جامعي يبلغ من العمر 22 سنة. ولقد قتل بوحشية و بطريقة بشعة من قبل عصابات إرهابية، (أنظر الفيديو - يرجى الامتناع عن المشاهدة لذوي القلوب الضعيفة)، والثاني "بهدي بشير"، 38 سنة، الذي صعب التعرف عليه في أول الامر من قبل أقربائه من شدة التشوهات وما تعرض من تنكيل. رحمهما الله، تعازينا الخالصة لأهاليهم. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وادي مزاب يستغيث والسلطة تتفرج كأنها عاجزة عن حل الطلاسم. والكل يناشدها لوضع حد لهذه الكارثة الانسانية و الانتهاكات الجسيمة في حق المزابيين المسالمين. لماذا رفضت السلطة طلب إنشاء لجنة تحقيق الذي تقدمت به إحدى الاحزاب ؟ مماذا تخشى ؟ وماذا قدمت كبديل أمام هذا الرفض ؟ ولصالح من تفاقم هذه الازمة ؟

الجزائر تعيش على صفيح ساخن، وإن لم تتسارع إلى تدارك الامر سيمتد لهيب غرداية إلى أنحاء الوطن، يومئذ يفرح أعداء الجزائر وتنعش الخلايا الارهابية النائمة وتنشط الحركات الوهايية التكفيرية الظلامية بدعم سعودي وبمباركة قناة النهار الجزائرية وأخواتها التي ما فتئت تصطاد في المياه العكرة.

بعد المسيرة الاحتجاجية اليائسة التي قام بها أعراب بني هلال الثلاثاء الماضي (5 فيفري 2014)، بشعارات استفزازية عنصرية أمام مرأى الجميع، وبدعوات جاهلية، "لنا الصدر دون العالمين أو الخراب"، وبهتافات "مالكية- مالكية ... قوة قوة وطنية"، للمطالبة بإطلاق سراح أبنائهم وإخوانهم المجرمين. وأجبروا تلاميذ بعض الثانويات الرسمية للمشاركة دون أي استنكار من قبل الاسرة التربوية، ذلك لاستغلال هؤلاء المراهقين في تضخيم المسيرة، وليورطوا شبابا قصرا فينشئونهم على الحقد والكراهية وحب الرذيلة.

كان لهذه المسيرة تداعيات خطيرة عندما قوبل هؤلاء بالرفض. حيث عمدت بعض عصابات حي الحاج مسعود وحي مرماد وبنية مبيتة مباشرة بعد نهاية الوقفة الاحتجاجية إلى حرق سيارات والاعتداء على المنازل. وتفاقم الامر بتدنيس مسجد ومقبرة "بابا ولجمة" التاريخية"، نسبة إلى أحد مشايخ مزاب، ثم مقبرة باعيسى اوعلوان وهدم البنايات الاثرية  (نلاحظ في هذا الشريط، بداية من الدقيقة الثالثة حتى الخامسة،  التواطؤ الفاضح للامن. وبالمناسبة عندما نشير إلى فضائح الامن فلسنا ضد المؤسسة لذاتها، وإنما هي دعوة لتطهير هذه المؤسسة من أمثال هذه العناصر المندسة الخبيثة)، ثم محاولة حرق معهد عمي سعيد أحد المعاهد الرائدة في الجزائر والذي أسس سنة 1973، و هو الاول على مستوى الولاية والخامس وطنيا، ولقد تحصل هذا المعهد سنة 2008 بالرتبة الاولى على المستوى الوطني في نتائج الباكالوريا. وكلها محاولات لطمس رموز حضارة المجتمع المزابي والقضاء على الهوية الامازيغية في الصحراء.  

انتهت فصول هذه المأساة بالقتل وسفك الدماء وإصابة المئات بجروح خطيرة وحصيلة ثقيلة في الخسائر المادية تحصى بالملايير. مواطنون يصلون الليل بالنهار دفاعا عن حرماتهم وممتلكاتهم. والنتيجة، عائلات بلا مأوى وتهجير قسري لمئات الأسر من منازلها. وذلك دائما بنفس السيناريو، فبعد السطو على المحلات التجارية و على المنازل وسرقة كل ما فيها من أموال وحلي، تضرم النار عليها لتصبح أطلالا. كل هذه المنكرات تقع باسم الدين والمذهب، ينهبون ويعيثون فسادا في البلاد. يهددون النساء والطالبات العفيفات في عرضهن بالاغتصاب "انفسدولكم بناتكم".  أي نوع من أنواع البشر هؤلاء؟ لله الامر من قبل ومن بعد.

وادي مزاب يحتضر في صمت والسياسيون يتناحرون فيما بينهم لأجل الرئاسيات. كيف يسمح شرفاء الجزائر ارتكاب مثل هذه الجرائم باسم المالكية ؟ ألا يجب على الهيئات الدينية مثل وزارة الشؤون الدينية أو جمعية علماء المسلمين، وقبل أي حديث عن المصالحة، أن يعلنوا وبصريح العبارة براءتهم من هؤلاء الذين يستغلون المذهبية لاشباع نهمهم؟ وعلى ذوي الالباب في كل قطر من الجزائر استنكار ذلك علنا وأن يمنعوا هذه الشرذمة من هاجوج وما جوج عن التحدث باسم المالكية في بياناتهم ومسيراتهم ورسائلهم.

ألم يان لوزيرة الثقافة أن تخرج عن صمتها لفضح هذه المؤامرات والايادي التي تعبث بالارث الثقافي. اللهم إلا إذا كان وادي مزاب قطعة خارجة عن سلطة الجزائر. لأن هذه السلطة عاجزة عن حماية رعيتها. فما هو إذا حد النصاب من القتلى وما هو سقف النهب والتخريب لكي يحق لنا التحرك على أكثر من صعيد لنجدة المستضعفين وإيقاف النزيف ؟

أين هو فاروق قسنطيني، الذي بدل أن يوجه أصابع الاتهام إلى المغرب، عليه أن يتشجع ويواجه الحقائق ويستنكر ما يجري في غرداية من انتهاكات في حق المزابيين ؟ 

ما يحدث في مزاب هو صراع التخلف ضد الحضارة، والرذيلة ضد الفضيلة، وصراع القوى الظلامية ضد أهل الخير والحق. ولسنا في حاجة إلى القيام بتحقيقات معمقة لمعرفة الجاني من البريئ والظالم من المظلوم. لكن، مثقال ذرة من التبصر، لنتساءل لماذا جميع القتلى من طائفة واحدة ؟ ألا يكفي حجة دامغة لمعرفة الفئة الباغية، الزائغة، الظالمة ؟ ومع ذلك لا يزال بعض الناعقين يشككون في صحة ما تم نشره من صور وفيديوهات ويصرون على أنها مفبركه، لحاجة في نفسهم ولتضليل الرأي العام. ولعل هؤلاء القتلى أيضا افتعال وفبركة.

وإلا فبأي حديث بعده يومنون ؟
 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز