د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
متى صار شايلوك عراقيا؟

 

مع أني أعتقد أن أكثر الناس يعرفون قصة شايلوك، أو سمعوا باسمه، على الأقل، ولكن لا بأس، سأعطي تلخيصا للموضوع. شايلوك شخصية تمثل في الأدب العالمي تجسيدا لملة معروفة بالغدر، والخسة، والدناءة، والكذب، والبخل، وانعدام الأخلاق، وإخلاف الوعود، والحنث بالقسم، ونقض العهود. هذه الشخصية لم ترسمها، لحسن الحظ، أنامل كاتب عربي، وإلا كان يقال عنا إننا عنصريون، بل قلم مسرحي عالمي اتحف الأدب العالمي بمسرحيات خالدة عديدة، منها مسرحيته "تاجر البندقية" التي تدور حول هذه الشخصية الغارقة في النذالة. الكاتب المسرحي انجليزي اسمه ويليام شيكسبير (1564-1616). في تاجر البندقية يبرز شايلوك شخصا منبوذا، ومعزولا، يمص دماء الناس بإقراضه المال بالربا، ويسخر منه الناس أينما ولى وجهه. ومن بين من يسخرون منه شاب اسمه أنتونيو لا يسخر منه وحسب، بل يسميه "كلب". هذا الشاب يضطر، من أجل مساعدة صديق له، إلى اقتراض بعض المال من شايلوك الذي يكرهه كرها شديدا، ويرى حاجة أنتونيو إلى المال فرصة للانتقام منه، فيضع له، لاقراضه المال المطلوب، شرطا واحدا – شرط من باب المزاح، لا غير، وهو أن يوقع الشاب على عقد يبيح لشايلوك أخذ رطل من لحمه إن هو لم يسدد دينه في الموعد المتفق عليه، فيوافق الشاب لأنه لم يكن يعرف كم خسيس هو شايلوك. وتقع الكارثة بأن يعجز الشاب عن تسديد دينه في الموعد المحدد، فيكشف شايلوك عن وجهه القبيح، ويتمسك بالعقد الذي بينهما، ويذهب إلى القضاء مطالبا بحقه في أخذ رطل من لحم الشاب. وباختصار فالقانون في مدينة البندقية الإيطالية كان واضحا، والاتفاق كان واضحا، ولم تكن هناك فرصة لنجاة الشاب. ولكن خطيبة صديقه، وهي فتاة متقدة الذكاء، تقرر الدفاع عنه، وتتخفى في هيئة محام، وتحضر إلى المحكمة. في الدفاع تترك الفتاة المحامية القضاء يأخذ مجراه، وتقر بحق شايلوك في تنفيذ العقد. ولحظة يهم شايلوك في غرز السكين في جسد الشاب توقفه، وتقول له: انتبه فالعقد ينص على أن تأخذ رطلا من اللحم، ولا ينص على أن تأخذ من دمه أيضا. خذ رطلا من اللحم بلا قطرة واحدة من الدم. وأسقط في يد شايلوك، إذ كيف يمكن أن يأخذ اللحم دون أن يسفك دما؟ ونجا الشاب

 

كل الأمم التي قرأت مسرحية شيكسبير عن الكائن الحقير شايلوك تعلمت منها، واستفادت، ووضعت قوانين صارمة للتعامل معه ومع قومه، وفرضت عليهم العيش في أحياء خاصة بهم، لا يختلط بهم أحد، الغيتو، ونجت تلك الأمم من شرورهم، إلا نحن. نحن، العرب والمسلمون، مع الأسف، لم ننجو من أحفاد شايلوك، لأنهم أخذوا درسا من غلطته، فصاروا يوقعون عقودا تنص على الأخذ من لحمنا مع الدم والعظام. لم ننجو مع أننا عرفناهم أهل غدر، ونقض للعهود بثلاثة آلاف سنة قبل أن يعرفهم شيكسبير. عرفناهم، وغضبنا عليهم، وأدخلناهم إلى بابل سبايا، يلعنهم أنبياؤهم أنفسهم قبل غيرهم لأنهم اعتبروا سبينا لهم عقابا من الله لهم لإفسادهم في الأرض

 

عادوا، وكان المسلمون الأمة الوحيدة التي وفرت لهم الأمن والأمان – سلوا عن ذلك أردوغان وكيف أن آخر امبراطورياتنا حمتهم، ووفرت لهم ملاذات آمنة يمارسون فيها دجلهم، وشعوذتهم، وتكنيزهم للذهب والفضة بمص دماء المحتاجين، ولم تغادرهم جينات الغدر التي توارثوها جيلا بعد جيل، فكانوا هم من طعن العثمانيين في الخاصرة في نفس الوقت الذي طعنهم أعراب الخليج في ظهورهم، مقابل وعد أخذوه من بلفور بأن يعطيهم من لحمنا منقعا بدمنا. ومنذ سبعين سنة وهم يأخذون لحمنا، ودمنا، ليس مقابل اقراضنا بالربا، بل لغفلتنا والتزامنا بالقرآن الذي يلزمنا باحترام أنبيائهم - ولا حول ولا قوة إلا بالله

 

كل الأمم عرفتهم، وتعاملت معهم بما يستحقون، إلا نحن. الألمان الذين عاش هؤلاء بين ظهرانيهم لقرون، اكتشفوا فجأة أن هؤلاء وضعوا أيديهم في أيدي أعدائهم الانجليز، وراحوا يمولون الحرب ضدهم، فغضبوا، وأعدموا منهم بضع عشرات، فردوا على الألمان ردا ظالما بعد انتهاء الحرب، واتهموهم بما سمي بالهولوكوست. كل مؤرخي العالم يعرفون أن الهولوكوست الألماني ضد اليهود أكذوبة. لم يكن غضب الألمان على اليهود لسبب عنصري، بل لأن هؤلاء مارسوا رذيلة الغدر المتأصلة فيهم، ودعموا الانجليز في الحرب بأموالهم، تماما كما دعموهم ضد الدولة العثمانية التي رفضت إعطاءهم أي حق في فلسطين

 

أحفاد شايلوك، وورثة أخلاقه، يحسبون أنفسهم شعب الله المختار، دون أن يقولوا لنا لأي شيء اختارهم الله. إنهم لا يعرفون أن الله قد اختارهم فعلا ليكونوا رمزا للفساد والإفساد، بحيث أنهم يفسدون في الأرض مرتين. مرة أفسدوا فجلبناهم إلى بابل، وحاسبناهم هناك، ويفسدون اليوم، وهناك سيحاسبون مرة أخرى. على أن المفسد في الأرض لن يعي أنه يفسد حتى تأتيه ساعة الحقيقة، ساعة يدرك أن جولته ساعة يفسد فيها، ويجمع غضب العالم عليه لينزل عليه حكم العدالة

 

أحفاد شايلوك يختلفون عن كل أمم الأرض، فكل أمة على وجه هذه الأرض يمكن أن تجد مع الأمم الأخرى نقاط خلاف ونقاط اتفاق، فيتعارفون، وقد يتحاربون أحيانا، ولكن سرعان ما يجدون أن دواع السلم والتعاون وبناء الحياة أقوى. إلا أحفاد شايلوك، فهم في صراع دائم مع كل الأمم، وصراعهم ضد الأمم صراع على الوجود والبقاء، فهم يرون أن بقاء العالم في فنائهم، وبقاؤهم هم في فناء العالم. ولهذا لا يمكن أن يمدوا إلى أحد يد الصداقة، ناهيك عن يد الأخوة. يدخل الفساد معهم إلى أي مكان يدخلون فيه، أمريكا، أوروبا، أفريقيا، بل إن الفساد سيدخل إلى جهنم نفسها يوم يدخلونها. وهم يعيشون في رعب دائم، وقلق متواصل. لنقارن إسرائيل بدولة أفريقية، تانزانيا أو أوغندا، مثلا، فنرى أن شعوب تلك البلدان فقيرة وضعيفة، ولكن ليس عندها خوف من المستقبل على مصيرها. لأنها تعيش على أرض تملكها، ولا تحتاج إلى التعامل مع الآخرين بالخبث، والغدر، والإفساد. ولنقارن إسرائيل أيضا بأي بلد أوروبي غربي قوي. البلد الذي يمتلك قوة وغنى يعيش مطمئنا، واثقا بنفسه و (relaxed) بينما الإسرائيليون يعيشون في خوف من الغد، رغم أن قادتهم يقولون إن قوة إسرائيل تضاعفت خمس عشرة مرة منذ هزيمتهم أمام حزب الله عام 2006

 

كل هذه القوة العسكرية التي تملكها إسرائيل، مدعومة بكد المواطن الأمريكي الذي تذهب أموال ضرائبه لدعم إسرائيل، لا تمنح الإسرائيليين أمنا، وطمأنينة، بل بالعكس تجعلهم لا يجدون وسيلة لتعزيز أمنهم إلا ما اتبعها شايلوك، الغدر. انظرو إليهم ماذا يفعلون. يشعرون ببعض الأمان برؤية من حولهم ينشغل بما يحلو لهم أن يسموه بالصراع السني-الشيعي. هكذا هم، لكي يعيشوا لا بد أن يموت العالم كله. وهذا ديدنهم، ليس فقط لأننا عرب، أو مسلمون، أو مسيحيون، بل كانوا سيفعلون الشيء نفسه لو كان الله قد وضعهم بين اليابانيين والصينيين، أو بين البرازيل والأرجنتين. وهم لكي يخلقوا الفتنة، ويشعلوا نار الحروب، وينشروا الفساد، لا يفوتون أية فرصة، مهما صغرت

 

لنضرب مثلا بسيطا. موقع العرب تايمز. إنه موقع يعبر وجوده عن قدرة الإنسان العربي على استيعاب قيم الديمقراطية، وحرية الرأي، والتعبير، والارتقاء إلى روح العصر في الانفتاح الفكري. أنا أرى أن العرب تايمز ظاهرة حضارية تكشف ثقة العربي بنفسه في بحر الصراعات الثقافية الجارية، وأتحدى صحافة العالم كلها أن تسمح لأحد لا يناسب فكره فكرها بنشر مقالة أو تعليق فيها، أو التعليق على مقالات بلغتها بلغة أخرى. العرب تايمز تنشر، وتكسر الحواجز، ومع أني أشمئز من مناقشة آرائي مع العرب بغير اللغة العربية، أقول لا بأس، فأنا يمكنني أن أتجاهل هؤلاء. ومرحى لترحيب العرب تايمز بالجميع، وفتح أبوابها حتى أمام شايلوك. ثم إن القارئ العربي يتدرب هنا، ويتعود على قراءة ما لا يعجبه، والتعامل مع كل أنواع الآراء والمواقف. وأعرف أن هذه عملية تربوية إعلامية طويلة الأمد، والعربي سيتعلم في آخر المطاف كيف يناقش، وكيف يختلف، ويتقبل الاختلاف، ويترفع عن الانجرار إلى الترهات الطائفية والمذهبية التي تضر بالجميع، ولا يستفيد منها غير العدو. وسوف يتعلم كيف يحاصر أبواق العدو ويخمد أصواتها

 

نعم، العدو بالذات، فأحفاد شايلوك المجبولون على الخبث، والغدر، والعيش على دماء الآخرين لن يفوتوا فرصة مثل العرب تايمز دون أن يستغلوها لنشر سمومهم، وأحقادهم، وصب الزيت على نار أية فتنة تعطيهم الاطمئنان، وتطيل في عمر الكيان العنصري الذي أقاموه على أرض الغير، وهم يعرفون أن فلسطين ستكون في آخر المطاف للفلسطينيين، وسيعودون هم إلى حيث جاءوا منه، فيعتذرون حتى للألمان عن أكذوبة الهولوكوست التي ألصقوها بهم، وابتزوهم، وابتزوا أوروبا الغربية كلها معهم  على مدى عقود

 

أنا أدين النازية لأنها تسببت في قتل خمسين مليون إنسان، من بينهم بضعة يهود تعاونوا مع الانجليز، واعتبروا خونة للوطن الألماني. ولكن أتساءل لماذا عاقب الله بني إسرائيل رغم هذا العدد الهائل من الأنبياء الرومانسيين الذين ظهروا بينهم؟ ألأنهم كانوا أيام نبوخذنصر، مثلا، مشغولين بالجمال الفرعوني، والفن اليوناني؟ أم لأنهم حين ظلوا لأربعين سنة يهيمون على وجوههم في صحراء سيناء كان أنبياؤهم يسكرون ويعربدون؟

 

الذي يتابع موقع العرب تايمز باستمرار يلاحظ كيف أن هناك وراء الكواليس من يراقب ما ينشر، ويدلي بدلوه هنا وهناك في تأجيج واضح ومتعمد للفتنة الطائفية في المنطقة. كل الذين يسبون الشيعة والسنة عليهم ظلال لا تسمح لنا برؤيتهم، ولكن يمكن أن نخمن أنهم ليسوا مسلمين، ولا مسيحيين. ويبدو أن البارومترات الشايلوكية لا تسجل فائدة تذكر من هذا التكتيكات، فالقارئ العربي يصبح أكثر حصانة ضد الطائفية، وهذا ما نلاحظه على التعليقات التي نقدر أن أصحابها عرب، مسلمون، أو مسيحيون. وبين الكتّاب العرب ينحسر اتجاه العبث، وانعدام الجدية، والنزعات الشخصية الطائفية. ولكن ونحن نفخر بروحنا الديمقراطية التي ورثناها في تاريخنا الذي عرف تعدد الثقافات، واللغات، والأعراق قبل أن تعرفها أية أمة، علينا أن نلاحظ أن التكتيك قد يتغيّر، فأحفاد شايلوك وأخوالهم قد يدخلون إلى العرب تايمز ككتّاب يحملون ألقابا عربية، بعضهم عليه زغب العصافير البريئة مع أن رائحة المحافظين الجدد التي تزكم الأنوف تفوح من بين سطور مقالاته، وغيرهم قد يدعي أنه منا إن لم يكن باسمه فبلقبه، أو بلغته العربية. وقد يحاول أحد أن يكسر قلوبنا ويبكينا على ضحايا الهولوكوست، ثم حين يرانا نذرف الدموع على من لو كان نجا من الهولوكوست المزعوم لأصبح موشي دايان آخر، أو أرئيل شارون آخر، وارتكب بحقنا صبرا وشاتيلا أخرى، يلتفت إلينا ليذكرنا أن السنة المساكين مضطهدون في إيران، والشيعة المساكين ذبحهم صدام حسين. هذا هو بيت القصيد. هم ضحايا الهولوكوست، ونحن أوباش السنة والشيعة

 

نستطيع أن نقول لهؤلاء دائما: إذا كان الألمان أحرقوهم في الهولوكوست فلماذا لا يحاربون الألمان وينتقمون منهم؟ لماذا يجب أن يدفع الفلسطينيون ثمن ما فعله الألمان؟ لن يجيبوا لأن الجواب هو: لو أنهم قالوا كلمة سوء للألمان الآن فإن الألمان سيكشفون أكذوبة الهولوكوست. والألمان سيفعلون ذلك بعد حين. لن يبقى الألمان يدفعون تعويضات عما لم يفعلوه. لقد أجبروا على ذلك لأنهم خسروا الحرب، لكن ألمانيا نهضت، ونفضت عن نفسها غبار الهزيمة، وأمور كثيرة ستنكشف

 

انظروا .. الستراتيجية واضحة .. كلمات معسولة من باب استدرار عطفنا على ضحايا الهولوكوست. ويكون ذلك أول القطر ثم ينهمر المطر، فيأتي شايلوكيون جدد، ويعلقون على من يرفض هذا بشتم عمر بن الخطاب، وسيأتي من يرد عليهم بشتم الروافض، وهكذا يبقى النبي الإسرائيلي الأثول في عليائه يغازل تماثيل فينوس، ويكتب شعرا في ليالي ليفني تسيبني الحمراء في جهادها من أجل مصالح إسرائيل، بينما عمر وعلي يغرقان في الدم بمكيدة شايلوك

 

أنا أهيب بالقراء إن هم صدموا ذات يوم بظاهرة بروز كتّاب إسرائيليين خبثاء على موقع العرب تايمز، أن يتقبلوا الظاهرة بكل رحابة صدر، ويساهموا في إفشال خططهم الشايلوكية الخبيثة بعدم التصديق بأن من يشتم عمر هو شيعي، أو أن من يسيء إلى علي هو سني. عمر وعلي يخصان المسلمين ولا شأن لشايلوك بهما. أما من يشتمانهما فإسرائيليان يجلسان مع الكاتب الخبيث في نفس المكتب في دوائر الموساد

 

وعودة إلى سؤالي: متى صار شايلوك عراقيا؟ نعم، ربما يكون شايلوك عراقيا، فقد يكون من أحفاد من جاء بهم نبوخذنصر إلى بابل، وبقي هناك يعيش في الغيتو الخاص به لثلاثة آلاف سنة، وبقي يكره العراق، والعراقيين، والمسلمين، والمسيحيين مثلما يكره البشرية كلها. وبعضهم هرب إلى إسرائيل عام 1948، كما أن بعضهم عاد إلى العراق مع جيش الاحتلال الأمريكي عام 2003، وشاركوا في نهب متاحف العراق، وحرق مكتباته، كما شاركوا في قتل العراقيين. وهم الذين بدأوا عام 2006 بنصب نقاط التفتيش على الطرق في بغداد ليقتلوا المسافرين السنة في مكان، والمسافرين الشيعة في مكان آخر، وأشعلوا الحرب الطائفية. شايلوك أيها المرابي البغيض نحن نعرف عنك أكثر مما عرف شيكسبير







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز