د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
في سايكولوجيا انحطاط الوهابية

 

 مع ظهور الوهابية على المسرح العربي والدولي كأكبر، وأخطر حركة إرهابية، فاقت في وحشيتها، وهمجيتها قرينتها الصهيونية العالمية، برزت سلسلة من الظواهر الاجتماعية، والأخلاقية التي كانت في السابق مرتبطة بسلوكات المجرمين العاديين والساقطين، والفاشلين، لكنها أصبحت بفضل هذه الوهابية، وزعامتها النفطية الخليجية، تقترن قسرا بالإسلام، وبالمسلمين. الأمثلة كثيرة، قطع الرؤوس، أكل أحشاء البشر، الاغتصاب، الاعتداء على النساء والأطفال. وحتى صرخة "الله أكبر" التي اقترنت في أذهان أجيال من العرب والمسلمين بثوراتهم على المستعمرين، وبأنها تعبير عن أن الله فوق كيد المعتدي، وأنه للمظلوم خير مؤيد، صارت في أفواه الوهابيين تعبيرا عن الظلم، والهمجية

 

لسنا بحاجة إلى التأكيد أن الوهابية هي تشويه خطير للإسلام، وليس تجنيا عليها إن نحن قلنا إن الوهابية هي أخطر اختراق صهيوني للإسلام، بل إنها الذراع العربية لإسرائيل، وهي بفضل نشوئها بين ظهراني الإسلام يمكنها أن تطال ما لا يمكن لليد الصهيونية المباشرة أن تطاله، وأن تقترف من الجرائم ما يتردد الإسرائيليون عن اقترافها لخشيتهم على سمعتهم في العالم. وما لم تتمكن الصهيونية بكل إمكاناتها الإعلامية تحقيقه من تشويه للإسلام في مئة سنة تمكنت الوهابية من تحقيقه لها في غمضة عين، بمجرد أن وطأت أقدامها القذرة أرض العراق والشام، حتى إنها نجحت في إقناع الكثير من المسلمين أن الإسلام في جوهره هو ما ترتكبه الوهابية من موبقات، وآثام، وجرائم يندى لها جبين الإنسان المتحضر

 

التشويه الوهابي للإسلام، وللقيم والمثل الإسلامية يتوسع، ولا يتوقف عند حد، ويبدو أن هذه الحركة الإرهابية مصممة على إلصاق كل ما هو مرفوض، ومدان أخلاقيا بالإسلام، بدءً من نكاح الجهاد، عبر الذبح، وبقر البطون، وجعل معاشرة الأم والأخت أمرا جائزا للمجاهدين الوهابيين، إلى استخدام لغة سوقية منحطة لا تليق بفم الإنسان. تتلقى، مثلا، رسالة تهديد تبدأ بآيات من القرآن تليها شتائم مقذعة تبعث على التقيؤ، تعقبها آيات من القرآن، ولو أنك لم تكن ملما بآيات القرآن لحسبت كل ما تقرؤه قرآنا (وغفرانك يا إلهي). كيف يمكن لمسلم أن يُدخل الكلام الهابط بين آيات كتاب يقدسه؟ نحن لا نسمح لأنفسنا أن نمس القرآن إلا ونحن مطهرون، ونحتفظ بالقرآن في بيوتنا في أعلى مكان بين الكتب، ونشعر بالخشوع عندما نمر بالقرب منه، أو نسمعه يتلى. أي مسلم هذا الذي يدخل الكلام النجس بين آيات كتاب لا يمسه إلا المطهرون؟ هل نحتاج إلى أبحاث، ودراسات لنتأكد من أن الوهابيين قد يكونون أي شيء إلا أن يكونوا مسلمين؟ كيف نعرف أنهم الوهابيون، وليس أولاد أعمامهم الصهاينة، الذين يفعلون ذلك؟ تهديد بالقتل لمن يتعرض بالنقد لآل سعود، وتعظيم لأمراء هذه الأسرة، والمفتين بأمرهم، وسفاحيهم، وشتائم للذين يدافعون عن أهلهم في العراق وفي سورية. وكم من مرة يتحدث الناس عن هذه الظاهرة، ولا تصدر ولا حتى إدانة لها من شيوخهم. وكيف يمكن لمن يفتي بجواز معاشرة الأم أن يستنكر السباب والشتائم على أمهات الآخرين؟

 

نحن تربينا في بيوتنا، وفي المدارس بأنْ {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها}. أي مسلم هذا الذي يدخل إلى بيتك عبر بريدك الالكتروني الذي ما أن تفتحه تواجهك الشتائم على أمك، بدلا من "السلام عليكم"؟ ما علاقة أمّ هذا، أو ذاك، برأي يبديه هو على موقع الكتروني؟ أية تربية يتلقاها هذا الوهابي الذي يعجز عن مواجهة الناس بـأن يجادلهم بالتي هي أحسن، فينقل المواجهة معهم إلى حرب جبانة على أمهاتهم اللواتي لا يعرفهن، وما عرفَنه، وربما أصبحن في حضرة ربهن قبل أن يُخلق هذا المجاهد الصهيوني القميء؟ أي شيء في الإسلام لا يشوهه هؤلاء الذين ليسوا غير نسخ مشوهة من القرود؟ ثم أي نمط من الناس يستقطب هؤلاء الوهابيون إلى صفوف مجاهديهم؟ واضح أنهم يلتقطونهم ممن هم من سقط المتاع في المجتمعات العربية والمسلمة. لا يمكن لعراقي، أو سوري، أو فلسطيني، أو مصري، أو أي إنسان تنسم نفحة من روح الرسول الأكرم محمد بن عبدالله أن يقع بين مخالب هؤلاء الرعاع. إنه لا يمكن أن يكون من أهلنا، إنه عمل غير صالح

 

بين الأقربين إليّ محلل نفساني لا أبحث معه أمور السياسة لأنه لا يحبها، لكنه رآني قبل أيام وأنا غاضب. أقول الحقيقة، إنهم يثيرون الغضب بكل سلوكاتهم، سواء كان في عذرا حيث دخلوا قرية آمنة دخول الجبناء، أو عندما يضربون سوقا، أو مدرسة، أو مستشفى، أو يدخلون بيوتا لا يرحب بهم فيها أحد، أو حين يشتمون إنسانا أو إنسانة لا علاقة لها بصراعنا معهم

 

سألني صاحبي عن سبب غضبي، فقصصت عليه قصة هذا الذي لا أعرف منه غير أسماء تتغير، وأسلوب سوقي لا يتغير. سألته عما يجعل الإنسان يشتم إمرأة لم يلتق بها، ولم يعرفها، ولا علاقة لها بالخلاف بين هذا وذاك، فأعاد صاحبي المحلل النفساني سؤالي طارحا إياه عليّ: لماذا، في رأيك، يشتم هذا الشخص أمك؟ فقلت: لأنه شخص (أدبسز) أي عديم الأدب، فتمهل صاحبي قليلا ثم قال: أنا أتكلم الآن كمحلل نفساني، وعندما تقول عن ذلك الشخص إنه عديم الأدب فهذا بالنسبة إليّ تقييم أخلاقي، وعلم النفس لا يعمل بالتقييمات الاجتماعية، والأخلاقية. إنه علم يركز على ثلاثة أشياء: تحديد المشكلة، والبحث عن أسبابها، وتقديم الحلول (العلاج) لها. ثم سألني: عندما تكتب، ماذا تتوقع من القراء؟ فقلت: أتوقع أن يقول بعضهم "أنا أتفق معك في هذا واختلف في ذاك"، وأن يقول غيرهم "كلامك مقنع"، أو "غير مقنع". قال: إذن أنت تتوقع أن يرد عليك القراء بنفس أسلوب كلامك، فقلت: بالضبط. قال: لكن هؤلاء، أو ربما هذا، يرد عليك بشتم أمك، فقلت مرة أخرى لأنه "أدبسز"

 

وصمت صاحبي قليلا ثم قال: وهو عندما يشتمك، ماذا يتوقع منك؟ فقلت بتلقائية: أن أرد عليه بشتم أمه، أليس كذلك؟ فضحك وقال: هنا مربط الفرس. أنت تكتب بأدب، وتتوقع أن يرد عليك القراء بأدب، بينما هو يرد عليك بالشتيمة، فهل يتوقع، مثلا، أنك لا تحسن الشتم، أو أنك لا تعرف عبارات بذيئة مثله هو؟ فاكتفيتُ بابتسامة خفيفة، فهمها صاحبي، وقال: ومع هذا فهو يشتم أمك، فكيف تفسر ذلك؟ قلت: لا تفسير عندي سوى أنه "أدبسز"، فقال صاحبي: لا، الموضوع ليس كذلك. هناك شخص يشتم أمهات الناس الآخرين وهم لم يشتموا أمه، ويعرف أن الآخرين يستطيعون أن يردوا عليه بشتم أمه. هذا يعني أنه يريد من الآخرين أن يشتموا أمه، أي إنه يجر الشتيمة على أمه جرا. فلماذا يفعل ذلك؟

 

أحيانا يصعب على المرء تعقب الكيفية التي يتفكر بها المحللون النفسانيون. هنا سكتّ، فقال صاحبي: غريب أن أحدهم يريد أن يسمع الناس يشتمون أمه، أليس كذلك؟ هذا له تفسير. هذا الشخص يكره أمه. هناك أشخاص يعانون ربما من طفولة تعيسة، وهم غير قادرين على تشخيص دورهم هم في تعاستهم، أو لا يريدون تحمل المسؤولية عن تعاستهم، ويحاولون إلقاء اللوم على هذا وذاك. هذا الشخص، مثلا، قد يكون يعتبر أمه هي السبب في تعاسته وشقائه، وهو يكرهها، ويعتبرها إنسانة سيئة، ويعيش يومه وهو يشتمها في دواخله، ويحاول دائما أن يسمع من الآخرين شتائم عليها، وتأكيدا بأنها سيئة. وطبعا قد لا تكون أمه سيئة كما يظن هو. ربما تكون أمية، أو جاهلة، ولم تتعمد إيذاءه

 

سألتُ صاحبي: وأين نصل من هذا؟ فقال: هذا الشخص بحاجة إلى أن يسمع منك تأكيدا بأن أمه إمرأة سيئة. إنه يعتبر شتمه لأمك وسيلة يدفعك من خلالها إلى شتم أمه، ولو شتمتَ أمه فإنه سيشعر بالراحة، ويشكرك على جميلك، فصرخت: وإن لم أشتمها؟ كيف أشتم إمرأة لا أعرفها، ولا علاقة لها بآرائي، ومواقفي؟ ثم إذا كان هذا المخلوق بحاجة إلى أن يشتم أحدٌ أمه، فلماذا لا يتخاصم مع أحد في الشارع، ويتبادل معه الشتائم، ويرتاح؟ فقال صاحبي: مثل هذا الشخص يكون عادة خائفا من الآخرين، ويتجنب المواجهة لأنه لا يريد أن يتلقى لكمات على وجهه، ولا يريد أن يعرف أحد من هو، بل يريد أن يسمع فقط تأكيدا لكون أمه إمرأة سيئة، وبالمناسبة إنه قد يرى أن شهادتك أنت على أن أمه سيئة أهم من شهادة غيرك. رجل في الشارع يقول له "يا ابن كذا وكذا" مصحوبا ببضع لكمات في وجهه، هذا لا يداوي جرحه، بينما كاتب يحترم نفسه ويحترم الآخرين، ويقول له هو "يا ابن كذا". إنك ستمنحه شهادة فخرية. فضحكتُ، وقلت: يعني راحة هذا الشخص أصبحت تتوقف على شهادة زور مني بأن أمه هي سبب تعاسته؟ والله أنا لن أشتم إمرأة حتى لو أساءت إليّ، فكيف أشتم إمرأة لا أعرفها حتى يرتاح شخص سفيه يظن أنها هي سبب كونه من سقط المتاع؟ لن أفعل ذلك، فقال صاحبي: انظر، أنا لا أدعوك إلى شتمها، وإنما أوضح لك سبب المشكلة والعلاج الممكن، فأنت لو، وأقول، لو شتمتَ أمه فإنك في هذه الحالة لا تتعامل مع تلك المرأة التي لا تعرفها، بل مع مرض ابنها. عليك أن تفصل بين الأشياء، فاقطبتُ جبيني، وسألت: كيف؟ فقال:

دعني أوضح لك ذلك بمثال عن قصة معروفة. كان هناك شخص يشكو من أن في بطنه حصانا، فذهب إلى الطبيب، وأخبره بالمشكلة التي يعاني منها جراء رفسات الحصان الذي في بطنه. وشرح له الطبيب أن وجود حصان في بطن الإنسان شيء مستحيل، فتركه وذهب إلى طبيب آخر، وآخر، وآخر، وأخيرا رأى أحد الأطباء أن الرجل بحاجة إلى علاج نفسي، فحوّله إلى أحد المحللين (المعالجين) النفسانيين الأذكياء، وحاول هذا الأخير فهم المشكلة، وأسبابها، لكن عبثا، فالرجل مصر على أن في بطنه حصانا، وأنه يخشى أن تصيب إحدى رفساته قلبه، فتسبب له سكتة قلبية. وعندما شعر المحلل النفساني بالعجز عن اقتلاع الوهم من رأس الرجل قرر أن يحوّله إلى طبيب نفساني في المستشفى (المحلل النفساني يعالج بالمحادثة، بينما الطبيب النفساني هو في الأصل طبيب درس علم النفس، فيعالج بالعقاقير أيضا). فماذا حصل؟ في المستشفى قرروا تشكيل لجنة من الأطباء النفسانيين للنظر في قضية أخينا. ووجد هؤلاء أخيرا حلا، وهو أن يوصوا بإجراء عملية جراحية للرجل، مثلا لاستئصال الزائدة الدودية، وأن يخبروه أنهم سيبحثون عن الحصان في بطنه. وحصل ذلك، وحين أفاق الرجل من التخدير، قالوا له: والله عفارم عليك. كان في بطنك حصان، الحمد لله، بمجرد أن فتحنا بطنك خرج، وهرب. وحين تلمس الرجل جرحه، تنفس الصعداء، وقال: شكرا لكم. الآن أشعر بالراحة، لقد اختفى من بطني. سأنام ملء عيني. لا تعرفون كم أرهقني وجوده في بطني طوال هذا الوقت

 

مجرد قصة رمزية. السؤال هنا هو: هل تعامل أولئك الأطباء مع حصان حقيقي أم مع وهم في رأس الرجل؟ القصة هي نفسها. ذاك الرجل كان يتوهم أن في بطنه حصانا، وهذا يتوهم أن أمه هي سبب معاناته مع عقده. عليك أن تخرج "الحصان" من بطنه، وسيشعر على الفور بالراحة، وتنتهي المشكلة

 

كان صديقي يبتسم، فقلت له: سامحك الله يا صديقي، أنت تمزح. أم أنك تريد مني، بعد هذا العمر، أن أنزل إلى مستوى سفيه مثل هذا الجؤذر الوهابي كي أجعله يرتاح بأن أوافقه زورا وبهتانا على أن أمه هي المذنبة بحقه؟ فقال صاحبي: مرة أخرى لا بد لك أن تفصل الأمور بعضها عن بعض، فالموضوع لا يتعلق بالمستويات، فلا أنت يمكن أن تنزل إلى مستواه مهما قلت له، ولا هو يمكن أن يصعد إلى مستواك، مهما قال لك. الشيء الجيد هنا هو أنه، أو أنهم يثقون بشهادتك مع أنك لستَ لا محللا، ولا طبيبا نفسانيا، ويتوسلون بك أن ترحمهم. إنهم يريدون منك شهادة حسن سلوك بأنهم كانوا سيصبحون صالحين لولا أمهاتهم

 

ضحكتُ، فيما صديقي يربت على كتفي، وقلتُ: هؤلاء لا علاج لهم طالما هناك قرضاوي وعريفي وزمزمي، وعرعور، وكل هذه المزابل من المفتين والشيوخ في جزيرة العرب. ثم قال صاحبي: هناك حتما بديل، وهو أن تتجاهلهم، وتقول لنفسك "لا فائدة من هؤلاء، فلو أخرجت الحصان من بطونهم، فسيحل محله بعير، أو تيس، أو أي شيء آخر"، الأمر متروك لك

 

قلت: نعم، الإنسان وهبه الله الإرادة، وجعله مخيرا، فهناك من يكون مع الحصان فارسا، وهناك من يجعله مرضا في نفسه. وهذا هو الفارق بين أن يكون المرء مسلما، أو يكون وهابيا

 

الوهابية تشن حربا خبيثة على الإسلام، وعلى الأخلاق الإسلامية، ووسيلتها المفضلة هي الإرهاب بكل أشكاله، قطع الرؤوس، تفجير المدارس والمستشفيات، ذبح الأطفال، إصدار الفتاوى الإرهابية، وكذلك استخدام اللغة الهابطة والمنحطة، أو ما يمكن أن نطلق عليه "الإرهاب اللفظي"، لثني الناس عن الكلام، وفضح أمراء الفساد في الأرض. مواجهة الإرهاب الوهابي بكل أشكاله لا تكون بالانزلاق إلى منحدراتها ومستنقعاتها مهما كانت التحليلات، والتفسيرات لانحطاطها. النبي الذي قال "أدبني ربي فأحسن تأديبي" يجب أن يبقى مثلنا الأعلى، نقتدي به، ونسترشد بكل آية نيرة في الكتاب الذي جاء به نورا يضيء الطريق أمامنا. ألا يقول الكتاب المبين {ولا تزر وازرة وزر أخرى}؟ لا، لن نأخذ الأم بجريرة ابن غير صالح. الكتاب كتابنا، ومحمد محمدنا، ولن نسلمهما للأيادي الوهابية الآثمة. نقول عنهم بملء أفواهنا إنهم مجرمون يتحملون مسؤولية جرائمهم، مهما ازدحمت بطونهم بالأحصنة، وبالأباعر، والتيوس. ليبحثوا عن أسباب عقدهم وسفالتهم في جبب شيوخهم، وليس في أمهاتهم

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز