عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
يونس، عليه السلام، في فم الدولفين

هل كان يونس، عليه السلام، صاحبَ أولِ "سيرك مائيّ"؟

 

 {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ }{إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ}{فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ}{فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ }{فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ}{لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}{فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ}{وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ}{ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ}{فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} (الصافات: 139-148)

 ما من نبيٌّ كان يأتي لقومه إلا ومعه آية تمثل معجزة خارقةً تُظهر للناس صدقَ دعواه بأنه مرسل من عند الله تعالى لتبليغهم رسالةَ الدين. فماذا كانت آية يونس، عليه السلام؟

كانت آيته هي "الحوت"، ذلك الحوت الذي التقمه. ونستدل على ذلك بكل بساطة – كيف؟

جاء ذكر يونس في آيات القرآن أربع مرات (النساء: 163؛ الأنعام:86؛  يونس: 98؛ الصافات: 139)، وذكره الله تعالى بكنيته وهي "ذو النون" (الأنبياء: 87)، وذكره بلقبٍ هو: "صاحب الحوت" (القلم:39).

 حسناً، يونسُ هو "ذو النون" من قبل أن أبَقَ إلى الفلك المشحون، فقد ذهب مغاضباً وهو "ذو النون"، أي ذهب على غضبٍ من قومه وهو فيهم "صاحب الحوت". أجل، هو "صاحب الحوت" الحوت نفسه الذي التقمه وهو مُليمٌ، فذلك الحوت هو حوته من قبلُ "فالتقمه الحوت"، فهو حوتٌ معهود له من قبلِ رميِهم له في البحر؛ إذ إن "أل التعريف" هنا تفيد العهدية، أي المعرفة السابقة من خلال وجود علاقةٍ حاصلةٍ معه من قبل. فأيُّ نوعٍ من الحيتان كان حوت يونس، عليه السلام؟

كان حوت يونس الذي هو آية يونس، كان من نوع الدلالفين، وتحديداً، من نوع "الحوت القاتل" killer whale. وقبل أن نتعمق في موضوعنا، فإنه لمن الضروري أن نعرف أن هذا النوع من الدلافين يوصف بالحوت القاتل، وذلك ليس لأنه يقتل الإنسانَ أو يفترسه؛ فالدلافين عموماً صديقة للإنسان، وتحاول إنقاذه من الغرق والعودة به إلى الشواطئ، بل يوصَفُ بالقاتل لأنه مفترس وقاتل لحيوانات بحرية كبيرة، مثل: عجول البحر، وأسود البحر،  والقروش،  بل وبعض الدلافين الأصغر منه. وحتّى الآن فإنه لم يُسجّلْ ضد أفراد دلافين "الحوت القاتل" في بيئتها البحرية الطليقة – لم يُسجّلْ  أيُّ حادث قتل للإنسان، إلا أنه قد جرى بضعة حوادث قتل واعتداء من قبل أفراد من "الحوت القاتل" من تلك المأسورة في البرك المائية المخصصة لاستعراض عالم البحر (السيرك المائي). فماذا عن هذا الدولفين "الحوت القاتل" الذي إذا ما غضب من صاحبه أو مدربه الآسر له حاول أن يؤدبه بالتقامه فيكزكزه أو يضغطه في فمه ثم يرمي به إلى جانب البركة، أو يقضقضه ثم يرمي به غريقاً في الماء؟

 قد يصل بعض أفراده إلى طول نحو عشرة أمتار ووزن عشرة أطنان! وهو قويٌّ جدّاً وتصل سرعته إلى قرابة 55 كيلومتر في الساعة، وفي فمه نحوُ خمسين سنّاً يصل طول الواحد منها نحواً من عشرة سنتيمترات. وهو يعيش في قطعان إما متنقلة وأما مقيمة، ويضم القطيع من نحو عشرة أفراد إلى نحو خمسين فرداً. والحوت القاتل ذكيٌّ بشكل بارز؛ إذ يمتلك دماغاً ضخماً، وهو اجتماعيّ، وله مناوراته، وقابل للتعلم والتدريب للاستعراضات الترفيهية في عروض عوالم البحار، وله لغته، بل وحتّى له "ثقافته" وأخلاقيّاته.

 حسناً، جعل الله تعالى "الحوت القاتل" آيةً ليونس، عليه السلام؛ إذ يبو أنه سبحانه قد سخّر ليونس حوتاً من هذا النوع وعلّمه منطقه ولغته. وأما يونس نفسه فقد درّب ذلك الحوتَ، وعلّمه أن يحشرَ على شواطئ قومه كميّات كبيرة من الأسماك ليصطادوا منها بمقدار وتكرار وأصنافٍ لم يعهدوها من قبل، وربما باجتذابه- أي الحوت نفسه-  قطيعاً آخر من الحيتان القاتلة ليساعده في تجميعها من عرض البحر، محاصرةً لها كما تفعل هي بطبيعتها؛ إذ المهم أن ذلك الحوت كان يأتمر بأمر يونس، وربما كان يقوم يونس بجعله يؤدّي أمام قومه حركاتٍ استعراضيةً عجيبةً.

 ويبدو أنه عندما أبَق يونس إلى الفلك المشحون، هرب من قومه إلى السفينة المكتظة ركاباً وبضائع؛ لا يريد أن يواصل دعوته بينهم، واشترك مساهماً في القرعة للتخلص من الراكب الزائد عن الحمولة، ورموْه في البحر بعد أن وقعت عليه القرعة عدداً من المرات – يبدو أن "الحوت القاتل" صديقه قد كان متابعاً للسفينةِ بأمر من يونس نفسه، وما أن رمى أصحابُها بيونس في البحر حتّى التقمه حوته هذا في فمه، وكان هو الآخرُ مغاضباً مثله؛ إذ أدرك أن صاحبه يونس سيبعده عن موطنه وبيئته وقطيعه، فكاد أن يضغط عليه في فمه، أو أخذ يكزكزه بلطف كأنه ينوي قضقضته، فأدرك يونس، عليه السلام، أنه قد اقترب عذابه وهلاكه، فأخذ بالتسبيح داعياً الله تعالى بالنجاة، فجاء أمر الله تعالى للحوت أن يقذف به إلى الشاطئ في العراء:{فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ}{لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}. وبهذا يكون قد حصل ليونس وحصل من يونس، كما حصل لقومه وما حصل من قومه: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} (يونس: 98) - فماذا حصل؟

 ظهرت لهم بوادر العذاب فتابوا فكشفه الله عنهم، وكذلك فإن يونس قد شاهد بدايات العذاب وبدأت تحيط به عوامل الهلاك إما في بطن الحوت أو بطن البحر،  فأخذ بالتسبيح تائباً فنجاه الله من الهلاك، فلم يبتلعه الحوتُ الذي هو صديقه في بطنه، ولم يُغرقْه في بطن البحر، بل قذف به إلى الشاطئ فتداركتْه رحمة الله تعالى فنجا من الهضمِ والغمِّ واليمِّ.

{وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ}{فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} (الأنبياء:87-88)

{فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ}{لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ}{ فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} (القلم: 49-51)

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز