يوسف عادل
hdsaout@yahoo.fr
Blog Contributor since:
31 December 2013



Arab Times Blogs
قراءة في أحداث مزاب – الجزائر- (2)

الحلقة الثانية

يسترسل أبو حمادة في حديثه و يقول :

لقد اتّسع نطاق الاعتداء في الفتنة هذه، بشكل غير مسبوق تماما : تمّ الاتّفاق على توقيت البدء فيه مسبقا، وتمّ التحضير له في ميادين المواجهات، وفي الإعلام المكتوب والمرئي، بعد أن اكتسب المعتدون خبرة من الاعتداءات السابقة، وزادت جرأتهم، لأنّ العدالة لم تقتصّ منهم، ولأنّهم لا يعدمون رجالا من قوّات الأمن يقفون إلى جانبهم، ويحمونهم، فطوّروا من أدائهم، فخطّطوا ونفّذوا؛ وأَخذت فُجاءة الأحداث المزابيّين -ككلّ مرّة- لأنّهم أحسنوا الظنّ بدولتهم ممثّلة في شخص الوزير الأوّل، ووثقوا بقوّات الدرك الوطنّي التي أعادت الأمن إلى غرداية، وغادرها بعد خروجها، فتضرّروا.

لقد كان الضرر كبيرا وواسعا سعة الرقعة الجغرافية التي طالتها الاعتداءات، وبلغ الاعتداء مداه بسفك دم الفقيد قبايلي بلحاج (كُتبت قبل وفاة الضحية الثانية : المزابي الحاج سعيد خالد)، ليلتحق بقائمة شهداء هذه الأحداث المتكرّرة، من شقبقب قاسم سنة 1985، إلى عبد الرحماني محمد سنة 2013؛ -فكان على قوّات الدرك الوطنيّ أن تعود بأعداد كبيرة ليستتبّ الأمن من جديد، فلفّ ويلفّ غرداية اليوم هدوء حذر، وحالة ترقّب وتوجّس، رافقه شلل كبير في الحياة اليومية للمواطن.

وما زال السؤال معلّقا يبحث عن جواب: من المعتدي ومن المعتدى عليه؟ وهو سؤال لا يشبهه سوى سؤال العشرية السوداء من يقتل من في الجزائر؟ ذلك السؤال الذي استنامت له شريحة واسعة من الشعب الجزائريّ، لأنّه لا يكلّفها بعده سوى التوقّف، والاكتفاء بدور المتفرّج، إذ كيف يعقل أن أواجه عدوّا لا أعرف من يكون؟ وكيف اليوم أقتصّ من المعتدي إذا لم أعيّنه، أو لم أشأ أن أعيّنه؟

وما زالت نفس الأسباب تُجْتَرُّ بالرغم من تحدّيها لأبسط قواعد المنطق والتفكير السليم: فمن ضيق أحياء المالكية، إلى التفاوت في المستوى الاجتماعي بين الطرفين، إلى فزّاعة كمال فخّار، وأنصار حزب الأفافاس في غرداية ....إلخ. هل يعقل أن تكون هذه هي الأسباب الحقيقية للأحداث؟ أم غاب العقل -على كثرة عقلاء الجزائر- في الجزائر؟

وما زال صمت علماء غرداية ومثقّفيها يصمّ الآذان في شأن المنكرات التي اقترفها أبناؤهم وإخوانهم، وإن كنّا نتفهّمه من بعضهم، كتفهمّنا لجواب السيّد بن بيتور عندما طُلب منه أن يذكر لفظة من اللغة المزابية، فأجاب بأنّه لا يعرف.

وما زالت الدولة مصرّة على عدم وجود تحيّز لأجهزة أمنها في معالجة أزمة غرداية، والصور والفيديوهات أكثر من أن تحصى، في الأحداث السابقة، وفي هذه الفتنة الكبرى أيضا، وذلك قبل تدخّل قوّات الدرك الوطني التي جاءت من خارج ولاية غرداية.

إنّ المزابيّين لم يطالبوا بأكثر من إجراء تحقيقات عادلة ونزيهة للاقتصاص من المعتدين، فهل موت مواطن جزائريّ مزابيّ في هذه الفتنة الكبرى سيحرّك الضمائر على جميع المستويات، للاقتصاص من قاتله؟ بعدما مرّت كلّ جرائم القتل الماضية في حقّ المزابيّين بدون عقاب، مع الإقرار أنّ الوقت ما زال مبكّرا للحكم على مآل جريمة أحداث القرارة.

إنّ السيّد كمال فخّار مواطن جزائريّ مزابيّ، ينتمي إلى حزب الأفافاس، ومناضل حقوقيّ، لم يقدّم نفسه يوما كممثّل للمزابيّين أو الإباضية، ولم يخف يوما معارضته للمجالس العرفية بمزاب، فكيف يمكن أن تكون آراؤه وآراء مناصريه ملزمة للمزابيّين جميعهم؟ وإذا كانت الأحداث بسبب منه، ومن مواقفه، فلماذا طالت أحياء لا نصير له بها؟

إنّها فزّاعة استعملها المعتدون، وبعض المسؤولين، ولا ندري من تابع من في ذلك؟ وانتهى الأمر بالبعض إلى اتّهام مزاب بمحاولة الالتحاق بالحركة الانفصالية التي يتزعّمها فرحات مهنّي، ولم يجرؤ مزابيّ من ذوي الأقلام الرصينة على ربط الأحداث بأحد أبناء ثنية المخزن، وهو الإرهابي بلمختار، لعدم وجود دليل قاطع بذلك، بالرغم من وجود أدلّة سمعية على مناداة المعتدين باسم بلمختار هذا، في أحداث القرارة على الأقلّ، وهي بعيدة عن ثنية المخزن، فكيف بمسقط رأسه غرداية.

ولا جدال في أنّ كمال فخّار أبعد ما يكون من بلمختار في محاولة زعزعة استقرار الوطن، وضرب السيادة الوطنية؛ وإذا كان كمال فخّار يقدّم تصريحاته على الملإ، صوتا وصورة، وباسمه الصريح، فالآخر ينتهج سبيل الغدر، وهو سبيل لا يبعد كثيرا عن نهج المعتدين في هذه الأحداث المتكرّرة؛ وما أسهل أن يربط هواة التفكير التآمري بين الفتنة الكبرى وسوابقها والذكرى السنوية لأحداث "تقنتورين" المؤسفة.

إنّ الكثير من المزابيّين -حتّى لا أعمّم- تحت تأثير هذه الاعتداءات التي لا يفهمون سببا منطقيّا لها، يتفهّمون موقف كمال فخّار، ولكن لا يوافقونه في المدى الذي بلغته تصريحاته، وذلك في تعميم نقمته على العرب جميعا، وفي انعدام ثقته جملة وتفصيلا في الدولة الجزائريّة، ممّا يدفعه إلى تدويل القضيّة؛ لأنّ تعميم الحكم خطأ في حدّ ذاته، ويعرفون الكثير من أبناء غرداية من المالكية والعرب يستنكرون هذه الأعمال ولكن بقلوبهم، وفي الأحاديث الشخصية، لأنّهم لا يملكون القوّة للصدع بالحقّ الذي يعتقدونه في وجه المعتدين المتنمّرين عليهم، وعلى المزابيّين؛ كما أنّ المزابيّين لاحظوا ويلاحظون في خصوص قوّات الأمن أن ليس كلّ الشرطة، وكلّ رجال الدرك، كانوا منحازين للمعتدين، وإنّما البعض منهم، غير أنّ عددهم كان كافيا لإكساب المعتدين قوّة وحماية، وكلُّ ما يأملونه هو تطهير صفوف أجهزة الأمن من العناصر التي خانت أمانة مهنتها.

وهؤلاء المزابيون أنفسهم اليوم لا يفهمون ولا يتفهّمون دعوة الوزير الأوّل عبد المالك سلاّل إلى طيّ ملفّ أحداث غرداية، لا لشيء إلاّ لأنّه رجل لا ينظر إلى الخلف وإلى الماضي، وإنّما ينظر إلى المستقبل، وإلى الأمام. فهل يعقل أن يتلفّظ بمثل هذا الكلام إنسان يحترم إنسانيته، لأناس ما زالت جراحهم دامية، لأنّها بليغة ومتكرّرة، ولا يدرون ما ذنبهم في حصولها؟ فكيف بوزير أوّل كان أملَهم، وطوقَ نجاتهم، فخذلهم، لأنّه كان مسرعا لموعد الرئاسيات، فلم يرد التوقّف إلاّ للحظات معدودة، منحهم فيها وَهْمًا، وثقوا فيه، كيف لا وهو صادر عن الوزير الأوّل، فإذا الأوضاع تنفجر بعد أيّام معدودة بشكل غير مسبوق، وتكون بعدها الكارثة. فماذا تراه يفعل اليوم؟

إنّها صور كثيرة من الانحطاط الأخلاقيّ والدينيّ والإنسانيّ، ليس في مستوى الفرد، فهو أمر مألوف حتّى في أرقى المجتمعات، وإنّما ارتقى إلى مستوى الجماعة، وهو ما يستعصي على العقل الرصين استيعابه وفهمه، وهو ما ينبئ بكارثة حقيقية، فهل سأكتب في وقت قريب أو بعيد من حيث كوني مزابيّا: أهي بداية النهاية لوجودي؟ ومن حيث كوني جزائريّا: أهي لحظة سقوط الوطن؟ ومن حيث كوني مسلما: أهو قيام الساعة؟ وذلك عند بداية تصفية المجتمع الذي قال عنه وزير الشؤون الدينيّة في براغ : «إذا أردتم أن تروا الإسلام الحقيقي في مستوى المجتمع، فتعالوا إلى غرداية».

أسئلة كثيرة معلّقة، وأوضاع تستعصي على الفهم والتعقّل، ومصير كارثيّ مرتقب، لا أملك أن أقول إزاءه إلاّ ما قاله الشاعر الأمازيغي الكبير، الأستاذ عبد الوهاب فخّار: لم أفهم؟؟!! لا أفهم؟؟!!

غرداية  يوم الأربعاء  22 جانفي 2014، في لحظات دفن فقيدنا وفقيد الجزائر قبايلي بلحاج (مع ملاحظة أنّ لقبه يحمل بعدا وطنيّا)،

رحمه وأسكنه فسيح جنانه، وإليه أهدي هذه المذكرة.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز