أيت مهدي عثمان
eloustadhothmane@gmail.com
Blog Contributor since:
15 October 2013

 More articles 


Arab Times Blogs
الزحف على البطن


أصارح الجميع أنّني فكرت مليّا في هذا الموضوع قبل الشروع في كتابته. فكرت في تبعاته وعواقبه، فيما يصدر من القراء من شتم وقذف، ومن دعاء المصلحين لي بالهداية، والرجوع إلى سواء السبيل. لكن، تصميمي كان أقوى، ورغبتي في مشاركة أحبّائي وخلاني في دواليب السلطة تحضنني إليها وتعانقني عناق الصبي لأمه، لا أرى إلا مكاني بينهم مختالا فخورا، ولا أتكلم إلا بحديثهم جمالا في التعبير وطلاقة في اللسان وحسنا في البديهة، ولا أحيا أيّامي إلا تعلقا وإعجابا بهم.

قد تتساءلون عمّا أفكر فيه وأسعى جاهدا إليه، إنّه الكرسي الفخم، الوفير، في القاعة الواسعة، ذات النوافذ المغلقة والضوء الباهت، ذات المكتب الكبير والهواتف الرنانة والملفات المكدسة والأقلام الجميلة، قاعة ذات باب من حديد تفتح بزر من مكان جلوسي، أستدعي كتّابي ومستشاري، ونوابي بلمسة خفيفة على هاتفي، حبيبي ورفيقي الجالس بجانبي فوق المكتب. أقضي أوقات فراغي في الاتصال بزملائي في الدواوين والوزارات، أستفسر وأنبّش عن كلّ صغيرة وكبيرة، فأتوقف عندها بالتحليل والدراسة.

الطموح شرعي لكلّ شخص يعرف طريق تسلق المناصب، يحدد الهدف، يضع الخطة ويتخذ الأسباب للوصول إلى المبتغى. لا أخفي على أحد مدى تعلقي بمنصب الوزير، وعلى أقل تقدير مدير عام بالوزارة أو رئيس ديوان أو مدير معهد كبير. لا أرى في نفسي ما يجعلني دون هؤلاء المتسلقين جميعا، من مؤهلات ومواصفات. أنا حامل لشهادة عليا، خريج جامعة، متملق، صارم، اجتماعي، منغلق على نفسه، أحسن تصيد الفرص، عطوف، عنيف، ليّن، شديد، ولا أزيد أكثر، فأنا من يصلح للقاعة الكبيرة والمكتب الفخم والهاتف الرنان.

لقد أبعدت الغضب على مسؤولي المباشر وغير المباشر، وأزلت عنهم كلّ الشكوك التي قد تنتابهم، أحيانا، من حركاتي واتصالاتي. أبادرهم إلى التحية، أبتسم في وجوههم، أفتح لهم باب مكتبهم، أحمي ظهورهم من كلّ خيانة أو خديعة. إنّهم أولياء نعمتي، وأسيادي وفق السلم الإداري، ولا يهمّ إن كنت أنا عتبة مكتب سيّدي، أو بساط قاعته، أو درجة في سلم طابقه العلوي. لكن، بالمقابل، أنا صارم جدّا مع نوّابي وكتّابي وآخرين دوني، الويل لمن يجرؤ على مخالفة أمري، أو المشاركة في دسيسة خلف مكتبي. أنّا ربّ المستضعفين الذين إنْ تهاونت في تأديبهم استأسدوا واستغولوا عليّ وعلى أسيادي. لا أكلمهم إلا بأوامر يجب تنفيذها، ولا أبادلهم التحية خشية التقرب من شخصي، ولا أبتسم في وجه أحدهم خوفا من الطمع في إنسانيتي. أمّا المتملقون والمتزلفون مثلي، الزاحفون على بطونهم رغبة في تسلق المناصب، فلا بأس من تكليفهم بمهام التنصت، والنبش في أعماق كلّ من تراوده نفسه شرّا بي أو بأسيادي.

لقد نسيت أحبائي أن أشيرَ إلى انخراطي في حزب الحاكم بإذنه، واضع هذه الإيديولوجية، المخطط للاستلاء على كلّ المناصب العليا في الدولة، المربي على سلوك: شدّة على الضعفاء ورقّة على الأقوياء، المكوّن لإطارات الغد، المعلم لغة الخشب، والداعي إلى الإيمان العميق بالرئيس الواحد الأحد.

وفي انتظار اتصال سيدي ووليّ نعمتي بي، واقتراحه لمنصب عال لي، قررت أن أقتني ملابس تليق بمقامي وربطة عنق تميّزني عن عوام الناس، وحلق شاربي لأبدو شابا أنيقا، ثمّ آليت على نفسي أن أصبح خادما طيّعا لأسيادي في جمهورية الفساد وبيع الضمائر وقتل المواهب وتقزيم الشرفاء ومحاربة الأخلاق والقيم؟ وهذا هو عهدي بهم، وما أنا إلا من غزية إنْ غوت غويت.

عثمان أيت مهدي

09/01/2014







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز