عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
بين النون والنور

 

"ن" بين النون والنور!

 

"بسم الله الرحمن الرحيم"

{نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}{مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}{وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ}{وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}{فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ}{بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ}{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ}" (القلم: 1-7) ...

 فما هي "ن"؟... فما هو أمر هذا الحرف الذي في "ن"؟ هل له من تقديرٍ يُرضي مَن يريدُ فهماً، أو أن يكون على نورٍ من أمره؟

  ربما من الرشاد أن ننقلك إلى الجواب قبل الشروح  ذاتِ التطويل وإلإطناب. ألا إنه هو هذا القسم: "والنورِ".

 

 يبدو من سياقِ الآياتِ في بداية سورة القلم أنَّ اللهَ تعالى يريدُ أنْ يسرّيَ عن رسولِهِ ويثبّته، يريدُه أنْ لا يعتريَه أي اشتباه من نفسه في نفسه، وأنْ لا يعبأ بتأخر أو قلّةِ استجابةِ قومِهِ للإيمان به رسولاً، وبما أُوحيَ إليه تنزيلاً. يريدُ الله تعالى من رسوله الكريم أن يكون ليس أولَ المؤمنين بنفسه فحسبُ، بل أن يكون أعظم الناس إيماناً بأنه رسولٌ حقٌّ، وأن الكتاب الذي يوحى إليه هو الآخرُ حقٌّ مبينٌ،  وما عليه به إلا البلاغ، وأن يستيقنَ أنه لا ريْبَ فيه، وأنه نِعم البرهانُ،  ونعمَ السلطانُ، ليكونَ آيةً دالّةً على صدقه.

نعودُ للسؤالِ: ما هي "؟

فَلْننظُرْ في الآيةَ الثانية: "ما أنتَ بنعمة ربِّك بمجنونٍ"؛  فلقد جاءت "ما النافية" بدايةً لها. وفي هذه الآيةِ الثانية نفسِها يوجدُ خطابٌ للرسولِ عليْهِ السلامُ: "ما أنتَ ...".

فكيفَ تأتي "ما النافيةُ" في حالةِ الخطابِ؟

ما الذي يسبقُ "ما النافيةَ" في  حالةِ الخطابِ؟

 

 تأتي "ما النافيةُ" في حالةِ الخطابِ منعقدةً معَ النداءِ أوْ معَ القسمِ، أيِ العادةُ هيَ أن  يسبقَ" ما النافية" في حالةِ الخطابِ:

(1)  إمّا نداءُ المنادى الذي تتمُّ مخاطبتُهُ: "يا أختَ هارونَ ما كانَ أبوكِ امْرَََ سَوْءٍ وما كانتْ أُمُّكِ بَغِيّا") مريم: 28).

(2) وإمّا قسَمٌ يقوّي النفيَ ويعزّزُ الطلبَ، أوْ يؤكِّدُ موضوعَ الإخبارِ، أوْ ليثيرَ الاهتمامَ  في نفسِ المخاطَبِ: "واللهِ ربِّنا ما كنّا مشركين" (الأنعام: 32) ،.. "قالوا تاللهِ لقدْ علمتم: ما جِئْنا لِنُفسِدَ في الأرضِ وما كنّا سارقينَ" (يوسف: 73).

 والاحتمالِ أنْ تكونَ "ن" هيَ المنادى، وذلك من خلال أن قراءة الحرف "ن" هي هكذا: "نون" قد تخلق انطباعاً أو إدراكاً بأنه اسم، ومعناه الحوت، هو احتمال لا يجد ما يجعله على قرار مكين أو أنه قائم على أساسٍ متين. ولو قبلنا بأن "ن" هي الحرف الأول من "نون" بمعنى: الحوت، أو حتّى بمعنى: الدواة، أي وعاء الحبر، فإنه لا يكون من المستساغ ولا بحالٍ أن نقدر أن "ن" في الآية هي الحرف الأول من كلمة "نون"، وأن نجعلها في محل منادى: "نونُ"؛ إذ يكون المنادى في هذه الحالة هو الرسول، عليه السلام. ومن المعروف أنه لم يرد عنه أنه قد قال بالنون اسماً من أسمائه.

وبالذهاب إلى أنه قد سبقَ النفيَ: "ما أنت بنعمة ربك بمجنون" قد سبقه "ن" وقسمانِ هما "والقلم وما يسطرون"، فيبقى أحتمال تقدير "ن" بقسَمٍ هو الأجدرَ بالاتباع. فأي كلمة هي التي جاءت "ن" اختصاراً لها؟

في الآية الأولى حاضنةِ "ن" جاء ذكر القلم والسَّطْرِ. فهل يسطُر القلمُ أيَّ كتابةٍ سليمةٍ من غير نور؟  هل يقرأ الناس ما يسطُرُ القلمُ بالمدادِ من غير نور؟

وماذا عن قول الله تعالى: "فستبصر ويبصرون"؟ فهل يكون الإبصار المعهود بغير نور؟ وهل هناك مهتدون إلا أن يكون النور موجوداً يبصرون به؟

ألا يكون نفي الجنون عن الرسول مسبوقاً  بالأقسام من الله تعالى ومتلبساً بذكر نعمة الله تعالى – ألا يكون مجلّياً للحقِّ؟  وهل يتجلّى الحقُّ للبصر والبصيرة من غير نور؟

 

وهكذا، فإن سياق بدايات السورة وغايتها والقرائن الصريحة والضمنية، كلها مما يذكِّر بالنور، ولذلك فإن "والنور" هو التقدير الذي أراه يكتسب من المعقوليّةً قدراً يجعله ذا وجهٍ مقبول مرحبٍ به. وما من كتابٍ منزلٍ من عند الله تعالى إلا وهو هدىً وحقٌّ ونور.

وتفسيراً، لا تلاوةً، مع قول الله تعالى:{ ن (والنورِ) والقلمِ وما يسطُرونَ.  ما أنتَ بنعمةِ ربّك بمجنونٍ".

 

  وربما يرى البعض أن نقدرَ "ن" من كلمة "نور" من غير "أل التعريف" – أي هكذا : (نورُ) معتبرين أنها لقبٌ من ألقاب الرسول، عليه السلام، أو اسمٌ له، فنوديَ به؛ فتفسيراً لا تلاوة:" (نورُ ) والقلمِ وما يسطرونَ. ما أنتَ بنعمةِ ربّكَ بمجنون"؛ فالرسول الكريم هو سراجٌ منيرٌ، وهونورٌ:

"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (المائدة:15)

 

وقد يحلو للبعض أن يذهب إلى تقدير النون من قسَمٍ هو: "والنونِ"، من خلال تبريراتٍ أرى أن منها:

1-   أن النون اسم آخر للحوت، وأن في ذكره تذكيراً لطيفاً ورقيقاً للرسول، عليه السلام، بأن لا يكون كصاحب الحوت إذ ذهب مغاضباً، أي إنه تذكير له أن يصبرَ ليكون من أولي العزم من الرسل. وقد جاء في أواخر سورة القلم نفسها حديث عن ذي النون، يونس، عليه السلام: " {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ}{فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ}{لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ}{ فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ}{وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ}{وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} (القلم: 48-52)

2-    أن النون هو الحرف الوحيد في الأبجديّة العربيّة الذي لاسمِه معنى في لغة العرب: (الحوت، الدَّواة أي وعاء الحبر، غمّازة الخد أي نقرةٌ فيه، والكلام الصائب). فالقسَم به هو في الواقع إشارة إلى القسمِ باللسان العربيّ.

3-    وأن حرف النون يدخل في لفظ كلِّ الحروف الأخرى، وذلك في حالة أن تكون تلك الحروف في أواخر الكلمات وتأتي منوّنةً، تنوينَ كسرٍ، أو فتحٍ، أو ضمٍّ.

4-      أن النون كاسمٍ للدَّواة، وهي وعاء الحبر والمداد، ينسجم مع الحديث عن القلم والكتابة.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز