سيلوس العراقي
saggio2007@hotmail.com
Blog Contributor since:
08 January 2014



Arab Times Blogs
مَن منّا غير مصاب بداء العـنصرية

من منّا لا يأوي في فكره أو في قلبه وحش العنصرية أو التمييز العرقي أو الديني أو غيرها (إن كان هذا الوحش صغيرا أو كبيراً) ؟ من منّا براء منه ؟

ربما نسبة وقوة ونوعية التمييز التي يختزنها كل منّا من هذا الداء تختلف من فردٍ لآخرعلى وجه هذه البسيطة، تخفت أو ترتفع باختلاف الفرد وبحسب البيئة والمحيط والجماعة أو المجتمع أو الظروف .

لكن هل يجرؤ أحد بالقول بطهارته من أي شكل من أشكال التمييز إن كان فكرياً أو عملياً وحتى يومياً ، من دون أي مبالغة ؟

ان هذا التساؤلَ مدخلٌ ليس الاّ ، انه ليس لبحث في أشكال العنصرية والتمييز العنصري أو العرقي أو المذهبي والديني . انه مدخل لسماع صوت شخص ممن عانوا وتشردوا وتألموا بسبب كارثة داء التمييز العرقي ـ الرازيزمو .

انه صوت اسحاق باشيفيس سنجر. الذي ولد في بولونيا في 21 نوفمبر 1902. باشيفيس هو أسم والدته الذي أضافه الى اسمه : باشيفيس بلغة يهود اوربا ( اييديش ) المرادف للاسم العبري ( باتشباع ).

جده كان رابيا (حسّيد) ، ووالده كان رابياً وقاضياً.

شهد اسحاق سنجر منذ صغره المعاناة والمعاملة القاسية التي تعرض لها شعبه اليهودي في بولونيا ، حيث شهد احتراق المدرسة اليهودية (يشيفا) التي كان يديرها والده . وشهد فيما بعد تنامي العداء والتمييز النازيين ضد اليهود الذي ابتدأ في المانيا ، وظهرت أشباحه المريعة في بولونيا وغيرها من بلدان اوربا منذ عشرينات وثلاثينات القرن العشرين.

إن هذا التمييز كان دائماً ضد اليهود ولعشرات القرون في اوربا لكنه كان يخفت مرة ويختفي (لكن لا يزول) ويلتهب في أحيان أخرى.

هاجر أو بشكل أكثر دقة ، هرب في عام 1935 من فرسافيا ـ بولونيا الى الولايات المتحدة الاميريكية.

تعبّر مقالاته ورواياته وقصصه عن عالمه الذي هجره مضطراً في ثلاثينات القرن الماضي . كتبها بلغة الييديش، اللغة التي كان يجديها بشكل تام ، اللغة التي يقول فيها : انها لغة والديّ ، لغة الشعب الذي أُصوّره وأُعبّر عنه في كتاباتي .

فيحسّ القاريء لكتاباته كأنه يقرأ (بل يسمع) أصواتاً من مستندات توثق واقع العبرانيين (اليهود) الذين تعرضوا لعمليات التمييز العرقي والديني والاضطهاد والابادة الوحشية والمتوحشة.

إن العنصرية أو التمييز العنصري (الرازيزمو)، بحسب سنجر " لا يمكن القضاء عليها نهائياً. إن حالها كحال الجشع والحسد والغيرة، انها شر يولد مع الانسان الذي يعيش مع الانسان الآخر. يتوهم البعض بأنه يمكن القضاء على العنصرية بواسطة الخطب والمواعظ أو بوسائل أخرى من ضمنها العنف ".

نعم انه لا يمكن القضاء عليها ، " لكن يمكن تخفيفها . يمكن الاستغناء عنها بوضعها جانباً ، لكنها تبقى تحيا في داخل الانسان" حتى وإن توقفت قليلا عن النمو، لكنها تبقى . "إن للعنصرية قابلية التخفي ، فتختفي في أي حيز أو مكان داخلي"  داخل الانسان ، "كما في داخل أي شيء".

من عانى الاضطهاد والمحارق النازية والفاشية "لا يمكن له ألا يتذكرها دائماً . خاصة حين يتم اضطهادك وتعريض حياتك للخطر أو الدعوة لقتلك وموتك فقط لكونك يهودياً ".

و"يبدو أن العنصرية والاضطهاد والقتل على الهوية وعلى الاثنية وغيرها من أسباب التمييز المختلفة ستجد لها مكاناً دائماً وفي أي وقت . فانها لم تتوقف في أي مرحلة من مراحل التاريخ البشري .

فمالذي سيدعوها ويجبرها على التوقف اليوم مثلاً ؟

أليس الشرق الأوسط دليل واضح على استمرارية التمييز العنصري بأشكاله وأخواته من الكراهية وروح الانتقام والدعوة الى قتل الآخر المختلف ؟

ألم يقم الخميني حينما استلم السلطة في ايران (وأتباعه من بعده) بقتل واضطهاد المختلفين عنه (أو عنهم ) اثنيا ومذهبيا وفكريا ؟

ألم يقم بذلك حكم البعث بفرعيه العراقي والسوري ( الذي لايزال وبنجاح ساحق منذ عدة سنوات في المجازر الدموية والتطهيرية) ؟

وفي عراق اليوم أليست دوافع القتل والمجازر بين أبناء الوطن الواحد مستمرة لأسباب تعتبر العنصرية والتمييز العنصري بأشكاله وألوانه المختلفة على رأس الأسباب ؟ 

 بالعودة الى سنجر، وفي معرض رده على احدى الأسئلة في مقابلة خاصة  أجراها معه لوتشانو سيمونيللي في حزيران 1979 بعد أشهر من نيله جائزة نوبل للآداب ـ نشرها في كتاب يحوي كافة لقاءاته مع شخصيات من القرن العشرين.

يقول اسحاق سنجر يمكنني أن أوصي الآخرين وأوصي نفسي بالعودة الى الوصايا العشرة ومحاولة تطبيقها لو كان ذلك ممكناً . لأنها الحكمة الوحيدة التي يمكنها أن تجد الانسان في المكان الذي يجب أن يكون فيه. والذي كتب الوصايا العشرة كتبها ليعطينا قليلا من الحكمة ، لكنه للأسف لم يفلح بذلك بعد .

وبالرد على سبب ذلك يجيب : لأن البشر يرفضون اتباع الوصايا العشرة لأنهم قليلي الايمان ، لأنها كانت هي التي فرضت الحدود على الانسان (المحدود). اذن من دون الايمان ومن دون الحدود فان الجنس البشري يتجه نحو الحروب ، وسيأتي اليوم الذي سيعترف به بكل أخطائه.. إنّ على كل مرء أن يقتنع بأن الحكمة توجد في أخلاقيات (moralità ) أخرى ، في القيم الأخلاقية العليا ، مع صعوبة ذلك. وذلك صعب عليّ أيضاً. لكنني شخصياً ألتزم بوصايا : عدم القتل ، عدم السرقة، وعدم تدنيس اسم الرب، لكنني أحب أن اؤكد على صعوبة الالتزام الشامل بكل الوصايا.

يمكننا كبشر التعلّم ،  بكل تأكيد من أخطاء الهولوكوست (مثلا)  والمجازر (وكل الافعال الشريرة) . لكن المشكلة تكمن في أننا ننسى. والانسان لم يتعلم أن يتذكر مشاعره وعواطفه ، وخوفي هو أنه لن يتمكن من ذلك أبداً.

ان الانسان هو مخلوق كفوء وطموح  جداً ، ولا يفكر بالاكتفاء ، ولا يفكر بأن يرتاح . إنه أكثر المخلوقات قلقاً واضطراباً ، وكلما يزداد ما نسميه تطورا أو  تمدناً ،  يزداد قلق الانسان.

وعن نفسه يحدّث سنجر : أحب أن أكون أكثر كرماً وأفكر في الآخر أكثر وبنفسي أقل . لست طموحا بشكل غير اعتيادي أو خاص، لكنني بالنتيجة أجد بأنني أصرف جزءا كبيراً من وقتي في التفكير بنفسي . وأحياناً أسأل نفسي، لماذا يحدث هذا ؟ لماذا لست محباً كثيراً للغير ؟ للأسف فان لحب الذات طاقة هائلة ، كالعنصرية والتمييز العنصري ، انه واحد من الاشياء التي من المستحيل تدميرها أو القضاء عليها. 

انني واثق بأن الانسان حين يصل الى لحظة مماته ، فالأنانية (حب الذات) هي آخر شيء يموت معه.

 

وأخيراً مات اسحاق سنجر في 24 تموز 1991 في فلوريدا ـ أميريكا







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز