عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
اضحك مع عجائز الخليل

جاء من يعرفُك يا بلّوط !

 

 صدقاً، في قناطر الخليل العتيقة، وذلك من سنين وسنين، أيام بواكير الكهولة، صادفت (طبعاً، أنا  ولحيتي) عجوزاً سافرة الوجه حدباء تمشي كأنها من الراكعين، من بقايا ذوات "اليمانيّات والدُّرّاعات"، يبدو أنها تجاوزت التسعين عاماً بتسع سنين. فما أن رأتني عن بعد ثلاثين متراً أو تزيد، حتّى سارعت تغطّي وجهها باليمانيّة (وهو خمار شبه شفاف)!..

 حقّاً، إنها قد أدهشتني وهزهزت لحيتي!..

 اقتربتُ منها على حذر، وحييتُها بصوت جهوريّ: السلام عليكم يا حجَِّة!.. كِيفْ إنتِ يا خْتيارة يا ستّي، الله يخلّينا إيّاكِ؟!..

قالت:  يُوهْ يَخي، مِنّين إنتِ بْتِعرفْني عَشانْ تحكي معي مِنِ البابْ للّطاْءة!..

فقلت لها: أنا عبد الله يا حجّة، بِدّي أسألك هالسؤال: مشْ إنتِ بتِعرفي إنّو الدين سامحْ لَلعجايز ما يْغطُوشْ إوْجــــــوهُمْ؟!..

فقالت: يُوهْ يخّي، أٌإن سمحَ الدين، الوَحْدة ولوْ كان عُمرْها ألف سنة لازم تحتاط بَلاشْ يِِِلائيها واحَدْ أليلْ دين، وِيْبَصبص عليها!

 {{أجل، كان الحياء في عجائز الخليل "جينات" تربويّة!.. فكنّ يحتطنْ من بصبصة "قليل الدين"، ولو تجاوزنَ التسعين! وما أظنّ أن تلك العجوز قد حسبتني هكذا؛ فقد شكرتني ودعت لي أن يرزقني الله بأربع زوجات!

 وأما اليوم فـقد أصبحت "قلة الدين" تاج المظاهر الحضارية!}}

 

كرسيه بجانب كرسي الدكتور!..

 

 دخلت عجوز خليلية بيتاً في حارة أخرى تريد أن تخطب لابنها الآذن المراسل في دائرة الصحة، رحبت بها أم البنت تقول: حلّت علينا البركات، نوّرتِ الدار يا ست الستات .. الخ.

ثم سألتها: ماذا يشتغل ابنك؟ ..

العجوز: في دائرة الصحة!

أم البنت: أدكتور هو؟ العجوز: لا!

أممرض هو؟ ..

العجوز: لا!

أكاتب هو؟

العجوز: لا.

أم البنت: فماذا يعمل يا حجة؟

العجوز: يضع كرسيّه بجانب كرسيِّ الدكتور!

 {{أجل، فالعربيّ يحبُّ "الكَبرةَ" ولو على خازوق!}}

 

ومن "أشطر" منهن حساباً في صرف القروش!؟

 

 كانت عجائز الخليل من قبل نصف قرن يلبسن "الدراريع" ويختمرن باليمانيّات، واليمانية خمار شبه شفاف لا يسمح بالتعرف على وجه المرأة وتمييزها من غيرها، وإن كانت هي ترى من خلالها.

في بداية  الخمسينيّات كان حي "عين سارة" وهو أرقى أحياء الخليل في يومنا – حيث تجاوزتْ "شهرة المحل – أي خلوُّ الرجل" ربع المليون دينار -  كان هذا الحيُّ من مناطق الكروم التي يصيّف فيها الخلايلة لأغراض وأغراض، وتوفيراً للعجين بأكل التين!.. وكان هناك باص واحد يعمل في موسم الصيف وسائقه ملقّبُ بالدعّاس، وكانت الأجرة يومئذ تعريفة، أي نصف قرش أردنيّ!.. وذات مشوارٍ ركبت مع "الدعّاس" عجوز فدفعت قرشاً وجلست في مؤخرة الباص، ولم يكن معه تعريفة ليعيد لها الباقي. وجاءت أخرى فدفعت ديناراً وجلست في مؤخرة الباص أيضاً. وعندما امتلأ الباص ركّاباً بعد انتظار ساعتيْن قال الدعاس وهو على نعاس: كل واحد له "بائي" يِِجي ياخْدُهْ! فقامت العجوز الأولى فحسبها دافعةَ الدينار فأعطاها تسعةً وتسعين قرشاً وتعريفة! وعادت إلى محلها فوضعتها في صرّتها، ولما امتلأت الصرة وضعت بقيتها في "عِبِّها". ثم جاءت أم الدينار فأعطاها تعريفة فقط فصاحت به: أنا أعطيتك دينارْ إْصْحيحْ، يا لَهْليبْ الشيبْ!.. ففهمها الدعاس من فوره، ونادى العجوز الأولى قائلاً لها: أدّيش إنْتِ دفعْتيلي يا بنت الحلال! .. قالت له: يوهْ يَخي، إْرشْ واحَدْ أُبالأمارِيّة هُوّي مشرومْ حِتِّهْ!.. فسألها قائلاً: طيّبْ، يا ستْ العرايس، بسْ أنا أدّيشْ رجّعتْلِك؟.. فقالت: يُوهْ يخي، تِسعة أُتسعينْ أُنُصْ بَسْ!.. فقال الدعاس: طيّب، يا حجة كيف بِصير إنِّكْ دفعتيلي إرشْ واحَدْ أُأنا ُرَجّعتْلِكْ بَسْ بسْ بسْ تعريــــفة وحْدة أُتسعة أُتسعينْ بسْ بْسْ، أُضلّيتِ ساكْتهْ!!؟.. فقالت العجوز: يوهْ يَخــــــــيـــهْ وَنا شو بِدُّوهْ يْعرّفني أدّيشْ هوّي البائـــــي!.. أُليشْ بَسْ بْتسألْني هَالسؤال، يِبَو عِينينْ زايغة، هُوّي أنا ضايِِلّي عندك إشي؟..

  {{أجلْ، ما الذي كان يُعرّف عجوزاً خليليّةً كم هي بقية القرش إذا كانت الأجرة نصفَه، فقد يكون لها بقية عند ذي العينيْن الزائغتيْن في البصبصة على الجنس اللطيف، بقيّة فوق التعريفة والتسعة والتسعين قرشاً ؟...

وعجائز الخليل هنّ أدرى بقناطرها وبعيون رجالها وزبيبها...}}

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز