عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
المسيح راقدٌ في غار ومَثَلُه كمَثَل أهل الكهف

 

  قال الله تعالى في حقِّ الناس جميعاً من غير اسثناء بتاتاً لأيِّ واحدٍ منهم، وذلك في سياق حديثه عن الأرض – قال سبحانه: " {قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ }{ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ}" (الأعراف: 24-25)..

 ونحن المسلمين نؤمن أن المسيحَ عيسى بن مريم، عليهما السلام، هو بشرٌ بحتٌ، إنسانٌ بطبيعةٍ إنسانيّةٍ صِرفةٍ صافيةٍ 100%، ولذلك فإنه، عليه السلام، يدخل في حكم الآية عالية الذكر، وبالتالي، فإنه ينطبق عليه تماماً كل ما ينطبق على سائر البشر؛ أي لو كان عيسى الآن حيّاً فإنه لا يكون إلا في الأرض، ولو كان ميتاً فإن جسده لا بدَّ أنه هو موجود في الأرض.

 ولكن الله  تعالى قد بيّن أّنه قد توفّاه ورفعه إليه: "إذْ قالَ اللهُ يا عيسى إنّي مُتوفّيكَ ورافعُك إليَّ" (آل عمران: 55)، ولم يذكر بشكل صريح أنه قد أماته، بل إن صريح القرآن هو أن الله تعالى قد جعل لعيسى بن مريم، عليهما السلام،  ظهوراً آخرَ بين الناس كعلامةٍ من علامات اقتراب الساعة، فظهورُه في الناس ثانيةً وإقامتُه بينهم هما من أشراط الساعة، ومن الأمارات والعلامات على أنها قد أوشكت أن تأزف. فأين الحل الذي يوفق بين كل ذلك: بين أن المسيح لم يمت، وأنه في الأرض، وأنه متوفّىً وأنه مرفوع إلى الله، وأنه سيظهر في الناس في الحياة الدنيا مرة أخرى؟

 لقد جاء ذكر الله تعالى لرفع عيسى إليه في سياق قصة الصلب : "وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا" [النساء:157 - 159]. "... وذلك يعني أن القصد من الرفع هو تنجيةُ الله تعالى له، وجعلُه في مأمن بحيث لا يمكن للذين قاموا بعملية صلب الشبيه بديلاً عنه، وهم لا يشعرون – لا يمكنهم أبداً ولا بأيّ حال من الأحوال أن يصلوا إليه، أي إن المعنى المقصود من رفع الله لعيسى إليه هو أنه سبحانه قد جعل المسيحَ في حمايته التي لا تُرام، وأدخله في حماه المنيع العزيز الذي لا يُضام، فمن المستحيل تماماً أن يصلوا إليه، أو أن يحاولوا القيام بصلبه مرة أخرى؛ إذ إنه قد أصبح بأمر الله ورحمته عزيزاً عليهم: "بل  رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً"، فرفعُ اللهِ تعالى لعيسى إليه هو أنه جعله عزيزاً على الذين سعوْا في صلبه وقتله، مُكرِماً له بعزّة من لدنه؛ إذ إنه سبحانه هو العزيز ذوالعزة المطلقة فيجعل بها من يشاء من عباده عزيزاً على الناس لا يصلون إليه أبداً: "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين" (المنافقون: 8). {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} (فاطر:10)

 أجل، فأمّا من ناحية الآيات القرآنية الكريمة، فإننا نجد أنها لم تصرِّح بموت عيسى، وكذلك فإنها تتحدث أنه في انتظار بعثٍ إلى الناس قبل يوم القيامة: "وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ*وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ* إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ* وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرض يَخْلُفُونَ* وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ" [الزخرف: 57-61].

وحسب قراءة ابن عباس وآخرين: "وإنّهُ لَعَلَمٌ للساعة فلا تمترُنَّ بها" ..."وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا" [النساء: 159]؛ إذ ذهب المفسرون في تفسيرها إلى اعتبار أن الموت المذكور فيها هو موت المسيح بعد ظهوره الثاني. وأمّا من ناحية الأحاديث النبويَة الصحيحة الشريفة، فإننا لا نجد فيها ذكراً لموته، بل إنها تتحدث عن بعثه إلى الناس بالتزامن مع ظهور المهديّ المنتظر.

 حسناً، إن الحل الجامع المانع لمسألة المسيح بن مريم المشروحة أعلاه، يكمن في الذهاب إلى أن الله  تعالى قد جعله - بعد أن خابت محاولات السعي في صلبه – جعله في حال هي مثل حال أصحاب الكهف والرقيم. وعلى هذا، فالمسيح عيسى بن مريم موجودٌ  في حال من الرقود، موجودٌ حيّاً في حالةٍ من وفاة النوم، وذلك في كهف من كهوف الأرض واقع في جبل من جبال أرض الشام بمدلولها الواسع، في كهف في أكناف بيت المقدس. وما جبال الجليل وجبل الشيخ عن القدس بموقع بعيد. وعلى ذلك، فمثَلُ المسيحِ هو كمثَلِ أصحاب الكهف والرقيم، أي أنه في رقودٍ إلى وقتٍ معلومٍ، في انتظار إيقاظِ الله له قبل يوم القيامة.

 وتوضيحاً، فإن المسيح عيسى بن مريم هو في زماننا راقدٌ في غار مجهول وغير قابل للإبصار، راقدٌ في حال من الوفاة النوميّةِ التي كان عليها أصحاب الكهف والرقيم، وهو محفوظ بسلامته الجسديّة كاملةً بقدرة الله تعالى،  وبحيث لا يمكن لأحد أن يطّلع عليه أو أن ينتبه لوجوده بسبب من جعل الله تعالى للأشعة المرئيَة وغير المرئيَة أن لا تنعكسَ عن جدرانه أو أن تصدر من داخله حتى يوم بعثه في زمن المهديّ المنتظر، وأيضاً بسبب من صرف الله تعالى للناس عن أن يطرقوا موضع ذلك الكهف الخفيّ،  وما ذلك كلُّه إلا من آيات الله سبحانه الدالة على مطلق قدرته وعزّته وحكمته، وأنه غالب على أمره.  

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز