عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
حلُّ فاتحةِ سورة يس

"يس"؟... "واليقينِ والساعةِ"

 

بسم الله الرحمن الرحيم

"يس. والقرآنِ الحكيمِ. إنَّكَ لَمنَ المرسَلينَ. على صراطٍ مستقيمٍ".. فما هي "يس"؟

لا ريْبَ أنَّ "إنّك" في قول الله تعالى: "إنّك لمن المرسَلين" تعني وجودَ خطاب. طبعاً، فإن وجود الخطاب يستلزم وجودَ مخاطَب. فماذا يسبق الخطابَ في العادة؟ قد يسبقه نداءُ المخاطَبِ باسمه أو لقبه أو كنيته أو بوصف ما من الأوصاف، أو قد يسبقه تنبيه وتحفيز للسماع (بالقسم مثلاً). وبناء على احتمال سبْقِ الخطاب بالنداء فقد حسِب بعضُ المفسرين أن "يس" هو اسم للرسول، عليه السلام، ولذلك درج المسلمون على تسمية بعضِ أبنائهم باسم: "ياسين". ولكن الرسول نفسه لم يذكر أن "ياسين" هو واحد من أسمائه. وكذلك فإنه لو ذهبنا إلى كلمتيْ "يا سيّدُ" تقديراً للحرفين "يس"، فسنجد أنه تقدير غير مكين.

  "يس. والقرآنِ الحكيمِ. إنَّكَ لَمنَ المرسلين".. فما هي إذاً "يس"؟

لعلَّ الآيةَ الثانيةَ: "والقرآنِ الحكيمِ" تفتحُ لنا مدخلاً ييسّرُ لنا منْ أمرِنا رشداً.

ألا تجدُ أن في أولِ الآيةِ الثانيةِ واواَ؟

نعم، وهيَ واوُ القسمِ "والقرآنِ الحكيمِ". وقد تكونُ الواوُ واواً للقسَمِ لكنّها في الوقتِ ذاتِهِ واوٌ للعطفِ أيضاً، أيْ قد تكونُ واواً تعطفُ قسَماً على قسَمٍ آخرَ قد سبقَه، كما في قول الله تعلى: "والتينِ والزيتونِ. وطورِ سينينَ. وهذا البلدِ الأمينِ".

  "يس. والقرآنِ الحكيمِ. إنَّكَ لَمنَ المرسَلينَ" نلاحظُ أنَّهُ يوجدُ إلى جانبِ القسمِ توكيدانِ آخرانِ بارزانِ وذلك في "إنّ" وفي اللامِ في"لَمِنَ". ومن الواضح أن جوَّ الخطابِ مشبعٌ بالتوكيدات من أجل تسرية الرسول وتثبيته. وعلى هذا فإنّه مِنْ بابِ أوْلى أنْ يكونَ أوّلُ السورةِ قسَماً؛ فذلكَ أنسبُ وأفعلُ وأدخلُ لتفعلَ الأقسامُ فعلَها في نفسِ المخاطبِ، وتحقِّقَ غايتها. ومنْ هنا فإنَّ تقديري للحرفيْنِ "يس" سيدورُ في إطارِ أنَّ هناكَ احتماليْنِ:

 

 الاحتمالُ الأولُ – تقديرُ قسَمٍ واحدٍ من كلمتيْنِ تكونُ أولاهما هيَ المقسمَ بهِ وتكونُ في موضعِ المضافِ، والكلمةُ الثانيةُ تكونُ المضافَ إليه.

الاحتمالُ الآخرُ – تقديرُ قسَميْنِ كلُّ واحدٍ منهما من كلمةٍ فيكونُ هناكَ عطفُ قسمٍ على قسمٍ.

 

مناقشة الاحتمال الأول- وجود قسم واحد

"يس. والقرآنِ الحكيم. إنَّكَ لَمنَ المرسلين"..

محمد، عليه السلام، مرسَلٌ لماذا؟  لينذرَ قومَهُ والناسَ كافّةً بيومِ القيامةِ، أيْ ليبيّنَ لهم أنَّ الساعةَ لا ريْبَ فيها، لِيدعوَهم إلى الإيمانِ بيومِ القيامة، يوم تقوم الساعةُ وتكون يقيناً فيُبلسُ المجرمون.

حسناً، يريدُ اللهُ تعالى أنْ يثبّتَ رسولَهُ بالقولِ الثابتِ فيسرّيَ عنهُ ويُذهِبَ عنهُ كلَّ شكٍّ قد يطرأُ عابراً إلى نفسِهِ في أنَّهُ: أهوَ رسولٌ حقّاً ويقيناً، أم إنه ليس رسولاً؟.. أجل، فهلْ منْ يقينٍ في نفسِ محمدٍ بعدَ إيمانِهِ بالله هو أكبرُ من يقينِهِ بالساعة، بالقيامةِ؟.. هل منْ يقينٍ في حدثٍ من الأحداثِ الغيبيّةِ في نفسِ محمدٍ، عليه السلام، هوَ أكبرُ من إيمانِهِ بيومِ الساعةِ؟.. لا، ثمَّ لا.

وبناءً على ما سبق، فإنَّ تقديري للياءِ يأتي من "يوم"، أو من "يقين"، وللسينِ يأتي من الساعة (ساعة، فَأَل التعريف طارئةٌ على الكلمة).

وهكذا "تكون "يس" هي في التقدير هكذا: (ويومِ الساعةِ).

وتفسيراً لا تلاوة نفهمها هكذا: "يس (ويومِ الساعةِ). والقرآنِ الحكيمِ. إنَّكَ لَمِنَ المُرسلينَ. على صراطٍ مستقيمٍ. لِتُنذرَ قوماً ما أُنذِرَ آباؤهم فهم غافلون. لقد حقَّ القولُ على أكثرِهم فهم لا يؤمنونَ". أو نفهمها هكذا: "يس (ويقينِ الساعةِ). والقرآنِ الحكيمِ. إنَّكَ لَمِنَ المُرسلينَ.

 ألا تجدُ كيفَ أنَّ سورةَ "يس" تفيضُ بالحديثِ عن القيامة والبعثِ؟.. "هذا ما وعدَ الرحمنُ وصدقَ المرسلونَ".

ألا تجدُ كيفَ أنَّ آخرَ آيةٍ في "يس" هي التي تقولُ: "فسبحانَ الذي بيدهِ ملكوتُ كلِّ شيءٍ وإليْهِ تُرجعونَ".. أليسَ هناكَ مناسبةٌ بينَ يومِ الساعةِ وبينَ "وإليهِ تُرجعونَ"؟

ألا تجدُ أنَّ آخرَ آيةٍ من "سورةِ فاطر" التي تسبقُ "يس" تتحدّثُ عنِ القيامةِ باعتبارِ أنَّ لها أجلاً مسمّىً، لها ساعة معلومة، وعن أجلهم في الحياة الدنيا الذي له ساعة مسمّاةٌ لا يستأخرون عنها ولا يستقدمون؟..

 {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً}(فاطر: 45)

أمّا بالنسبةِ للقسَمِ بيومِ القيامةِ فقدْ وردَ في القرآنِ الكريم : "فلا أُقسمُ بيومِ القيامة"، فالمعنى : أُقسِمُ بيومِ القيامة؛ إذْ إنَّ "لا" في "فلا أُقسم" تعتبرُ زائدةً.

وأمّا بالنسبةِ للتركيبِ "يوم الساعة" فذلكَ تركيبٌ سليمٌ مقبولٌ قرآنيّاً؛ إذْ إنه قدْ جاءَ قولُ اللهِ تعالى: "ويومَ تقومُ الساعةُ" في الآياتِ- جاء أربعَ مرّاتٍ، منها ثلاثٌ في سورةِ "الروم"، والرابعةُ في سورةِ "الجاثية". ففي سورةِ الروم: "ويومَ تقومُ الساعةُ يومَئذٍ يتفرّقونَ".. أليسَ "يومئذِ" هنا هوَ يومَ الساعةِ؟.. أليسَ (يومُ تقومُ الساعةُ) هوَ يومَ الساعةِ؟.. بلى، ثمَّ بلى.

وفي المحصلة، فإن "تقدير "يس" بهذا القسم (ويومِ الساعةِ) يجد له ما يبرر القبول به. وكذلك فإن تقدير "يس" بهذا القسم: (ويقينِ الساعةِ) هو الآخر يجد له ما يبرره سواء مما سبق أو مما سيأتي.

 

مناقشةُ الاحتمال الثاني – وهوَ تقديرُ "يس" بقَسَميْنِ.

 

 إن تقديري الحرفيْن الياء والسين في "يس" بقسميْن هو هذا: "واليقينِ والساعةِ". حسناً، فحاولْ أنْ تستدلَّ بنفسك على مقبوليّتِهِ من معقوليّتِه سامحاً لي أن نتعاون من خلال التذكير بالآتية:

 

1-   "إنَّ هذا لَهُوَ حقُّ اليقينِ. فسبّحْ باسمِ ربِّكَ العظيمِ" (الواقعة: 95-96).. ألا ترى أن الآيتيْنِ ترتبطانِ بحديثٍ عنِ الساعةِ إذ جاء قبلهما: {فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ}{فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ}{وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ}{ فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ }{وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ}{فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ}{وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ

2-      "وكنّا نكذِّبُ بيومِ الدينِ. حتّى أتانا اليقينُ" (المدّّثّر: 46-47).

3-   "وإذا قيلَ إنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ والساعةُ لا ريْبَ فيها قُلتُم : ما ندري ما الساعةُ إنْ نظنُّ إلّا ظنّاً وما نحنُ بِمُسْتيْقنينَ" (الجاثية : 32).

4-   إن ذكر الإيقانِ قد ارتبط بذكر يومِ القيامةِ، أيْ بالساعةِ، وذلك في عشراتِ الآياتِ، ومنها: "الذينَ يقيمونَ الصلاةَ ويُؤْتونَ الزكاةَ وبالآخرةِ همْ يوقنونَ" (البقرة : 4).

5-      وهلْ كانَ في نفسِ الرسولِ منْ حدثٍ غيبيٍّ يقترنُ باليقينِ بأكثرَ وبأقوى ممّا ترتبطُ بهِ الساعةُ؟ 

6-   ولوْ أحصيْنا حرفَ السين في سورةِ "يس" نجدُ أنَّهُ قد تكرّرَ 48 مرّةً.. ولوْ أحصيْنا مرّاتِ مجيءِ كلمةِ "الساعة"  و"ساعة" في القرآنِ لوجدتها 48 مرةً.. فهل كانَ هذا التساوي إشارةً إلى أن السين في "يس" هي من كلمة الساعة؟

   أجل، يمكننا الآن - تفسيراً لا تلاوة – يمكننا أن نفهم أول سورة "يس" هكذا: "يس (واليقينِ والساعةِ). إنّك لَمنَ المرسَلينَ. على صراطٍ مستقيمٍ". 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز