نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
من يقلع عين الخياط في الربيع العربي؟؟ أم خاطئة أم أب ضال؟؟

في قصة شهيرة ناقدة لعدالة العين بالعين والسن بالسن .. يتخاصم الخياط والخباز في المدينة فيقوم الخياط بقلع عين خصمه الخباز أثناء النزاع .. ولما شكى الخباز ذلك الى قاضي المدينة حكم الأخير بأن يقلع الخباز عين الخياط عملا بمبدأ العين بالعين والسن بالسن .. ولكن الخياط يطلب من القاضي اعادة النظر في الحكم لأنه كخياط يتعامل بالابرة والخيط فانه يحتاج عينه أكثر مما يحتاجها الخباز .. ولذلك اذا كانت القضية عينا بعين فلتفقأ عين الحداد -الذي لم يكن طرفا في النزاع - بدلا من عينه .. فيوافق القاضي وتقلع لذلك عين الحداد .. وتتحقق العدالة .. عين بعين 

القصة في الحقيقة هي قصة الربيع العربي .. المليء بالخياطين والخبازين والقضاة الذين يقلعون عيون من لايستحقون طالما أنها تحقق عقلية العين بالعين والسن بالسن .. لايهم عين من ولا سن من .. ولذلك يمكنكم ان تتصوروا حالة التيه والتخبط وقلة الحيلة التي يعاني منها مجتمع يقلع عيون بعضه وتقوم مجموعة من رجال الدين والمثقفين بدور القضاة قلاعي العيون الحكماء..ولو قمنا بمراجعة بسيطة لما يدور من جدل فكري وثقافي عربي لعرفنا دقة التشابه الثقافي بين الحكاية والمجتمع العربي ولوجدنا أن هذه الأمة هي أمة العين بالعين .. ولكنها عين الحداد مقابل عين الخباز 

فمثلا قامت قيامة الأزهر الشريف على الشيخ يوسف القرضاوي وتوالى شيوخ الأزهر على ذم الشيخ المزواج المطلاق والقاتل الأكبر وصاروا يتبارون في طرده من مجالسهم ويخونونه ويتهمونه بالعمالة والخيانة ورذالة العمر والعتاهة .. وكان الأزهر الشريف قد أصابه الصمم طوال ثلاث سنوات عن كل الكوارث والعنف الذي أطلقه القرضاوي وكانت أذنا الأزهر مثل أذني أبي الهول من حجر أصم .. ورأى الازهريون القرضاوي يملأ رقبته بدم العقيد القذافي ودم عشرات آلاف الليبيين والسوريين والعراقيين ويحلل ويحرم ويفتري على المسلمين ونبيهم ختى أنه وظف الاسلام ونبيه في الناتو .. ولكن عيني الأزهر كانتا جامدتين مثل عيني تمثال توت عنخ آمون .. وشوهد القرضاوي ينفث سمه ويسفك دم العذارى والصبايا والأيامى على فراشه الشبق ولكن لم ينبس الأزهر ببنت شفة أو يعاتب هذا الشيخ على تهتكه وهو يفتي بفتاوى الجنس المريض .. وكانت دعوات الجهاد لمؤتمر الاسلاميين عقب معركة القصير تهز جدران الأزهر وتشققها وتميل معها المآذن ولكن الأزهر كان يشخر من شدة التعب والانهاك من كثرة الصلاة والصيام والقيام والقعود .. وعندما زار الرئيس الايراني أحمدي نجاد مصر استقبله شيخ الأزهر بقسوة واستعلاء وأعلن الأزهر ثورة احتجاجية على ماسماه تدخل ايران الشيعية في العالم السني ..ناسخا ماكان يدعو اليه القرضاوي صاحب رذاذ الدم دون أن يحيد عنه قيد أنملة  

وماان فتح القرضاوي فمه المبلل بالنفط وأطلق الرذاذ المدمى ضد الجيش المصري والجنرال السيسي حتى انتفض الأزهر وثارت ثائرته وكأنما حرب الردة على الاسلام قد وقعت وقد أعلن أبو بكر النفير على مسيلمة الكذاب .. وكأن كل رذاذ الدم والرذائل التي كانت تنهمر من فم القرضاوي طوال سنوات لاتعني شيئا للأزهر

بقي الأزهر مقلوع العينين والأذنين غير معني بكل ماطحنه فك القرضاوي من لحم المسلمين وماكرعه من دم .. ولم يثر شرف الأزهر وغيرته على الدين الا عندما وصل نفث الدم الى صورة السيسي وجنود الجيش المصري .. وحتى هذه اللحظة لايزال غضب الأزهر من القرضاوي محصورا بالشأن المصري فقط ولم يقم بمراجعة نقدية وتصويبية لمواقفه الصامتة وتخاذله عن نصرة دم المسلمين وحقن دمهم في سورية والعراق وليبيا .. بل ولايزال صامتا أو خجولا عن معارضة فتاوى مطابقة لفتاوى القرضاوي الدموية والجهادية التي تخص سورية لأنها تصدر عن السعودية .. مثل الأزهر في موقفه مثل القاضي الذي يحكم بين الخباز والخياط ... والمجتمع الاسلامي كله خياطون وخبازون وحدادون تقلع فيه العيون وتفقأ عيون من لاناقة لهم ولاجمل لأن القضاء والدين والثقافة يقوم عليهم قضاة العين بالعين .. وخياطو الثقافة لهم قضاتهم الذين سيقلعون أي عين ..الا عيونهم

كان الأزهر طوال ثلاث سنوات يقلع عين ايران وعين الشعب السوري وعيون المظلومين العرب لأن القرضاوي خياط الدين وعيناه لايجب قلعهما .. ولأن قطر هي دار الخياطة وكل خياطيها عيونهم لاتقلع .. ولأن ملوك النفط يخيطون لنا ثقافتنا وربيعنا واسلامنا .. وطالما أن الشعب الليبي والشعب السوري جاءهم يشتكي من قلع عينه من قبل خياطي الدين في قطر والسعودية فان قضاة الأزهر قرروا أن يقلع الشعب العربي عين ايران وعين حزب الله .. وعين نظام الحكم في سورية .. اليوم سيقلع الأزهر عين القرضاوي ويقتلع لسانه .. ولكن هيهات فعيون القرضاوي صارت مخارز في عيون الدين بعد أن ملأ الدنيا بعيون العرب المقلوعة .. وتبعثرت عيونهم على كل أرصفة العالم واللجوء

وللأسف فان ثقافة قضاة العين بالعين ليست مقتصرة على الأزهر بل هي ثقافة شاملة في الأمة كلها .. ويمكنكم مراجعة مواقف كل المثقفين العرب من الأزمة السورية التي كان فيها بارونات الثقافة العربية يتبارون في اصدار أحكام قلع العين على الشعب السوري ودولته الوطنية .. الغريب أن كل المثقفين رأوا الذبح الذي مارسته الثورة عبر مئات المشاهد المتاحة في العالم التي نشرتها الثورة للمباهاة بقسوتها الثورية .. وجميع المثقفين رأوا اللحى والهمجية الثورية ورأوا ثقافة تورا بورا تجتاح شوارع مدن سورية المكسوة بالجمال المدني والبهاء التاريخي والثقافي العربي وتنخر مثل السوس في جامعات سورية ومعاهدها التي استولى عليها التكفيريون .. وكل المثقفين العرب يعرفون أن تدخل قطر والسعودية وتركيا في شأن سوري داخلي بلغ حد قلع العين ظلما وعدوانا .. وجميع المثقفين العرب يعرفون ان الثوار استخدموا السلاح الكيماوي في الغوطة لاستدراج تدخل غربي ليصلوا الى السلطة .. وجميع المثقفين العرب رأوا أن الثورة تريد تسليم رأس سورية وعيونها للناتو .. ومع هذا يردد هؤلاء المثقفون أحكام قلع العيون العشوائي .. ليس ضد من يقلع العيون ويفقأ الأحداق مثل دول الخليح والسعودية وأميريكا وضد الفرنسيين والأميريكيين الذين وصلت بوارجهم لقلع عين الشعب السوري .. بل أصدر هؤلاء المثقفون أحكاما ضد الدولة السورية ومن يؤيدها وسموههم شبيحة وقتلة للشعب السوري .. وجعلوا من رئيس البلاد طبيب العيون مجرما وقاتلا وقّلاع عيون .. تصرفوا كقاضي المدينة الذي قلع عين الحداد كي يعفى الخياط من قلع عينه .. وأعفي خياطو ثقافة العرب في الخليج من قلع عيونهم بحجة أنهم يحتاجونها لحياكة الأثواب العربية الأصيلة .. وحياكة دين جديد واسلام جديد واعداء جدد .. وشمل العفو خياطي السياسة الغربية الذين قلعوا عيون الشرق بمشاريعهم الديمقراطية ..عينا عينا .. من فلسطين الى بغداد الى بيروت وطرابلس وعدن والخرطوم

ولاأدل على ذلك من قراءة بعض المثقفين المصريين عندما يتناولون بشيء من الفصامية والعور الشأن السوري .. فيكتب أحدهم عن فظائع الثوار السوريين باسهاب وتفصيل ثم يصل بنا في اجتراحه للحلول الى أن حل الأزمة السورية هو في معاقبة نظام الحكم على مااقترفت يداه من جرائم بحق الشعب السوري !! أو لأنه لم يقم بواجبه في حماية السوريين من هذه المؤامرة !! .. واذا أردتم قاضيا من جماعة العين بالعين التي تفقأ عيون الحدادين بدل الخياطين ماعليكم الا أن تقرؤوا مثلا ماكتبه عادل حمودة الصحفي المصري في هجوم مجوقل على الاستاذ محمد حسنين هيكل .. وسبب هذا الهجوم فقط أن "هيكل" اعترف أنه كان شاهدا على اتفاق تنازلت فيه الامارات العربية عن جزرها الثلاثة مقابل تخلي ايران عن مطالبتها بالبحرين .. والغريب أن مااعتبره عادل حمودة مقتل هيكل ومصداقيته ونزاهته الفكرية كانت في لقاء الأخير للسفير السوري في لبنان وتلقيه تحية من الرئيس بشار الأسد .. ثم في لقاء هيكل بأمين عام حزب الله..

عادل حمودة وصف الرئيس الاسد بالمجرم الذي يقتل شعبه فيكافئه هيكل بلقاء سفيره وتقبل تحياته .. ويعيب على هيكل تلقيه مديحا من الرئاسة السورية التي تقتل وتنكل بالشعب السوري .. ثم يسدد طعنة نجلاء الى قلب هيكل باتهامه بممالأة نظام الحكم الأميري القطري ومديحه ومباهاته بصداقته لأسرة آل ثاني .. ويعزو ذلك لأسباب شخصية ومالية 

وأذكر اننا اختلفنا مع هيكل حول بعض القضايا السورية يوما وعاتبناه برقة على موقفه المداعب لقطر ولكن لم نندفع في مشاعرنا الى حد الوقوع في التناقض وقلع العيون العشوائي .. ولكن في محكمة قلع العيون العربية يجب أن نسأل القاضي عادل حمودة عن سبب هجومه على قطر عندما تهاجم مصر وتتدخل في شأنها .. ولكنه في ذات الشأن القطري لايعنيه الكلام عندما تتدخل قطر وتتآمر على الشعب السوري ويلتزم الصمت المريب الذي يفهم منه على أن التصدي لقطر ومشروعها في سورية خيانة وطعنة للثورة العظيمة السورية .. في مصر قطر مجرمة والسيسي بطل والاخوان والاسلاميون ارهابيون وقتلة وخونة ووعاء للمؤامرات الغربية والمخابرات البريطانية .. ولكن في سورية قطر شقيقة الثورة السورية وامها الحنون .. والرئيس الأسد مجرم وقاتل .. والاخوان المسلمون السوريون ضحايا السفاح !! .. انه مبدأ قلع العيون العشوائي الذي يتقنه مثقفو العرب .. المهم أن نقلع عينا بعين .. أي عين .. والمهم أن يبقى خياط الثقافة العربية في خليج العرب بعينين يمارس حياكة الثقافة الرثة والأثواب المزركشة بالنفاق والخيانة .. وعادل حمودة قلع عين الدولة السورية من أجل الهجوم على هيكل وقطر .. وترك السعودية ومخارزها وترك قطر ومخارزها تقلع عيون الاسلام وعيون الثقافة العربية والمدن السورية عينا عينا .. واعاد غرز مخرزه في عين الدولة الوطنية السورية عدة مرات

مشكلة كل المثقفين العرب على مايبدو انها واحدة وأنهم يشربون من نفس الاناء وكلهم أعضاء في نادي العيون المقلوعة .. وهم تلامذة مدرسة مجتمع الحداد والخياط والخباز وقاضي العيون المقلوعة .. بل ان من يستمع الى لميس الحديدي وهي تقابل أحمد الجار الله وتكيل له المديح اثر المديح وتخلع عليه ألقاب الثقافة والفكر وتسميه عميد الكتاب الخليجيين لأحس بالمخرز يدخل عينيه وقلبه وعقله وأذنيه .. فلميس الحديدي تقول بأن الشعب المصري يتقدم نحو استقلاله الوطني وصناعة قراره الوطني الذي صنعه 30 مليون متظاهر .. ولكنها تستضيف رمزا من رموز العبودية للاحتلال الغربي للشرق هو الكويتي أحمد الجار الله الذي تقدمه على أنه من المعجبين بالثورة المصرية ويقلدها الأوسمة .. علما أن القاصي والداني يعرف أن هذا الأحمد الجار الله هو الذي يسقي بقلمه خيول الكاوبوي الأمريكي التي تجثم على صدورنا .. ويبدل لها حدواتها بانتظام .. ويقدم لها مقالات البرسيم في مقالاته ويكرمها بالعلف والتبن كي لاتجوع القواعد الامريكية وخيولها .. كل مقالة من مقالاته هي رزمة من البرسيم والعلف لقرائه العرب ليس الا كمن يربي بغالا عربية ليحمل عليها الكاوبوي محاصيل النفط والغاز والثروات العربية المنهوبة .. وكل تعليق سياسي يكتبه أحمد الجار الله هو كيس من الخيش المليئ بالتبن ليعلف به قراء عربا من البغال الذين يجترون حديث الدمقرطة والتنوير والتحرير .. وهو ذاته أحمد الجار الله الذي يعلق صورة جورج بوش في مكتبه وليس صورة الكعبة .. وهو الذي يمكن أن ينقلب على مصر كما ينقلب اي بائع برسيم وتبن على البيادر حسب المواسم .. كيف يمكن لأحمد الجار الله أن يكون ضد الاخوان المسلمين المصريين ويتمنى الخير والحرية لمصر لكنه مع الاخوان المسلمين السوريين ويدعو لقصف الشعب السوري بالبوارج الامريكية؟؟ انها حكايات القاضي وعين الحداد والخياط .. فهي تركيبة المثقفين العرب 

وكمثل فاقع على موزعي البرسيم والعلف الفكري انظروا الى موقف المثقفين الثورجيين العرب جميعا من وجود وفد اسرائيلي في الامارات العربية المتحدة مثلا التي صارت محشوة بالثوار السوريين الاحرار .. وأحد مثقفي البرسيم الثوري الذي يكرر اعتزازه بكنزه الاسلامي وهو رياض نعسان آغا والذي أغدق على حكام الأمارات المدائح في عدالتهم وشهامتهم ومروءتهم ورؤياهم الاسلامية النقية حتى ظننا أنهم سيورثونه .. ولكن عندما استقبل شيوخ الامارات الوزير الاسرائيلي سيلفان شالوم قرر أن يحشو فمه برزمة من البرسيم القديم التقطه من احدى الزرائب الثقافية وأتبعها بكيس من التبن دون أن يغص

قد تستغربون ان قلت لكم انني لست قلقا من السنوات الخمس القادمة لكنني ربما قلق على ألف وخمسمئة سنة قادمة بعد أن تحطمت القرون الماضية وتهشمت أمام عيوننا أو على الأقل تحولت خلال ثلاث سنوات سميت الربيع العربي الى آثار في المتاحف النفيسة والمحنطات .. في ثلاث سنوات حدث صمود أسطوري لشعب سورية وقيادتها أدهش العالم .. ولكن الشرق كله وقع أخلاقيا وثقافيا كما الأشجار ذات الجذور المهترئة والجذوع المنخورة 

دعونا نعترف أن ثقافة كاملة لأمة كاملة قد سقطت .. واهتز دين كامل بكل نصوصه وأحاديثه وتفسيراته وتأويلاته ومؤسساته .. وبالتالي سقطت منظومة اخلاقية كاملة عمرها خمسة عشر قرنا ..ومابقي الآن هو أمة بلا روح لأنها باتت بلا ثقافة وبلا أخلاق ولاعدالة .. ومافيها هو خبازون يقلعون عيون القضاة وقضاة يقلعون عيون الحدادين .. وحدادون يتصرفون كالقضاة .. وعلف وبرسيم وتبن .. وبغال

علينا الاعتراف بأن أهم ثلاثة اشياء في حياة أية أمة قد تعرضت لاهتزاز عنيف وهي الثقافة والدين والأخلاق .. وهي البنى الأساسية لكل المنظومة الوجودية لأي شعب له رحلة نحو المستقبل .. فقد سقطت الثقافة العربية سقوطا مخجلا وتبين أن لدينا بالونات ثقافية منفوخة نفاخر بها ونقارع بارونات الثقافة العالمية .. وجلست الثقافة العربية تتسول على أبواب ثقافات العالم حلولا لمشاكلها المستعصية لأن بالونات الثقافة لايملأ رؤوسهم الا الهواء المضغوط .. وثقافتنا تشحد الخبز والثياب والعطف والخيام لتنام فيها .. وأخشى ان أقول بأنها قبلت ان تعيش في مخيمات اللجوء الثقافي العالمية .. وربما تعرضت ثقافتنا في تلك الخيام لما تعرضت له نساء اللجوء السوريات من بيع وشراء وزواج عابر واغتصاب متواصل وسبي الى المنافي .. والمكان الذي ارتضته الثقافة العربية هي الجلوس على باب ثقافة العالم وتحولت الى دور البواب المسكين الذي يفتح الأبواب للوردات الثقافة العالمية ومفكريها .. ولاتصدقوا أن أمة يقبل أبناؤها أن يعيشوا في خيام الأمم المتحدة في المنافي من عين الحلوة في لبنان الى الزعتري في الأردن يمكن أن يكونوا الا نتاجا لثقافة صارت تعيش أيضا لاجئة في خيام اللجوء الفكري والثقافي الدولية .. فالهزائم الاجتماعية الكبرى هي انعكاس لهزيمة ثقافية كبرى .. ومقابل كل خيمة لجوء في المنافي تجدون خيمة للمثقفين والثقافة في منافي الفكر ايضا.. ولاتغرنكم تلك الألقاب لبالونات الثقافة من صادق العظم الى أحمد زويل .. لأنهم بالونات ثقافية 

اليوم يمكن أن نقول بأن المعركة الحاسمة والأهم قد بدأت .. لن نطلق عليها أم المعارك بل هي المعركة مع الأم الخاطئة والأب الضال .. أي الثقافة والدين .. انها المعركة مع الأم والأب

فعندما وقعت أحداث سبتمبر كانت شكلا من اشكال المواجهة بين طرفين متطرفين (قاعدة وصهيونية مسيحية) بغض النظر عن هوية الفاعل والمدبر الحقيقي .. ولكن الآن المواجهة بين طرف ونفسه .. فهو يمسك بالسيف بيده اليمنى ليقطع يده اليسرى .. ويطعن بيده اليسرى ذراعه الأيمن .. ويقلع عينه اليسرى بيده اليمنى وعينه اليمنى بيده اليسرى .. ولن تجدوا في تاريخ العرب بعد معركتي صفين والجمل مايشبه الآن لأنه مواجهة بين الجمل والجمل نفسه وبين صفين وصفين ..وبين عائشة وعائشة .. وبين معاوية ومعاوية .. وبين زياد وزياد .. وبين علي وعلي ....وبين عمر وعمر ..وعثمان وعثمان ..ووو

لايهم ماتحطم من أبنية وشوارع وبيوت .. ولكن مايهم ان بقيت لدى العرب ثقافة ووعاء للدين .. وان بقي لهم ماء دينهم الذي شربوه خمسة عشر قرنا .. ؟؟

سيخطئ من يعتقد ان المشكلة هي بين السنة والشيعة .. بل تحولت المشكلة الى صراع بين سنية الاسلام واسلامية السنة .. وسيتلوه يوما لدى التوأم الشيعي صراع بالعدوى سيظهر بين شيعية الاسلام واسلامية الشيعة .. والنتيحة هي انفصال حاد بين اسلام ماقبل الربيع واسلام مابعد الربيع .. وربما اسلام السنوات الألف والخمسمائة سنة الماضية عن اسلام السنوات الألف وخمسمائة القادمة 

ومن هنا يبدو أن عملية الاستيلاء على القرون المقبلة واعادة المسروقات من الثقافة العربية يجب أن تنطلق من مشروع مارشال ثقافي عربي .. ومارشال ديني اسلامي .. يقوم على مبدأ تقوية الثقافة ومعالجة بطالتها الفكرية وحقن الدين بالحياة وليس بالموت والبطالة اللاهوتية .. ولنا في درس مشروع مارشال الأوروبي الاقتصادي عقب الحرب العالمية مثال يجب التعلم منه طالما أننا مقتنعون أننا خضنا حربا عالمية كان مسرحها الشرق وقلبها سورية

فعندما تحطمت أوروبة تحطم الاقتصاد وعجلة الصناعة وانتشر الفقر بسرعة كنتيجة طبيعية للدمار الهائل .. وكانت التيارات الشيوعية ستنتشر في أجواء الفقر بسرعة .. فخلف كل حي فقير كانت الشيوعية تستقر وتبني لها بيتا ماركسيا .. لذلك قامت اميريكا بمشروع مارشال الشهير الذي كان في ظاهره اعادة اعمار اوروبة المحطمة ولكنه في الحقيقة ايقاف للمد الشيوعي الفكري الذي ستتشربه أحياء الفقراء بنهم في ظل اقتصاد حرب منهك 

فكّر الاميريكيون بأن الحائط الذي سيوقف الشيوعية ليس حائط الدبابات بل حائط الرفاهية والنمو والضمان الاجتماعي والسوق القوي عبر تدوير عجلة الاقتصاد ومنع الفقر والانهيارات الاجتماعية .. فالدبابات لاتدمر الشيوعية بل مايدمرها هو تدمير الفقر والبطالة ..فماذا سيبشر الثوار الحمر الشعوب الأوروبية اذا كانت أهم نقطة ارتكاز في التبشير الشيوعي هي قلة عدالة اجتماعية في ظروف فقر وحرمان .. فكان مشروع مارشال عملية بناء السد الاقتصادي الحديدي في أوروبة وحقنه بمليارات الدولارات .. الى أن تهدمت الشيوعية

الهزة الأخلاقية التي عشناها في العالم العربي وفي سورية ستعطينا فرصة تاريخية كطرف منتصر ننتمي الى حلف نهض لاطلاق مشروع مارشال ثقافي عابر للمنطقة لاعادة اعمار الثقافة التي تحطمت وتجلى حطامها في مثقفين عور بعين واحدة .. وشعب من الخبازين والخياطين والحدادين وقضاة لايهمهم من العدالة الا فقء العيون وقلع الأسنان مهما كان مصدرها .. وبالطبع يجب أن يترافق مارشال الثقافي مع مشروع مارشال ديني يسير معه يدا بيد .. فالدين يشبه الاناء الذي تصب فيه الثقافة .. والا فان كل هذا النصر الذي نحضر له الاحتفالات لامعنى له وهو مجرد احتفال بهزيمة ثقافية وترحيب بهزيمة عسكرية قادمة .. وان لم ننطلق بمشروع ثقافي ديني عملاق فان الشيوعية الدينية الوهابية بمعناها المجازي تستعد لاقتحامنا دوما طالما ان هناك فقرا ثقافيا ودينيا بعد انهيار منظومة الفكر والثقافة والدين .. وهي ستستفيد من حقيقة ان الاسلام يسكن كل نفس شرقية وهو بالتالي لديه قطاع ومنصة اطلاق جاهزة يمكن أن تنطلق منها بسهولة فائقة على عكس القيم الفكرية الحديثة مثل القومية والشيوعية والاشتراكية والوطنية  

المهمة شاقة جدا وتشبه بناء حائط سد أو سور الصين العظيم .. ولكن في النهاية يجب اطلاق ثقافة تجعل الناس يحسون بالخجل من المشاركة في فعاليات ثقافية وفكرية وفنية تستضيفها زرائب الثقافة وخياطو الأمارات والمشيخات مهما كانت براقة .. ويجب مثلا تركيز المفكرين على ارساء الشعور بالعار والخجل من طرح المسألة الطائفية والمذهبية في الحوارات اليومية والسياسية العلنية وعلى الملأ لأن هذه المسائل يجب أن تبقى ذات طابع ثقافي وتاريخي وبحثي وليست ليتداوله الناس والعامة ويختلفوا فيه والا فقس لدينا العراعير وجمهور الافتاء وجهاد النكاح .. وتطورت العملية الثورية على طريقة الدراويش نحو أي تغيير اجتماعي لتصبح غير قادرة على اثبات طهوريتها الا بالطقوس الدينية والهوية الطائفية كما تجلى في اصرار رئيس الوزراء السوري الهارب رياض حجاب على الظهور بعد أيام من فراره في جلباب ديني يؤدي الصلاة كما الدراويش رغم أن اول شيء كان عليه اصداره هو بيانا وطنيا جامعا لكل السوريين العلمانيين والاسلاميين .. المسيحيين والمسلمين .. وكأن الصلاة هوية ووسيلة تعبير عن موقف سياسي اشتراكي وبروليتاري وليست شيئا روحانيا خاصا جدا لايجب توظيفه في التجاذبات الوطنية

من غير المقبول أن نستكمل الصراع مع دولة دينية نقية الهوية مثل اسرائيل فيما نحن نذخّر النموذج السياسي العربي المتهتك والممزق سياسيا ودينيا وفكريا ببالونات سياسية وثقافية تنتج النموذج السياسي والفكري العربي المليء بالعوران الذي يتجلى مثاله الذي يطفو على السطح في الأطار اللبناني القائم على حصة عمر وعثمان وعلي والسيد المسيح والنبي بمقاعد في البرلمان والوزارات .. من المخجل أن يكون هناك نائب في أي برلمان عن السيد المسيح وآخر عن المعتز بدين الله الفاطمي وآخر عن آل البيت وغيره عن الصحابة وأمهات المؤمنين كما في لبنان .. هذه الثقافة ستنجب شخصيات تافهة خرقاء مثل سعدو الحريري وعائلات برجوازية أكثر فصامية مثل بيت جنبلاط وبيت الجميل .. وسيتكرر محمد مرسي في مصر وستنسخ تونس الأبله المرزوقي والغنوشي .. انها جزء من ثقافة متهالكة ومنخورة يقتات منها مجتمع بأكمله ويمارس قلع العيون .. ولايسير في طرقاته الا العور ..ولن يمنع قلع العيون الا مشروع ثقافي وديني وأخلاقي كبير .. اعظم من مشروع مارشال الاميريكي في أوروبة

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز