عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
تمثيليّة صلب المسيح، عليه السلام

يمكن أن نستنتج من روايات قصة الصلب، أن "بيلاطس البُنطي"  Pontius Pilate حاكمَ القدس الرومانيَّ (26-36م) قد كان واقعاً في التفكير ومنشغلاً في أمر المسيح،عليه السلام،  من أجل الوصول إلى حلٍّ يُرضي فيه، أو يُسكت به، سبعةً من الأطراف، وذلك لإراحة نفسِه، ولإسكات الفتنة، ووقف سيل الوشايات به والشكايات عليه، ولِوأد التآمرات المتداخلة المتشابكة التي كان المسيح في قلب موضوعاتها:

1-  يُرضي ضميرَه؛ إذ كان يماطل ويراوغ اليهود محاولاً ثنيَهم عن مواصلة المطالبة بالتخلص من المسيح؛ لأنه كان يعلم براءته وسلميّة دعوته، وعدم وجود أي خطر منه على حكم الرومان. ويبدو أنه كان على إيمان بالمسيح من غير أن يجهر بذلك.

2-      يرضي زوجته التي رأت في منامها أن المسيح من الأبرار الأنقياء، وأن زوجها سيقع في بلاء إن هو أقدم على المساس به.

3-      يرضي اليهود المناوئين للمسيح ويسكتهم، وعلى رأسهم أعضاء السانْهدْريم أو السانهدرين  Sanhedrin، وهو مجلس القضاء اليهودي الأعلى. ولم يكن له صلاحية الحكم بالقتل إلا بمصادقة الحاكم الروماني.

4-               يرضي المسيح نفسه ويأمن عدم دعائه عليه.

5-      يُسكت منافسيه السياسيين والعسكريّين من الرومان، ويُفشل مكائدهم ضده، ومحاولات الإيقاع به، وبخاصة الذين كانوا في فلسطين– مثل "هيرود أنتيباس" Antibas حاكم  الجليل يومئذ.

6-               يسكت عنه الامبراطور طيباريوس، ويضمن رضاه على بقائه في منصبه.

7-               يرضي تلاميذ وأتباع المسيح ومناصريه من عامة اليهود.  

 ووجد بيلاطس الحل المناسب للخلاص من ورطته ومأزقه، وجده في صنع "تمثيليّة" بالاتفاق مع المسيح نفسه؛ لأنّه مهما كانت الآيات المُعجزيّة والخوارق التي يأتي بها المسيح؛ فاليهود ينسبونها إلى السحر، وما كانت لتُسكتَ وتَثنيَ كهنة الهيكل عن ملاحقته ومطالبة بيلاطس بقتله؛ لأنهم قومٌ بُهْتٌ لا يألونَ جهداً في التلفيق والافتراء وصنع الاتهامات؛ فهم قد كانوا، على كل وجه من الوجوه، جاهزين لتلفيق تهمة أو أكثر حتى لبيلاطس نفسه؛ فهم قوم يجيدون حياكة الخطط الخبيثة الماكرة، فأجدادهم مكروا حتّى بأخٍ لهم وهو طفل فرموْه في الجبِّ؛ فلو اختفى المسيح فسيتهمون "بيلاطس" بالتستر على مجرم وبالتقصير في حفظ الأمن، وبعدم الاكتراث بالمحافظة على هيبة الإمبراطور، وبعدم ملاحقة أصحاب المؤامرات للتخلص من حكم الرومان، وبالتهاون في منع الإساءات إلى الشريعة اليهودية، وبالتغاضي عن مثيري القلاقل والفتن. وكذلك، فلو اعتقله وتركه يهرب فإنهم سيسعون في إيصال بيلاطس نفسه إلى الإعدام؛ إذ إن عقوبة الرومان يومئذ لمن يهرب منه سجينٌ، هي الإعدام.

 وكان المسيح نفسه، عليه السلام،  يعرف أن عليه أن يصنع شبيهاً له بديلاً عنه في الصلب عملاً بما أخبر هو به نيقوديموس: "وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ" (يوحنا 3: 14)؛ إذ إن هذا يعني أنه كما رَفعَ موسى، عليه السلام،  تمثالاً للحيّة شبيهاً بها، ينبغي أن يُرفعَ على الصليب تمثالٌ له شبيهٌ به ليُصلبَ بديلاً عنه.

  ولم يكن المسيح يريد النجاةَ من الصلب  من خلال الطلب من الله تعالى أن يهلك أعداءه قبل أن يصلوا إليه، بل كان يريد أن تتم نجاته بالحيلة البشريّة مدعومةً بالرحمات الربانيّة.

 وكان بيلاطس يعرف أن للمسيح قدراتٍ معجزيةً؛ وأنه يأتي بالخوارق  (بإذن الله) والتي  منها ما يتعلق بصناعة الهيئات المجسّمة، والتصوير، أي رسم الصور،  فطلب منه سرّاً أن يزودَه بصورٍ عنه، أي عن المسيح نفسه،  ليعلقها في طرق القدس للطلب من الجماهير أن تتعرف على هاربٍ مطلوبٍ للعدالة Wanted، وأن يصنع لنفسه بالسرِّ تمثالاً يجعله كمثل نفسِه؛ تدبُّ فيه حياةٌ ولوْ صوريّةٌ. وفعلاً، قام المسيح بصنع تمثال مماثل له، وأيضاً برسم صور له تُظهر شكله وهو مسرور في ابتهاج، وفي يوم الصلب علّقَ بيلاطس واحدةً منها فوق "المسيح الروبوت" تحمل معها اسم المسيح والتُّهمَ المدانَ بها، وذلك حتى يتأكد المتفرجون من المطابقة بينها وبين الشبيه، وهم لا يشعرون. وكلُّ ذلك من أجل مقاومة ما كان متوقّعاً من اشتباه اليهود بأنه لا بدّ من لجوء المسيح إلى حيلةٍ وخداعات يفلت بوساطتها من الصلب؛ إذ كانوا يصفون أعماله بأنها سحر.

  ومن أجل ضمان ظهور بعض الدم نازفاً من يديْ وقدميْ التمثالِ المصلوب، نازفاً مختلطاً مع أصباغ حمراء محفوظة في فجوات وفراغات داخل اليدين والقدميْنِ، فقد قام بيلاطس بإعدام لصّيْنِ مجرميْن قبْل صلبِ "المسيح الروبوت"، من أجل أن تتلطخَ المسامير بدمهما فيتوهمَ المتفرجون أنها من جسم المصلوبِ الثالثِ "المسيح الروبوت"؛ إذ وضع أسفل منهما وعاءيْن فيهما المساميرُ الحديديّةُ مع سائلٍ مميّعٍ للدم،  وقام بأمر الصلّابينَ بالسرعةِ، وبخفّة اليد وهم يأخذونها من الوعاءيْن موهماً لهم أن ذلك مطلوب كي يظهرَ أن دم المسيح قد نزف بغزارةٍ تدل على أنهم أجادوا الصلب فلا يقوم اليهود باتهامهم بالتهاون معه، مما قد يعرضهم للعقوبات. وكذلك، فقد رأى بيلاطس أن صلب آخرين ضمن التمثيلية يقلل من تركيز المتفرجين على صلب الأخير، ويشتت انتباههم، ويُبديه حاكماً حازماً مَهيباً.

 وتمَّ  تعليق الشبيه على الصليب، "المسيح الروبوت"  Robot Christ، بينَ اللصيْن المجرميْن إشارةً إلى أنه هو أكبرهم جريمةً، وأحقُّهم بالاحتقار والتنكيل.

 ومن أجل أن يجعله – ظاهريّا؛ً خداعاً لليهود – عبرةً عظيمةً للناس، فقد اختار الصورة التي فوق الصليب الأوسط ، فوق "المسيح الروبوت" بحيث يبدو فيها المسيح مبتهجاً متألّقاً، وكتب فوقها عنه أنه "ملك اسرائيل ابن الله"، أي أراد أن يوهم اليهود بأنه قد انصاع للقبول بتهمِهم للمسيح، وأنه أراد من ذلك أيضاً أن يقارن الناس بين المسيح مصلوباً مهاناً وبين صورته وهو مبتهج متألقٌ، وهذا مما يزيد من إرضاء اليهود من خلال فتح السبل للشماتة به نظراً لمقدار التنكيل الذي لقيه في عمليّة الصلب.

{وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} [النساء:157]

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز