رسمي السرابي
alsarabi742@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 March 2009

كاتب وشاعر وقصصي من خربة الشركس – حيفا - فلسطين مقيم في الولايات المتحدة ، حاصل على درجة الماجستير في الإدارة والإشراف التربوي . شغل وظيفة رئيس قسم الإشراف التربوي في مديرية التربية بنابلس ، ومحاضر غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة بنابلس وسلفيت

 More articles 


Arab Times Blogs
حـق الــشـفـعـة /قصة قصيرة


 كانت العلاقة جيدة بين معلم البناء " ماجد الحسن " والمستأجر " زيد اليوسف " الموظف في إحدى وزارات الحكومة ، استأجر " زيد اليوسف " منزلا مكونا من غرفتين ومنافع بمبلغ مقداره مائتا دينار سنويا ، وكان راتبه الشهري يزيد عن ذلك بقليل ، وبناء على ذلك اعتبر أن الأجرة مريحة له بالنسبة لدخله ، ولن يحصل على هذه الأجرة لمنزل بالمواصفات نفسها في موقع آخر ، فكان الموقع هو السبب الذي يكمن وراء الأجرة المنخفضة ، فهو يقع على السفح الشرقي من الجبل ، ولا يستطيع الوصول إليه إلا من خلال درج طويل صعب الارتقاء لأنه حاد قليل الميلان ، يرهق من يصعده ، والذي أجبره على استئجاره أنه كان يسكن في منزل مكون من غرفة واحدة ، وهي لا تفي بالغرض المطلوب بعد أن رزق بابن وابنة ، والشمس عزيزة عليها فلا تدخلها طيلة النهار ، كما كان يحرج كثيرا عندما يأتيه زائر حيث وضع عدة كراسي في المدخل الذي يشبه الغرفة ، أو في الساحة السماوية التي تقع أمام هذا المنزل ، كانت هذه الساحة السماوية تصب الشمس عليها أشعتها وحرارتها الشديدة في فصل الصيف ، ولا يمكن الجلوس فيها إلا بعد العصر عندما تنكسر حدة الحر ، وينشر الظل رداءه عليها ، وكانت الساحة هذه تطل مباشرة على شارع يمر منه الناس والسيارات ، فكان يحجب الجالسين فيها عن أعين المارة جدار يرتفع بمقدار متر ونصف تقريبا في وسطه باب حديدي وكان منتصفه العلوي عبارة عن قضبان حديدية متقاطعة ، والمارة يستطيعون رؤية الجالسين فيها وسماع حديثهم إن أصاخوا السمع قليلا ، ولم تنحصر فائدة الساحة بالجلوس فيها ، فكانت زوجة " زيد اليوسف " تستخدمها لنشر الغسيل ،  وكانت تتلاشى هذه الفائدة تماما في فصل الشتاء .

               بذل " زيد "  وزوجته قصارى جهدهما في البحث عن منزل متواضع يتناسب مع دخله ، وجاء الفرج من صديق عزيز يخبره عن منزل قابع باستحياء على سفح الجبل ، ذهب " زيد " لمعاينته ، وفي منتصف صعوده الدرج الموصل إليه عاد أدراجه حين وجد أن ساقيه لا تقويان على متابعة الصعود ، مع أنه كان نحيفا ممشوق القوام ، يمتاز بجسم رياضي ، فكان أثناء دراسته في المدرسة عضوا في فريق كرة القدم وكرة السلة ، وما زال يتمتع بهذه السمة ، ويحمد الله كثيرا على فضله بأنه لم تغزه الأمراض التي تنهك الجسد ، فهو ما زال بصحة وعافية ، لم ينل الدهر منه ، ولم يتجاوز منتصف العقد الثالث من العمر . ورأى أنه من المناسب غض النظر عن موضوع اسئجار هذا المنزل ، وعاود الكرة في البحث فلم يعتب حي عليه من أحياء المدينة فقد زارها جميعها ، ومع قلة المنازل التي عاينها فقد كانت جميعها لا تتفق مع المعايير التي وضعها في ذهنه ، فكان القاسم المشترك بينها جميعها أن أصحابها يطلبون فيها أجرة عالية ليس بمقدوره دفعها ، فأدى هذا إلى إعادة التفكير ثانية في استئجار منزل " شريف محسن " ، وشجعه على ذلك أنه رآه في الشارع بمحض الصدفة ، فاستوقفه يسأله عن مواصفات منزله ، وقيمة الأجرة التي يطلبها ، وبعد مداولات ليست عسيرة وافق " زيد " على أن يستأجر المنزل بعد مشاهدته .

         وبعد عدة أيام من نقل " زيد " أمتعته إلى المنزل الجديد ، والسكن فيه أخذ يلوم نفسه على استئجاره ، فما أن يضع قدمه على أول درجة من الدرجات المئتين والأربعين المؤدية إليه حتى يتذكر النصب والتعب الذي سينال منه أثناء الصعود ، فكثيرا ما كان يقف ليأخذ أنفاسه قبل المتابعة ، ولولا أعين الرقباء من الجيران لجلس على إحدى درجاته دقائق ودقائق يستجمع قواه لمعاودة الصعود ، كانت أنفاسه كالصفير المتقطع ، يسمع عن بعد يلهث ، وكأنه في سباق العدو لمسافة أميال ، وكان إدمانه على التدخين هو ما أدى إلى ذلك ، ولا ينقطع سماع هذه المعزوفة الموسيقية الصادرة عن صدره إلا بعد أن يصل إلى المنزل ، ويرمي بثقل جسده الذي لم يزد وزنه عن سبعين كيلوغرام ، على أول مقعد يصادفه في البيت ، فقد كلت ساقاه عن حمله ، ولا يستطيع أن ينبس ببنت شفة ، فحلقه وشفاهه جافه لا يستطيع تحريك لسانه إلا بعد دقائق من الجلوس وبعد أن يضع قطرات الماء في فمه ، فيقبل عليها بلهفة وشغف ، ويبقى على هذه الحال ما لا يقل عن ربع ساعة ، فيقوم بعدها يغسل العرق الذي جف على وجهه ، يعد أن استعاد بعضا من نشاطه من خلال هذا الهواء الذي كان يهب عليه من نافذة المنزل الغربية فينعشه ، وكان يعتبره الميزة الوحيدة لهذا المنزل ، وهذه الميزة تنقلب إلى ضدها في فصل الشتاء ، فالبيت يحتاج إلى تدفئة متواصلة ، ويضطر دائما إلى خلع ثيابه عندما يصل إلى البيت لأنها غرقت بماء المطر .

         بعد عدة أشهر زاره صاحب المنزل " شريف محسن " يعرض عليه أن يبيعه المنزل بسعر مغر ، فدوت في الغرفة ضحكة مثيرة للاستهجان أطلقها " زيد " ، فانقطع حديث " شريف محسن " الذي نظر إليه باستغراب متسائلا عن سبب هذا الضحك المفاجئ ، ولم يفصح " زيد " عن السبب ، فلا يريد أن يخبره أن منزله هذا يعزله عن العالم المحيط به ، فهو ينزل صباحا إلى مكتبه الذي يعمل فيه ، ويعود بعيد الظهر ، فلا يخرج من البيت نهائيا تحاشيا لصعود الدرج مرة ثانية في اليوم ، واختلق له سببا آخر ، فادعى أنه لا يملك سوى مبلغ ضئيل وفره من راتبه ، فكيف يستطيع أن يدفع ثمن هذا البيت الذي يقدر بالآلاف ، فرد عليه المؤجر يقول :

- إنك يا جار لم تفسح لي المجال في استكمال حديثي ، ولو صبرت قليلا لوجدت أنك بالشروط الميسرة التي سأبينها لك قادر على امتلاك هذا المنزل .

         فكر " زيد " قليلا ، وصمم أن يحسم الأمر معه ، فلا يعقل أن يكتب على نفسه الشقاء في صعود هذا الدرج يوميا طيلة سنين حياته ، لا لن يوافقه على رأيه ، إن هذا الدرج يقصف







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز