حمدي السعيد سالم
h.s.saliem@gmail.com
Blog Contributor since:
04 September 2010

كاتب عربي من مصر
صحفى بجريدة الخبر العربية

 More articles 


Arab Times Blogs
افهموا الملعب السياسى التركى يرحمكم الله

لايختلف اثنان أن رئيس الوزراء التركي "رجب طيب أردوغان" يعد من أكثر الشخصيات السياسية تأثيرا في التاريخ التركي منذ "أتاتورك" ومن أكثرها إثارة للجدل كذلك.... فبرغم الشعبية الجارفة التي يحظى بها أردوغان في العالم العربي وفي تركيا أيضا؛ إلا أن النقمة عليه وعلى حكومته قد بدأت في التصاعد إلى حد أفضى إلى اندلاع مظاهرات ضده فى تركيا كلها !!...وقد وصل السخط الشعبي ضد حكومة أردوغان منذ شهور بسبب العنف الذي قوبل به المحتجون على إزالة أشجار في "تقسيم" في "إسطنبول لإقامة مول تجاري مكانها والذي استخدمت فيه قوات الأمن الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين..... كما وانتقلت المظاهرات إلى مدن تركية أخرى كأنتاليا والعاصمة أنقرة....هذه الايام فشلت خدعة التغيير الوزاري التي حاكها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان علي عجل خلال الساعات الماضية في محاولة يائسة لاحتواء تداعيات أكبر فضيحة فساد تضرب الحكومة التركية منذ صعوده إلي السلطة‏....‏فقد تصاعدت أمس الهتافات المطالبة بسقوط أردوغان خلال موجة جديدة من المظاهرات الحاشدة اجتاحت المدن مساء أمس الأول للتنديد بتفشي الفساد الحكومي....فقد شهدت مدن اسطنبول وأنقرة وإزمير وبالكسير وبورصا ومرسين وإسكيشهير وموجلا وآيدن مظاهرات حاشدة تطالب باستقالة رئيس الوزراء التركي إثر أكبر فضيحة فساد في تاريخ الجمهورية التركية كما تصفها أحزاب المعارضة....وردد المتظاهرون في أحياء بشكتاش وقادي كوي بوسط اسطنبول هتافات ضد أردوغان وحكومته الفاسدة, مطالبين بمثول الوزراء المتورطين في فضيحة الفساد الكبري أمام محكمة الديوان العليا لنيل جزائهم العادل.

كما انطلقت مظاهرات من ميدان طونالي حلمي بيه بوسط أنقرة حتي شارع كندي تطالب باستقالة أردوغان رافعين شعار حان الوقت لاستقالة أردوغان, و ثورة الشعب ستتسلم السلطة, والشعب سيطهر قذارة حكومة أردوغان, ووداعا أردوغان, واستقالة الوزراء ليست كافية, والشعب ضد فساد الحكومة....كما رشق المتظاهرون في مدينة كوجالي مقر حزب العدالة والتنمية الحاكم بالحجارة وألحقوا به أضرارا مادية جسيمة, حيث تحطمت الواجهة الزجاجية للمبني وتضرر عدد كبير من السيارات المتوقفة في موقع الحادث....واندلعت اشتباكات عنيفة في أنقرة واسطنبول بين قوات الشرطة والمتظاهرين, حيث استخدمت قوات الأمن قنابل الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه لتفرقة المتظاهرين من الميادين, فيما استخدم المحتجون الحجارة في مواجهة الأمن....كما انتشرت دعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي علي الإنترنت لتنظيم مظاهرات حاشدة في ميدان تقسيم الشهير باسطنبول.....وتزامن تصاعد الغضب الشعبي مع إعلان الرئيس التركي عبد الله جول موافقته علي التشكيل الجديد للحكومة الذي قدمه أردوغان مساء أمس الأول. وشمل التعديل, تعيين نائب جديد لرئيس الوزراء وتسعة وزراء جدد.....يجب ان يعلم الجميع أن سبب الغضب العارم فى تركيا يعود الى أنه عندما نجح حزب العدالة والتنمية في الفوز بالانتخابات العامة في تركيا عام 2002، كان برنامجه الذي صوت الأتراك لصالحه يقوم على محاربة ثلاثة عناصر رئيسية: الفساد، وقمع الحريات، والفقر....لكن بعد مرور 11 عاما على تولي رجب طيب أردوغان السلطة، تبين أن الحزب كان يحارب الفساد على المستويات الصغيرة فقط، من دون الاقتراب من قضايا فساد الكبار..... فمنذ عشر سنوات كانت من المظاهر الطبيعية في اسطنبول أن يتلقى ضابط المرور رشوة لكي يغض الطرف عن مخالفة ما، وهو ما هبطت معدلاته بشكل ملحوظ الآن....

القضاء على فساد المستويات الصغيرة في الحكومة جعل الأتراك يعتقدون أن حزب العدالة والتنمية نجح بالفعل في معركته ضد الفساد في مؤسسات الدولة بشكل عام، وقضى عليه، لذلك فإن القضية التي تم الكشف عنها من قبل الجهات القضائية التركية ستكون لها ثلاث تبعات رئيسة منها : أنها ستؤثر كثيرا على النظرة العامة لحكومة حزب العدالة والتنمية في أعين داعميها، وبين القاعدة الجماهيرية التي يعتمد عليها أردوغان في كل مرة للتصويت له، ما ينبئ بأن الحزب سيفقد نسبة كبيرة من الأصوات في الانتخابات العامة القادمة...أما على المستوى الدولي، فإن القضية تكشف النقاب عن حقيقة جديدة في العلاقات بين أنقرة وطهران، وهي أن تركيا تحولت إلى أحد المحطات الهامة التي اعتادت إيران على غسل الأموال بها خلال مناوراتها المستمرة في مواجهة العقوبات الإقتصادية..... فقد تطرقت الجهات القضائية إلى أن أحد البنوك المملوكة للدولة شارك في غسيل 100 مليون دولار من الأموال الإيرانية داخل الأراضي التركية، قبل أن يتم ضخها بعد ذلك في السوق العالمية على أنها أموال تركية، وهو ما إن ثبت صحته، سيشكل عائقا كبيرا أما ملف انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، الملف الذي يعاني من عراقيل تتعلق بمعايير الانضمام وقضايا حقوق الإنسان.....كل ذلك يقود إلى مشكلات أخرى على المستوى الإقتصادي، فإذا ثبت تورط رجال أعمال لهم استثمارات ضخمة في قطاع البناء والعقارات، فسيتأثر ذلك القطاع بشكل كبير، وهو ما سيعود بالسلب على أداء الحكومة بشكل عام.... وقد بدأ ذلك بالفعل في الانخفاض الحاد فى أسهم “بورصة اسطنبول” خلال اليومين الماضيين، وكذلك ترنح الليرة التركية أمام الدولار واليورو، وهو ما يؤشر إلى إمكانية حدوث اضطرابات عنيفة قد تهز الاقتصاد التركي برمته خلال الأسابيع المقبلة.....

لكن التأثير الاجتماعي جراء تلك الفضيحة يظل هو التأثير الأعمق على الشبكة التي تنظم القوى المجتمعية المختلفة في تركيا... فقد أثبتت الانتخابات الأخيرة أن ما يقرب من 50 % من تعداد الناخبين الأتراك كانوا يدعمون، بشكل أو بآخر، حزب العدالة والتنمية ورئيس الوزراء آنذاك، لأسباب متعددة، على رأسها الدين....هذه الفضيحة بالنسبة إلى هؤلاء هي في جوهرها مساس مباشر بعقيدتهم التي قادتهم للتصويت لهذا الحزب، وبالتالي فإن ذلك سيساهم قطعا في اعتقادهم بأن النظام “الإسلامي” الحالي لا يختلف كثيرا عن الأنظمة التي سبقته، وهو ما قد يؤدي إلى انعدام الثقة في الإسلام السياسي بشكل عام، وانهيار “الأردوغانية” نظريا إلى الأبد....إدراك النظام التركي لهذه الحقائق دفعه إلى فصل 5 ضباط شرطة كبار كانوا قد بدأوا فتح ملفات القضية، اعتقادا منه أنه بذلك سيتمكن من دفن القضية، وسيدفع الأتراك إلى نسيانها. لكن بعد مشاهدة مقطع الفيديو الذي يعرض أحد وزراء حكومة أردوغان وهو يتلقى 1.5 مليون دولار على سبيل الرشوة، من الممكن وصف تلك المحاولات باليائسة.... تعالوا بنا نعود الى الخلف قليلا لكى تتضح الصورة أكثر وأكثر ...في مايو الماضي، قام رئيس الوزراء التركي بزيارة إلى واشنطن ألقت حينها الضوء على استغلال الولايات المتحدة لأردوغان باعتباره رجلها الأول في منطقة الشرق الأوسط.... لكن في الخلفية المظلمة كانت هناك زيارة سرية لا تقل أهمية بالنسبة للأتراك عن زيارة أردوغان لواشنطن. ففي أثناء زيارته أوفد أردوغان نائبه إلى فتح الله كولن،المقيم في ولاية بنسيلفانيا الأميركية، لتخفيف التوتر الذي تشهده العلاقات بين الحكومة التركية والجماعة المعارضة.....جماعة فتح الله كولن، ذات النفوذ الواسع الذي يعبر حدود تركيا، كانت حليفا قويا لحزب العدالة والتنمية منذ انشقاق أردوغان ورفاقه من تيار أربكان، وأثمر هذا التحالف عن معركة شرسة ضد “الدولة العميقة” لعب فيها كل من حزب العدالة والتنمية وجماعة كولن أدواراً هامة، انتهت بخلافات عميقة بينهما....

أردوغان ورفاقه مهما تخلوا عن الخط السياسي لتيار أربكان واقتربوا من خط الرئيسين السابقين، عدنان مندريس وطرغوت أوزال، فإن خلفيتهم الأيدلوجية ما زالت تحمل بصمات البيئة التي ينتمون إليها، أما فتح الله كولن، فكان دائما يحرص على وضع مسافة بين جماعته وتيار أربكان الذي يطلق على نفسه حركة “ملِّي غوروش” أي “الرؤية الوطنية”.... وبسبب هذه الخلفيات المختلفة ظهرت اختلافات في بعض المواقف، مثل انتقاد فتح الله كولن انطلاق سفينة مرمرة دون التنسيق مع إسرائيل وسقوط تسعة مواطنين أتراك “في مواجهة لم تكن تركيا بحاجة إليها”، بينما كانت حكومة أردوغان تؤيد أسطول الحرية.... ثم جاءت في فبراير 2012 أزمة استدعاء رئيس الاستخبارات التركية “هاكان فيدان”، للإدلاء بأقواله بصفة المشتبه به في قضية اللقاءات مع قادة حزب العمال الكردستاني وتسهيل تواصلهم مع أوجلان، واتهمت أطرف مقربة من الحكومة التركية جماعة فتح الله كولن بمحاولة تصفية فيدان لوقوفه سدا منيعا أمام سيطرة الجماعة على جميع المناصب الحساسة....اللافت أن وسائل الإعلام التابعة لجماعة فتح الله كولن والأقلام المقربة منها كثّفت في الآونة الأخيرة انتقاداتها لحكومة أردوغان وتركزت هذه الانتقادات على الأسلوب الذي تعالج به حكومة أردوغان مشكلة حزب العمال الكردستاني، رغم إعلان زعيم الجماعة كولن دعمه لعملية السلام التي أطلقتها الحكومة التركية....علاوة على ذلك كان موقف حكومة أردوغان من الثورة السورية له نصيب أيضا من هذا التصعيد، حيث بدأ ممثلو الجماعة يتهمون الحكومة بأنها أخطأت في حساباتها في الملف السوري واستعجلت في تبني موقف متقدم وحاسم، ويقولون إن السياسة الخارجية التركية تتسم إلى حد ما بالتهور والرومانسية وغير الواقعية... بعد ذلك مباشرة تواردت الأنباء عن تصفية واسعة في جهاز الاستخبارات التابع للشرطة طالت عددا من المدراء المحسوبين على الجماعة....

مما لاشك فيه أن هناك صدمة في تركيا حيث تسخر مواقع التواصل الاجتماعي من “جنون الورقة الخضراء” الذي تملك هذه الشخصيات المتورطة فى الفضيحة .... لكن توقيت اندلاع الفضيحة شكل أسوأ ما فيها بالنسبة للحزب الحاكم ورئيس وزرائه، الذي انطلق خلال الأيام الأخيرة في افتتاح الحملة الانتخابية لحزبه استعدادا للانتخابات البلدية المقررة في مارس في مهرجانات ضخمة.... لذلك أرى كمراقب ومحلل سياسى أن الثمن الذي سيدفعه أردوغان على الصعيد الانتخابي، بسبب هذه القضية التي تدل على عمق النزاع بين الحكومة وجمعية فتح الله كولن، قد يكون باهظا.... لكن يبدو أن أردوغان مصر على الهروب إلى أبعد نقطة في هذه القضية.... فقد صرح رئيس الوزراء التركي أن هذه الفضيحة هي جزء من مؤامرة مدبرة ضد الحكومة.... لذلك اربط من وجهة نظرى تصريحات أردوغان بالخلاف الحاد بينه وبين الزعيم الإسلامي التركي فتح الله كولن، والذي من المرجح أن تكون له علاقة بتحريك القضية، خاصة وأن نفوذ جمعية كولن ممتد في مواقع مؤثرة في الدولة كوزارة الداخلية والقضاء....وخير مثال على صدق كلامى وصحة وجهة نظرى القرار الذى اعلنته الحكومة التركية عن خطط لإغلاق مدارس خاصة وقاعات استذكار، ضمن خريطة تخفيض الدعم المدرسي وتحويلها إلى منظومة التعليم الحكومية، وهو ما مثل ضربة موجعة لتيار كولن، حيث أن تلك المدارس تعد مصدراً للمال والتأثير له، مما جعل كولن ينتقده في تصريحات علنية بسوء التصرف، ووصف ممارسات أردوغان بالديكتاتورية والمستبدة، في الوقت الذي أعلنت فيه حركة كولن أنها تقاوم وقررت حماية مصالحها....

على صعيد أخر تعالوا لنفتح نافذة جديدة تساعدنا على فهم اوردغان وسياسته حيث يطيب لرجب طيب اردوغان و لانصاره ومحبيه و وسائل اعلامه، تشبيهه بالسلطان العثماني سليم الاول، وان الكثيرين يطيب لهم اطلاق لقب سليم الثاني علي اردوغان....ولم يتوقف اعجاب اردوغان بالسلطان سليم الاول الي هذا الحد، بل اطلق اسم هذا السلطان علي الجسر الثالث الذي يُقام حاليا علي مضيق البسفور والذي من المقرر ان يفتتح عام 2015....الکثير من الجهات السياسية والحزبية والنخب والمثقفين واقليات دينية ومذهبية وقومية نصحوا اردوغان بعدم اطلاق اسم السلطان سليم الاول علي الجسر الثالث الذي يربط ترکيا الاسيوية بترکيا الاوروبية، وحذروه من ان اسم هذا الجسر سيفرق الاتراك ولايجمعهم، ولکن اردوغان کعادته تجاهل هذه التحذيرات ولم يعبأ بها....الملفت ايضا ان خطة تطوير ميدان تقسيم تتضمن اعادة بناء ثكنة عسکرية ضخمة بناها السلطان سليم الاول وسط اسطنبول، کانت مقرا لتجمع الجيش الانکشاري الذي انطلق منها لاحتلال بلاد الشام والعراق ومصر وشمال افريقيا !!...من أجل الابتعاد قدر الإمکان عن اطلاق الکلام الذي يأخذ منحي التاکيد والتوثيق للوصول الي الاسباب الحقيقية وراء بعث العثمانية الجديدة لرمز من رموز التراث العثماني وهو السلطان سليم الاول، لذلك سنمر مرورا سريعا علي شخصية هذا الرجل وطباعه واهم مراحل حياته، من مصادر تاريخية تميل الي تمجيد تاريخ الدولة العثمانية ورجالها ورموزها وليس من مصادر تاريخية کتبت بقلم منتقديها، وعندها نترك للقاريء ان يکشف هو بنفسه سر کل هذا الاعجاب للعثمانيين الجدد بهذه الشخصية وسعيهم لبعثها من جديد، وبالمقابل يکشف سر محاولة معارضي اردوغان لدفن تاريخ الرجل او علي الاقل عدم اللجوء الي بعثه وتضخيمه....

السلطان سليم الاول او ياووز سليم کما في الترکية هو تاسع سلاطين الدول العثمانية واول سلطان عثماني لقب نفسه بأمير المؤمنين، حکم الدول العثمانية من عام 1512 الي 1520 يلقب من قبل الاتراك بالقاطع ومن قبل البريطانيين بالعابس ومن قبل الفرنسيين بالرهيب، وصل الي سدة حکم الدول العثمانية بعد ان عزل والده ثم قتله بالسم، کما قضي علي جميع اخوته واحدا تلو الاخر بمساعدة الجيش الانکشاري، کان اول سلطان عثماني يترك الفتوحات في اوروبا بعد عقد معاهدة صلح مع المجر وصب جل اهتمامه علي الشرق وارتكب مجازر عديدة خاصة بحق الشيعة راح ضحيتها عشرات الالاف الامر الذي ترك جرحا عميقا في الجسد الترکي الي اليوم، لاسيما لو علمنا ان السلاطين العثمانيين الذين جاؤوا بعده مارسوا هذه السياسية البغيضة ضد الاقليات المذهبية في الدولة العثمانية....لذلك سنتطرق الي نقاط اعلنها اردوغان ورفاق دربه في حزب العدالة والتنمية وفي مقدمتهم رئيس الدبلوماسية الترکية احمد داود اوغلو ولن نزيد عليها.... الا اننا نرجو من القاريء اللبيب ان يستحضر تلك السطور الخاصة بالسلطان سليم الاول عند تناولنا هذه النقاط... فمثلا التوجه العام لترکيا الاتاتورکية کان دائما صوب الغرب، بينما اهتمام ترکيا في ظل حکومة حزب العدالة والتنمية، منصب علي الشرق....صحيح ان الاهتمام لم يکن عسکريا عبر الجيش الانکشاري، بل اقتصاديا واعلاميا وثقافيا کما اراد له المنظر اوغلو، الا ان ترکيا انزلقت وهي في خضم التوجه شرقا، الي المستنقع السوري عبر مواقف اقل مايقال عنها انها جاءت اکثر تطرفا من مواقف حتي صقور المعارضة السورية، حيث استخدم اردوغان، اقسي العبارات ضد الرئيس السوري بشار الاسد، وفتح حدود بلاده مع سوريا امام المجموعات المسلحة وتهريب الاسلحة واقام معسکرات التدريب لهذه المجموعات داخل اراضيه واحتضن المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسکري...وحاولت الحکومة الترکية ومازالت لتحريض امريکا وحلف الناتوعلي التدخل العسکري في سوريا لاسقاط نظام بشار الاسد، او علي الاقل فرض منطقة حظر جوي في هذا البلد وتسليح المعارضة باسلحة متطورة وفاعلة....

الموقف الترکي من الازمة السورية جاء متأثرا بالثورات التي شهدتها تونس ومصر وليبيا، وخاصة ليبيا، واعتقد اردوغان ان السيناريو الليبي سيتکرر في سوريا لامحالة ، لذلك سارع الي اتخاذ تلك المواقف المتطرفة من جارته الجنوبية، التي کانت ترتبط مع بلاده بعلاقات استراتيجية سياسية واقتصادية، علي امل ان تکون حصته من الکعکة السورية اکبر بکثير من علاقات اقتصادية محدودة مع الاسد....الرياح لم تات کما اشتهت حکومة العدالة والتنمية ولم يسقط النظام السوري، رغم مضي اکثر من عامين، فلم يجد اردوغان من سبيل الا مواصلة نهجه الذي بدأه وعلي استحياء علي الاقل من اجل حفظ ماء الوجه....هذه المواقف الاردوغانية من سوريا، اثارت حفيظة المعارضة الترکية وقطاعات واسعة من الشعب الترکي، التي اعلنت وباشکال مختلفة رفضها توريط بلادهم في ازمة لا ناقة لهم فيها ولا جملا. وحتي ان البعض اخذ يلمز بان حکومة اردوغان دخلت وتحت ضغوط امريکية في تحالف دولي يهدف الي اسقاط النظام السوري خدمة لجهات اقليمية....وفي اطار التوجه نحو الشرق ايضا، اتخذ اردوغان ذات المواقف السابقة ولکن هذه المرة ضد نظيره العراقي نوري المالکي، وهي مواقف لم تجرأ حتي بعض الدول العربية التي تناصب رئيس الوزراء العراقي العداء علي اتخاذها، وعلي اثرها هبط مستوي العلاقات بين ترکيا والعراق الي ادني مستوي لها....

الملفت ان نظرية اوغلو المبنية علي لاوجود لجيران اعداء لترکيا او اعداء جيران صفر او صفر مشاکل، تحولت بفضل النظرة الي الشرق المنبعثة من العثمانية الجديدة الي جيران اصدقاء صفر او سلام صفر....ومن ذات النفس الاردوغاني، الصق اردوغان کل بذيئة بمعارضيه في الداخل واتهمهم بشتي انواع التهم، وقام بالترويج لرموز من التراث العثماني، لم ولن تکن في اي حال من الاحوال موحدة او باعثة علي الاطمئنان والانسجام بين ابناء الشعب الترکي، لاسيما بين العلويين الاتراك والاکراد، والذين يبلغون 20 مليون نسمة...
لذلك كمحلل سياسى ومراقب للشأن التركى استغرب من حدة الطبع لدي اردوغان ومحاولته الدائمة للظهور بمظهر الرجل القوي وغير المساوم والرافض للحلول الوسط، کما في قضية تعامله مع جنرلات الجيش والاعلام وکما هو الحال الان مع الشباب الذي نزل الي الميادين التركية والرافض اصلا للعثمانية الجديدة....لذلك اجزم ان موقف اردوغان الحازم من التظاهرات والمتظاهرين، بدأ يدق، کما تقول بعض التقارير والعارفين بدهاليز السياسة الترکية ، إسفينا بينه وبين رفيق دربه رئيس الجمهورية عبدالله غول، الذي لم يوافق اردوغان علي اسلوبه بالتعامل مع هذه الازمة التي لاتستحق ان يضحي الحزب بکل تاريخه من اجلها ودعاه ان يصغي لاصوات الشباب وعدم تجاهلهم، وتوقعت هذه التقارير ان تحصل انشقاقات داخل الحزب بسبب ذلك على خلفية أزمة ميدان تقسيم ....الشباب الذي نزل الي ميدان التقسيم جاء رافضا لمخططات تکميم الافواه و وضع اکثر من خط احمر امام وسائل الاعلام، الي درجة تصدرت فيها ترکيا قائمة البلدان التي يقبع في سجونها اکثر عدد من الصحفيين في العالم، الشباب نزل للحيلولة دون استمالة اردوغان لاحزاب الاقليات وفي مقدمتهم الاکراد للحصول علي اغلبية برلمانية بهدف تغيير الدستور الترکي من النظام البرلماني الي النظام الرئاسي لتکون الطريق سالکة امامه للبقاء أطول فترة في سدة الحکم، ولم ينزل هؤلاء الشباب من اجل قطع بضعة اشجار او تطوير ميدان....تشير اغلب التقارير الي ان الاقتصاد الترکي معرض للاصابة بنکسة خطيرة في حال تواصلت التظاهرات والاحتجاجات في المدن الکبري ومن بينها اسطنبول وانقرة، فهذا الامرسيؤدي الي هروب اصحاب رؤوس الاموال والاستثمارات من ترکيا، التي يعتمد اقتصادها بشکل کبير علي المستثمرين الاجانب، والمعروف ان الاستثمارات والاضطرابات نقيضان لايجتمعان، الامر الذي يهدد الاقتصاد الترکي بالصميم والذي اظهرت الاضطرابات مواطن ضعفه....

على الناحية الاخرى من النهر من المعروف أن الدول الغربية تستخدم حلفاءها أو ـ أدواتها ـ حتى تنتهي صلاحياتهم أو ينتهي دورهم فترميهم أو تتخلى عنهم، بل وقد تعاقبهم على فشلهم.. وفي الحالة التركية مع حكومة حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان، فهناك أكثر من ملاحظة يمكن إلقاء الضوء عليها للجواب عن السؤال التالي؛ هل الغرب تخلّى عن أردوغان وحكومته الإسلامية أم لا؟ لان الاجابة عن هذا السؤال الخطير هى مفتاح الحل للمظاهرات الجارية فى تركيا !!.. لذلك انشط ادمغتكم للبحث عن حل للسؤال المطروح ... واطرح وجهة نظرى من خلال القول :أن أوروبا ليست على عجلة من أمرها لانضمام تركيا، كقوة إسلامية عملاقة، إليها.... والسبب أن النادي الغربي المسيحي يجد فوارق كبيرة بين دوله وتركيا وبينه ..لذلك وضع الكثير من الشروط والمعايير لدخول تركيا إلى النادي الأوروبي. وبالتأكيد ستظهر معايير أخرى جديدة بعد انتفاضة الشعب التركي ضد تسلط حكومة أردوغان وتكسّر النموذج التركي وتهشّم صورة الديمقراطية التي يدّعي رئيس الوزراء التركي ممارستها في بلاده.... هذا إذا حسنت النوايا.... أما إذا افترضنا العكس فالسؤال حقيقة هو؛ ما هي حاجة أوروبا المنهكة بالأزمات المالية والاقتصادية وارتفاع معدل البطالة لضم بلد مثل تركيا إليها!؟ من هنا، فلا نستغرب أن تترك أوروبا أردوغان وحكومته يترنحان تحت حركة الشارع التركي حتى تضعف تركيا كلها أكثر فأكثر وتتراجع قوتها وتبتعد سنوات أخرى عن أوروبا! مَن يحتاج في أوروبا إلى عقل عثماني يبحث عن السلطنة في القرن الحادي والعشرين؟؟ ألا يلاحظ أردوغان عجز وحدود الدور الأوروبي في مساعدة اليونان والبرتغال...الخ !!...

من ناحية اخرى عدم حاجة أمريكا لتركيا يدفعها للتخلي عنها، ويمكن تبيان أكثر من سبب لهذا الاتجاه؛ إن زيارة أردوغان الأخيرة لواشنطن فشلت فشلاً ذريعاً، وهو لم يستطع تحقيق أي من آماله أو طموحاته التي ذهب بشأنها ولاسيما في الشأن السوري؛ بل أكثر من ذلك فقد أجمعت أغلب التعليقات أن أردوغان واجه مطالب أمريكية كثيرة ليس أقلها التوقف عن دعم "جبهة النصرة" التي ترتبط بتنظيم القاعدة وتقاتل في سورية ضد الدولة السورية؛ وقد ظهر التباين الأمريكي ـ التركي واضحاً بشأن كيفية التعامل مع الأزمة السورية، وظهر التحول في الموقف التركي من الأزمة في سورية واضحاً بعد عودة أردوغان.... وبالنتيجة، فماذا يمكن أن تقدم تركيا للولايات المتحدة في ظل الأوضاع والمتغيرات الدولية الحاصلة!!... امريكا هى الشيطان الاكبر على وجه الارض وهى التى كانت تصفق لتركيا الاوردغانية وهى تعبث باستقرار الشرق الاوسط الجيوسياسى !!.. وهى أكبر داعم لمشروع اوردغان الاخوانى ... وهى التى تأوى فى اراضيها جماعة فتح الله كولن اكبر معارض لاوردوغان ... حيث تشير كل الدلائل الى ان جماعة فتح الله كولن هى التى تقف خلف المظاهرات الاخيرة التى تعصف بحكومة اوردغان !!!.. من كل ما تقدم نعلم ان امريكا تحرك خلف الستار !!! فهل هى قرصة أذن صغيرة لاوردوغان أم أن امريكا تخلت عنه وتركته يلقى مصيره !!...

الاحداث والمظاهرات كشفت عدم قراءة أردوغان وفهمه للمتغيرات الدولية بشكل صحيح؛ حيث اعتبر رئيس الوزراء التركي أن التراجع الأمريكي والانكفاء عن الشرق الأوسط يعطيه الحق في التقدم لممارسة دور شرطي المنطقة و"قبضاي الحارة"، ونسي أن القوة الروسية العائدة للمسرح الدولي بشكل حازم وواثق، والعالم المتعدد الأقطاب الذي يجري بناؤه، وإيران التي تحيك سجادتها في المسرح العالمي منذ عشرات السنوات، وكل أصدقاء سورية، وكل أعداء تركيا وما أكثرهم، لن يسمحوا له بذلك لا في الشأن السوري ولا في شأن حماية مصادر الطاقة وحماية طرق إمدادها وسوق استهلاكها... والأساطيل الروسية الموجودة والقادمة إلى البحر المتوسط ليست في رحلة سياحية، بل لترسو هناك لحماية "الأمن القومي الروسي" كما أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه....والأهم من ذلك، هو التناغم الروسي ـ الأمريكي المتزايد لتجنّب تكرار أخطاء الحرب الباردة أو أي مواجهة لا تخدم الطرفين..... وقد تكون نتائج قمة الرئيسين الروسي ونظيره الأمريكي باراك أوباما في إيرلندا، أوضحت رسالة لمن يريد أن يفهم كيف يجري تقاسم المغانم والمصالح.... أوباما ـ بوتين لايفضلان العنتريات والشعارات الفضفاضة وفكرة الحروب المحلية التي تستنزف وقتهما وتضغط على اهتماماتهما ومصالح بلديهما وشركائهما في المنطقة والعالم.... وعليه لايستبعد المرء أن يترك الطرفان العربة التركية تسير بأقصى سرعتها بعد نزع فراملها من قبل أردوغان نفسه!..لأن عناد أردوغان (توازي هذه الكلمة الغباء، لأنها مكابرة وليست ثباتاً على الموقف) وتحديه وغروره و"مجاكرته" واحتقاره لشعبه تجعلنا نقول إن تركيا تسير نحو الهاوية بثبات.... ومع مرور أكثر من أسبوع على الانتفاضة الشعبية التركية المستمرة، سيصبح طبيعياً أن نتوقع استمرارها أكثر ولاسيما أن صورة أردوغان بهتت وتشوّهت وأصبحت سلبية وغليظة ومملّة أكثر، وأنه سيصبح من الصعب أكثر إيقاف العربة التركية المسرعة نحو الهاوية...في نهاية الحرب العالمية الأولى خسرت تركيا- وبسبب خياراتها الخاطئة- الكثير من إقليمها وحجمها، وخسرت مكانتها وتقاسم العالم تركة "الرجل المريض"... وفي القرن الحادي والعشرين وبعد مغامرة أردوغان المجنونة في سورية وسعيه لدور سلطاني في المنطقة، لماذا لا يتكرر السيناريو وتخسر تركيا من جديد وتدفع ثمن خياراتها الخاطئة وتقسّم أكثر لتصبح دولاً إقليمية عادية لاتشكل خطراً على أحد!...

هل يذكر أردوغان أن الغرب لايهمه سوى مصالحه، وإذا اقتضت تلك المصالح أن يُسقط الغرب تركيا ويُمزّقها، فلن يتردد!؟ ربما يعرف أردوغان ذلك ولكنه لا يتذكره، أو لا يريد أن يتذكّره، لأن شهوة التسلط والسيطرة تعميه الآن بالتأكيد!!...وبات من المرجح أن تركيا تتــجه نحو عام التغيرات (2014) في الخارطة السياسيــة مــع الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وأن قواعــد رئيس الوزراء التركي تتآكل في عد تنازلي سيشكل نقطة تحول هامة في تاريخ حركات الإسلام السياسي التركية علــى المدى البعيد...ليس امام اردوغان في هذه الحالة من سبيل سوي الاصغاء لصوت الشعب ،والكف عن العثمانية الجديدة التي ينادي بها اردوغان وضرورة الکف عن النفخ فيها وبعثها ، وعليه ان يصغي للحکماء من حزبه ومن يريد لترکيا ولشعبها الخير والتقدم ، والا يکتفي بالاصغاء للصقور من اعضاء حزبه من الذين يعتقدون ان الحياة لن تُدرك الا من خلال رؤية السلطان سليم الاول لها ، وان العثمانية الجديدة هي قدر ترکيا . لقد فات هؤلاء ، وهم يمتطون صهوة صناديق الاقتراع ، ان هذه الصناديق وان منتحتكم فرصة للحکم وادارة شؤون البلاد ، الا انها لن تمنحك الحق في استنساخ البشر عن نسخة واحدة ، وجعل الاخرين يفکرون کما تفکر ويقولون ماتقوله ويلبسون ما تلبس ، لاسيما في مجتمع مؤلف من اقليات کبيرة کما هو حال المجتمع الترکي .... فالتطبيق العملي لمثل هکذا نظرية يعني صهر الجميع وسحقهم في بوتقة الاغلبية وهو امر سيعود وبالا علي اصحابه....هذا الفهم الخاص للديمقراطية هو بالضبط مافهمه اردوغان عندما هدد المتظاهرين ان انصاره سيلقنوهم درسا عبر صناديق الاقتراع ، الامر الذي سيجعل من العثمانية الجديدة-;- عقب أخيل اردوغان دون ان يعلم ، او قد يعلم ولکن علي وقع المواجهة بين الجيش والمتظاهرين ، عندها سيکون الاوان قد فات !!... افهموا الملعب السياسى التركى يرحمكم الله !!!...

حمدى السعيد سالم
صحافى ومحلل سياسى







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز