د. جيمس الزغبي
jzoby@aaiusa.org
Blog Contributor since:
03 December 2007

Dr. James Zogby is president of Arab American Institute in Washington .DC

 More articles 


Arab Times Blogs
من أجواء عيد الميلاد

في ظل غياب الأمن المتزايد، سيحتفل المسيحيون في أنحاء المشرق العربي بعيد الميلاد، وبينما يواجهون ظروفاً مخيفة في الوقت الراهن كما كانت الحال عندما ولد المسيح، توجد أيضاً نقاط مضيئة تضيء الطريق إلى الأمام.


Description: http://www.alittihad.ae/styles/images/adverttop.png
 
 

Description: http://www.alittihad.ae/styles/images/advertbottom.png
 

ومنذ نحو ألفي عام، كانت فلسطين تحت الحكم الروماني القاسي، وكان يمكن لليهود ممارسة عباداتهم في معبدهم في القدس، لكن بسبب الصعوبات المتعددة التي واجهوها تحت الاحتلال، انتقل كثير منهم إلى مستعمرات مترامية الأطراف في أنحاء الإمبراطورية الرومانية.

وعندما ظهرت العقيدة الجديدة للمسيحيين، واجهت أيضاً اضطهاداً من مصدرين منفصلين هما المؤسسة الدينية غير المتسامحة في فلسطين التي رأت أن هذه العقيدة الجديدة تمثل تحدياً لسلطتها، ومن الحكام الرومان الذين كانوا يخشون من أن المجموعة الجديدة ستكون قوة مزعزعة للاستقرار.

وعلى مر التاريخ، بقيت المجتمعات المسيحية في أنحاء الشرق الأوسط، في مواجهة الحرب والاضطهاد، ولا تزال متواجدة حتى يومنا هذا. والمسيحيون الأصليون في المشرق العربي ينضوون تحت رعاية كنائس تعكس شعائرها المتنوعة التاريخ المعقد والمضطرب لهذه المنطقة.

وعلى مر العام الطقوسي، تحتفل هذه الكنائس بشعائرها القديمة في كافة المناطق المذكورة في الإنجيل التي تشمل القدس وبيت لحم والناصرة وأنطاكية وصيدا وصور وفي مصر والعراق، ومناطق أخرى في أقصى الشرق.

وعلى رغم ذلك، بينما يجتمع المسيحيون العرب العام الجاري للاحتفال بميلاد المسيح، فإن «السلام المنشود على الأرض والنوايا الحسنة تجاه البشر» ستبدو خلال العام الجاري على أفضل تقدير كحلم بعيد المنال.

ولا تزال مدينة بيت لحم، مهد ميلاد المسيح، تحت الاحتلال الإسرائيلي، مع عزل سكانها من المسيحيين والمسلمين عن أراضيهم بجدار خرساني قمعي ارتفاعه ثلاثون قدماً ومستعمرات استيطانية ضخمة. ونتيجة لذلك، فإن فقدان الحرية وضياع الأرض والفرص تمثل محصلة خسائر فادحة جداً على هذه «المدينة الصغيرة» التاريخية.

وعلى رغم أن المسيحيين يمكنهم ممارسة شعائرهم، لكنهم بالتأكيد لا يستطيعون الانتقال بحرية وممارسة التجارة أو الاطمئنان على مستقبل أبنائهم.

ومن بين التأثيرات المباشرة لهذه السياسات شلّ مدينة بيت لحم ذائعة الصيت المشهورة بصناعات الصدّف ومنتجات الزيتون، وكنتيجة إضافية لضغوط الاحتلال نفي كثير من شباب المدينة.

وإذا كان كل شيء على غير ما يرام بالنسبة للمسيحيين في مهد ميلاد المسيح، فإن حالهم أسوأ بكثير في عدد من بلاد المشرق العربي الأخرى، فمع استمرار الصراع الطائفي في العراق والآن في سوريا، تتعرض الكنائس المسيحية القديمة في هذه الدول إلى كثير من المخاطر.

وقد أفضى الغزو الأميركي للعراق إلى انهيار النظام، وهو ما أدى بدوره إلى نشوب التمرد وفي النهاية إلى صراع طائفي، وفي ضوء تطهير الجماعات المسلحة للمناطق والمجتمعات من خصومها، بات المسيحيون العُزل مطوقين ومستهدفين عن عمد من قبل المتطرفين الذين فجروا كنائسهم ومواقع أعمالهم.

وأثناء الأعوام الخمسة الأولى من الاحتلال الأميركي للعراق، أجبر ما يربو على نصف المسيحيين العراقيين على الرحيل، وبقي من ظلوا يعيشون هناك في أجواء من الخوف على سلامتهم.

وفي غضون ذلك، تحول الصراع في سوريا، الذي بدأ كحركة احتجاجية من أجل الحرية حاول النظام إخمادها بقسوة، إلى حرب أهلية شرسة، وبمرور الوقت، أخذ القتال بعداً طائفياً فاقمته قوى حولته إلى حرب بالوكالة.

وبين سندان النظام ومطرقة المتطرفين، مثلما أوضح أحد السوريين، يقف المسيحيون في المنتصف ويدفعون ثمناً باهظاً، مع تدمير كنائسهم واختطاف اثنين من الأساقفة على أيدي مجموعات متطرفة مجهولة. وتخضع مدينة معلولا التي يتحدث سكانها باللغة الآرامية لسيطرة جماعة تابعة لتنظيم «القاعدة» أسرت اثنتين من راهباتها من دير في المنطقة.

وفي وجه هذا العنف والدمار، انضم نصف المسيحيين السوريين إلى مواطنيهم المسلمين كلاجئين، ويعيش الباقون أسرى للخوف من المستقبل.

وأما مصر فهي موطن أكبر مجتمع مسيحي في المنطقة، حيث تمثل الكنيسة القبطية ما يتراوح بين ثمانية وعشرة في المئة من تعداد السكان في البلاد. ونظراً لحجمه وتأثيره، يعيش هذا المجتمع في ازدهار على رغم وجود مشكلات مستمرة، ومع حكم «الإخوان المسلمين» المعزول في مصر، تدهور الوضع بالنسبة للمسيحيين.

وفي أعقاب عزل حكومة «الإخوان» في الثالث من يوليو الماضي على يد الجيش والثورة الشعبية، حدث تسارع غير مسبوق في العنف ضد الكنائس والمصالح التجارية والمجتمعات القبطية، في ضوء اتهام جماعات متطرفة مؤيدة لـ«الإخوان» للمسيحيين بوقوفهم إلى جانب الثورة والجيش.

وخلال الوقت الراهن، يبدو أن المسيحيين في لبنان آمنون، إذ يشكلون ما يربو على ثلث السكان، إلى جانب بنائهم علاقات مؤسساتية قوية في كافة نواحي الحكم، وإلى الآن هم بمعزل عن العواصف التي ضربت المنطقة.

وفي حين استقبل لبنان أكبر عدد من اللاجئين السوريين، لم تنتشر الحرب على حدوده، وعلى رغم ذلك، لا يزال القلق يساور كثيراً من اللبنانيين من أن الصراع الطائفي يمكن أن يصيب بلادهم.

ولا يزال الأردن، على رغم استضافته لعدد كبير من اللاجئين السوريين والعراقيين، مستقراً بسبب القيادة الحكيمة وثقافة التسامح، ويبدو هو البقعة الوحيدة المشرقة في بلاد الشام.

وقد شجع الملك عبدالله الثاني حواراً بين الأديان، ورعى برامج تدعو إلى الاحترام المتبادل بين المجتمعات الدينية المختلفة.

وإذا كان الأردن نموذجاً للتسامح الديني، فكذلك الأمر في بعض دول الخليج، فعلى سبيل المثال، سيصلي جميع المسيحيين من مصريين وسوريين وفلسطينيين وعراقيين الذين يعيشون في الإمارات جميعاً في عيد الميلاد في بيئة خالية من الخوف.

وفي موسم عيد الميلاد الماضي، كنت في أبوظبي أدرّس في جامعة نيويورك، وكانت الكنائس في هذه المدينة تستضيف خدمات بكافة اللغات المنطوقة لجميع العاملين في الدولة.

وفي عيد الميلاد، يأتي مسؤولو الدولة المسلمون إلى الكنيسة كإيماءة احترام لجيرانهم من العرب المسيحيين.

وعليه، فإن الوضع الراهن بالنسبة للمسيحيين في الشرق الأوسط يبدو مقلقاً، ولكنه ليس قاصراً على هذه المنطقة ويمكن تغييره، ففي كثير من الدول والمناطق في العالم عاشوا في ظل حروب أهلية دامية.

ومثلما يبرهن تسامح دول مثل الإمارات والأردن وبعض الدول الخليجية الأخرى، فإن المشكلات التي تواجه المسيحيين العرب ليس مردها إلى الإسلام نفسه، وإنما تنبع من الحرب والاحتلال والأيديولوجيات المتطرفة المتأصلة في أجواء العنف، ولذا فإن ما تحتاجه المنطقة هو إنهاء الحرب والعنف القمعي







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز