د. علي طه
mdlzb@yahoo.co.uk
Blog Contributor since:
07 July 2012

باحث في العلاقات الدولية



Arab Times Blogs
في العراق.. منازلة أيوب مع مجرمي القاعدة

في العراق.. منازلة أيوب مع مجرمي القاعدة من يتابع اخبار العراق هذه الايام لا بد أن يقف ليتأمل مشهدا قل نظيره و قد لا يحصل في بلد عربي أو أسلامي أخر.. و قد تعودنا على مشاهد الدم و التفجيرات و الانتحاريين و أصبح ذكرهم متلازما و مترابطا مع أخبار العراق العزيز و لكن المشهد هذه المرة يحمل بصمات أخرى و أن كان المشهد ذاته لا يخلو من العنف.. المشهد هو مدينة كربلاء حيث دفن سبط النبي الاكرم الامام الحسين بن علي سلام الله عليهم جميعا و المناسبة تتمثل في زيارة الاربعين حيث أستشهد رضوان الله عليه على أيدى العصابة المجرمة من أل أمية ذبحا في صحراء نينوى من أرض العراق.. و كنت أظن أن المناسبة تخص الطائفة الشيعية الكريمة سواء من داخل العراق او من الذين يأتون للزيارة من خارجه و لكن الامر ( في هذه السنة على أقل تقدير) تجاوز هذا الاطار ليدخل الحدث بكل رمزيته و معانيه و دلالاته سواء كانت الدينية أو الروحية أو الاجتماعية أو حتى السياسية في أطر و حسابات أخرى تستحق التمعن و الدراسة

 الملاحظة الاولى هو العدد الهائل من الزائرين اذ بلغت الارقام لحد الان حدودا فلكية بدون مبالغة و وفقا للتقديرات الرسمية الصادرة من بغداد فأن العدد قد يتجاوز الثلاثين مليون زائر هذا العام و أن عدد من عبر الحدود من الدول المجاورة قد تجاوز النصف مليون زائر لغاية اليوم

 الملاحظة الثانية و الجديرة أيضا بالدراسة و التحليل هو ظاهرة السير الى كربلاء عوضا عن الذهاب بالسيارات الى تلك المدينة بغية الزيارة و لكم أن تتخيلوا أن الزائر القادم من مدينة البصرة مثلا عليه أن يقطع مسافة 600 كيلومتر مشيا على الاقدام لغرض الوصول الى مدينة كربلاء و هذه المسيرة قد تأخذ منه من عشرة أيام الى أسبوعين أن لم يكن أكثر من ذلك.. الملاحظة الثالثة و هذه ليست بالجديدة على شعب العراق هو ضيافة العراقيين لهؤلاء الزوار و الخدمات التي يقدمونها لهم و على طول الطريق و من شمال العراق الى جنوبه مرورا بكل قرية أو مدينة سواء كانت كبيرة أو صغيرة.. فالناس هناك قاموا بنصب سرادق لاستقبال الزوار و تقديم الطعام و الشراب و العناية الطبية لهم و تفننوا في كيفية خدمتهم حتى أني رأيت في أحدى مقاطع اليوتيوب التي أستلمتها أحد هؤلاء و قد تبرع بغسل و كي ثياب الزوار المتسخة

 و العجيب في الامر أن هذه الخدمات المجانية التي تقدم على أمتداد العراق الكبير و بهذا الحجم الضخم تبقى عفوية و ليس لها منظم أو راعي أو داعم سواء كان من الحكومة او من المرجعية الدينية للشيعة و التي تتخذ من النجف الاشرف مقرا لها أذ أن الناس يتسابقون للتبرع لخدمة الزوار بل و يتنافسون في الكثير من الاحيان على أستضافتهم و يتفاخرون بأنهم كانوا في خدمة الزوار.. رأيت أيضا في التغطية الاعلامية للحدث في غضون الايام الماضية أحد الشباب و هو يقوم بغسل و مسح أرجل الزوار المتربة و المتورمة من المشى الطويل و عند سؤاله قال الشاب المعني أنه مهندس مدني و أنه أخذ أجازة من عمله لكي يكون بخدمة زوار الحسين و معه والده و عمه و انهم يقومون بهذا العمل منذ سنوات عديدة!

الملاحظة الاخرى و التي شدت أنتباهي هو مساهمة غير الشيعة في الحدث أذ أكدت الاخبار بأن هناك مواكب من أهل السنة و الجماعة قد شدت العزم الى زيارة الامام الحسين في كربلاء بل قرأت أيضا أن مواكب من مسيحي العراق قد رافقوا المسلمين لزيارة الاربعين و هنا ساورني الشك!! .. أذ لم أستوعب الخبر من أول وهلة و بعد الاتصال و الاستفسار تأكد لي فعلا أن السنة و المسيحين و غيرهم من الطوائف و الاديان يشاركون في زيارة الاربعين و ليس في هذه السنة فقط بل منذ سنوات عديدة و أن قسما منهم يذهبون لزيارته سيرا على الاقدام.. سؤال لا بد منه و لعل الاجابة عليه تختلف من شخص لاخر.. ما الذي يدفع كل هؤلاء للزيارة و ما هو المقابل الذي يحصلون عليه أزاء كل هذا العناء و التعب.. ما السر الخفي في قصة أستشهاد الامام الحسين عليه السلام الذى يدفع العراقي البسيط أن يفتح بيته لاستقبال زوار الحسين و أن يصرف ما أدخره في عامه لاطعامهم و سقايتهم بل و حتى غسل ملابسهم.. ترى لو حاولت حكومة أو جهة رسمية أن تنظم مثل هذا الحدث بكل أمكانياتها المادية و الادارية فهل كانت ستفلح في أسكان و أطعام و رعاية ثلاثين مليون من البشر و على مدى أسابيع عدة

 و الاهم من هذا و ذاك هل كانت ستقنع الناس بالمشاركة و تقديم العون.. كلما أمعنت في التدبر بالامر زادت أسئلتي و كثرت حيرتي فالحدث غير عادي و أن ترى هذه الاعداد المليونية تسير هائمة في شوارع و طرقات العراق قاصدة كربلاء و ترفع رايات سوداء و خضراء كتب عليها لبيك يا حسين .. لا بد للمرء من أن يقف ليتأمل في الحدث و يدرسه و يحلله بعمق فالامر أكبر من زيارة دينية و هذه الملايين ما كانت لتخرج من بيوتها لولا قناعتها بقضية الامام الحسين و أهداف ثورته على الظلم و الجور.. و كما بدأنا المقال بحديثنا عن العنف في العراق لا بد أن يطل الارهاب برأسه أيضا في هذه المناسبة.. كيف لا و الرافضة يسيرون في الطرقات عزلا من غير سلاح و على أمتداد الاف الطرقات و في الليل و النهار و هم بالتالي صيد سهل و فرصة لا بد من أغتنامها من قبل القاعدة و داعش و من لف لفها من التكفيرين و الوهابيين

 قام هؤلاء أولا بقصف الطرق التي يسلكها الزوار بقذائف الهاون و من ثم أرسلوا السيارات المفخخة و بعد ذلك قاموا بأرسال أجساد حيوانتهم المفخخة لتفجر الزوار الابرياء و تنثر جثثهم في الطرق و الارصفة.. ما ذنب هؤلاء يا ترى ؟ و ما الذي يضر القاعدة و حلفائها في العراق و خارج العراق أن قام أحدهم بزيارة كربلاء حتى و أن كانت لا ترى أن الزيارة واجبة من وجهة نظر المحترم أبن تيمية و فصيله المحترم أبن عبد الوهاب ؟ لماذا تحاول القاعدة أن تمنع الناس من زيارة الامام الحسين و هو سبط النبي الاكرم و أبن فاطمة حبيبة الرسول و بضعته و أبن الامام علي بكل فضله و مقامه في الاسلام ؟ 

 و الادهى من ذلك و الامر (و هنا لنفترض فعلا أن الزيارة غير شرعية) فهل يبرر هذا أن تقوم بقتل الناس الزوار بدم بارد و بقصفهم بالصواريخ و السيارات المفخخة و الانتحاريين ؟ لعلى أحد من هؤلاء القوم يمتلك الاجابة فقد أعيتني الحيلة و رفعت الراية البضاء.. و مثلما علمنا العراقيون الكرم فقد علمونا البطولة و التضحية و الفداء و القصة التي أنقلها اليكم حدثت في مدينة الخالص الواقعة قرب بعقوبة في محافظة ديالى حيث قام الارهابيون بأرسال أحد مجانينهم و قد تأزر بحزام ناسف و بنية تفجير سرادق أقيم لاستقبال الزوار و تقديم الخدمات لهم و فطن لهذا الارهابي الجبان أحد أفراد الشرطة المكلفين بحراسة السرادق فما كان منه الا أن رمى نفسه عليه و أحتضنة مع الحزام ليفجر هذه الجيفة بعيدا عن الزوار الكرام و أنقذ بذلك حياة العشرات بل المئات من الابرياء و دفع ثمن ذلك حياته و هذا الشرطي البطل يدعى أيوب الخالدي و هو شاب في مقتبل العمر و قد ترك خلفه طفلان.. لم يمت أيوب و لعائلته و أهله و أقربائه و أصدقائه و أبناء مدينته أن يفخروا أنهم أنجبوا مثل هذا البطل المضحي و على الحكومة أن تقوم بتكريمه و أطلاق أسمه على شارع أو ساحة عامة أو مدرسة لكي يبقى في ذاكرة الاجيال بأن هناك في العراق رجال قاموا بحماية زوار الامام الحسين بأجسادهم العارية و أستشهدوا و هم يرددون مع الزوار لبيك يا حسين.. كنا قد درسنا أن العراق علم العالم الكتابة و ها نحن نكتشف اليوم أن العراق يعلم العالم معنى الكرم و التضحية بالمال و النفس و ما بعد النفس الا المجد و الخلود... مرحى مرحى يا عراق







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز