ابو الحافظي
mm.vegeta@yahoo.fr
Blog Contributor since:
17 September 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
يحيي أبو زكرياء جاء متأخرا لاني علماني وارفض العلمانية

لقد استضاف الدكتور يحي ابو زركياء  منذ أسبوعين تقريبا في برنامج 'ا ل م' الدكتور محمد كامل ضاهر والأستاذ عماد يوسف ليناقشوا موضوع العلمانية , وهذه هي المرة الثانية التي يثير فيها الدكتور يحي ابو زكرياء هذا موضوع في برنامج 'ا ل م' , وبدا وضاحا أن الدكتور يحيا أبو زكرياء متحمس جدا للموضوع , وهذا أمر طبيعي بعد أن رأي بأم عينيه كيف تأكل الأصوليات العقول قبل القلوب , وكيف تقطع كل صلة بالبشر قبل أن تقطع أعناق البشر..يحي أبو زكرياء كان يسأل بحماسة فهو يري في العلمانية مضاد حيوي لفيروس التطرف الذي يحرق الأخضر واليابس  , لهذا كان يحاول كسر الحواجز والهواجس النفسية بينه وبين ضيوفه , فيطلب منهم بإلحاح كي يتكلموا بأريحية وبصراحة لتصل تلك الفكرة الناعمة الشافية للمشاهد , لكن أجوبة الضيفين كانت باردة قاتلة تقتلني وتقتل المشاهد وتقتل حماسة يحي أبو زكرياء في كل سؤال يطرحه..أجوبة الضيفين كانت مجرد سفسطة ومطمطة كلامية , والنظرة العابرة في وجه الضيفين تكفي لاكتشاف الإحباط واليأس الظاهر عليهم , فالموضوع بنسبة إليهم طرف فكري وأنا شخصيا اتفق معهم..

لا أريد في هذا المقال الغوص في مفاهيم العولمة والحداثة والتطورات التقنية والتنظيمية التي عرفتها نظم الإدارة والتسيير والتي تجاوزت بمراحل طويلة عقول الشعوذة والدروشة السياسية , وما يهمني في هذا المقال هي الأبعاد الثقافية والاجتماعية لمفهوم الدولة العلمانية من منظور علماني وبمنظور عقلاني عاقل..فبداية العلمانية هي فصل الدين عن الدولة , أي الدولة كمؤسسة لا تفرض ولا تمول ولا تدعم أي منظومة غيبية , وهذا بالمنطق العقلاني صفقة عادلة ومٌرضية لكل الأطراف كونها تقف علي مسافة متساوية بين كل المعتقدات واللامعتقدات..ولكن السؤال العقلاني الذي سينسف موضوع المناقشة هو من هذا الذي يستطيع أن يفصل الدين عن الدولة؟؟ وكما قال الكاتب خليل خوري , المؤسسة الدينية في الدول العربية هي دولة داخل الدولة..ففي بلدي الجزائر مثلا لا أتصور أن هناك شخصا سيتجرأ وسيُجاهر وسيُنادي بإبعاد الدين من المناهج التربوية , والتي تدرس في المدارس الحكومية رغم وجود طوائف دينية تختلف تماما مع الطرح الغيبي المدرسي..

ومن ناحية أخري هناك حوالي 20ألف مسجد في الجزائر , بمعني أن هناك حوالي 20الف إمام , أي حوالي 20الف موظف يتقاضون أجورهم الشهرية من الدولة , أي حوالي 20ألف عائلة تعيش علي هذا الرزق , أي أن الدولة العلمانية تعني قطع أرزاق حوالي 20ألف عائلة..(وبغض النظر عن كون تلك الأجور والأرزاق من أموال الشعب المتعدد المتنوع في تصوراته لعالم ما بعد الحياة), ولكن  لنتخيل فقط أن الدولة قررت فجأة عدم دفع أجور الأئمة الذين في معظمهم "إلا من رحم ربي" هم مرتزقة يعيشون علي النصب والاحتيال باسم الدين , أو لنتخيل كيف سيكون حال المساجد إذا قررت الدولة رفع سيطرتها عن المساجد..في كل الأحوال والاحتمالات لا اعتقد أن الوضع سيكون سهلا لتطبيقه , أو جنة الفردوس في تطبيقه..وفي كل الأحوال والاحتمالات سيبقي هذا التحالف العلني مستمرا بين رجال الدين والسلطة , لان الوصول إلي السلطة يعني السيطرة علي وزارة الشؤون الدينية , والذي يعني السيطرة علي المساجد وعلي خطب المساجد..

وأنا كانسان عقلاني وواقعي أفضل رؤية الواقع بعين الواقع ولا أميل لاستعمال النظارات الرومانسية , فالمدرسة جزء من منظومة تربوية كاملة متكاملة تجمع بين الأسرة والهوية والثقافة , وبعين الواقع لا أري في هذه المنطقة سوي الدين كمنبع أساسي رئيسي قد يشكل الكلية في تكوين الشخصية والأخلاق..فهل هناك فن في المنطقة العربية قد يكون بديلا مُؤثرا ومُكافئا لإنتاج الأخلاق , وهل هناك مسرح أو سينما عربية قادرة علي إحداث تغييرات وتصحيحات في السلوكيات الاجتماعية(وهذا مع احترامي وتقديري لكل الفنانين والمبدعين في الدول العربية)..وفي هذا السياق أتذكر الضجة والثورة التي أحدثها فيلم 'American Beauty في المجتمع الأمريكي , لقد كان ذلك الفيلم الأمريكي من أكثر الأفلام مشاهدة سنة 1999 لأنه مرآة للعائلة الأمريكية المتوسطة , والتي تشكل في حدود نسبة 70%من المجتمع الأمريكي , ولقد كان ذلك الفيلم رسالة تنويرية قوية وصلت لكل عائلة ولكل أب ولكل أم في العائلة الأمريكية المتوسطة الدخل..انه سر وسحر الإبداع , وسلطان وجبروت الفن الذي يخلق الجمال بالعقل ليغرسه في النفس كأنه وصية من وصايا السيد المسيح..ومن هذه الزاوية لا أري في بلدي الجزائر ما يعادل هذا الجمال الفني وهذا التقدم الإبداعي , وعندما أحاول جرد الرسائل الاجتماعية الإصلاحية التي قدمتها لنا السينما الجزائرية منذ الاستقلال , سأجد فيلم 'عيش بثناش' وفيلم 'امرأتان'..

فيلم 'عيش بثناش' يروي قصة موظفين يشغلان نفس الوظيفة وفي نفس الشركة ويتقاضيان نفس الأجر , والفرق أن الموظف الأول له طفلين , والموظف الثاني له 12 ولد بالتمام والكمام , وهنا تبدأ القصة الهزلية والتباين بين تنظيم النسل وبين إطلاقه كالبهيمة المتوحشة..وفيلم 'امرأتان'  يحكي لنا قصة الزوج الذي يريد أن يضيف إلي رصيده الزوجي الحلال "الزوجة رقم2" وهنا تبدأ كذلك  إشكالية تعدد الزوجات وما يستتبعها من انحلال واضمحلال داخل الأسرة وداخل العائلة الكبيرة..وفي كلا الفيلمين يلتقي الفن مع الفكر في دراما هزلية كوميديا فريدة من نوعها تقف فيها الثقافة السائدة والتشريعات الدينية صغيرة هزيلة أمام عظمة وجلالة الرسالة الفنية , ولكن عقولنا وقلوبنا مازالت تحتاج انهارا من الإبداع الفني العذب لإعادة الحياة في هذه الصحراء الواسعة الشاسعة التي تعاني قحط ثقافي مخيف ومرعب , ولم يبقي في قحطانيتنا سوي واحة يتيمة وحيدة اسمها الدين.

ومن هذه الورطة لجأ البعض إلي فكرة ما يسمي ب"الإصلاح الديني" , وهذه طريقة ذكية وغبية في نفس الوقت , ولنا مثال نموذجي في الجزائر , فعقب مجيء عبد العزيز بوتفليقة إلي الحكم , قرر إعادة الاعتبار إلي "الزوايا" (والزاوية في الجزائر هي شبه قرية صغيرة تقوم بتحفيظ القران ونشر التصوف) , وعلينا الاعتراف بأنها طريقة ذكية لأنها تعتمد علي مبدئية "الأساطير الجميلة ستأكل الأساطير البشعة" , فالفكر الصوفي فكر مُسالم ومُهادن مقارنة بالفكر الوهابي الإجرامي الذي تنشره وتروجه مهلكة السرطان والطرزان لآل قرود أو ما يعرف باسم 'السعودية' والعياذ بالله , وما قام به عبد العزيز بوتفليقة  طريقة ذكية أيضا , لان الصوفية لها جذور تاريخية عميقة في المنطقة وهي مبنية علي تزاوج وتمازج روحانيات المسيحية بديالكتيك الإسلام , وهذا راجع لطبيعة شعوب المنطقة المتصلة بالحضور المسيحي المتواجد قبل مجيء الإسلام , والذي يبحث ويقرا في كتابات 'بن العربي' وبعض التعبيرات والمصطلحات المسيحية التي وردت في أشعار 'منصور الحلاج'(كاللاهوت والناسوت مثلا) يكتشف بسهولة تقارب وتأثر الصوفية بالأفكار المسيحية.

ولكن المسيحية هي المسيحية , والتصوف هو التصوف , والدين هو الدين ,وعالم الروحانيات وعالم ما بعد الحياة مفتوح علي كل الاحتمالات وكل التصورات , ولا يخضع لمنظومة قانونية يمكن الاتفاق علي مضمونها ومنهجها , وهذا الذي يفرض علي الدولة كمؤسسة وككيان مادي التعامل والتعاطي مع الدين علي انه مجرد قضية شخصية وضميرية , وهي حرية مطلقة لكل فرد من المجتمع, ولهذا ما قام به عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر هو دوائر في الماء , والدوائر في الماء لا تغير طبيعة الماء , وهي موازية للإصلاحات السياسية التي وعدنا بها في 2011 , لان سياسة الإصلاح الديني لا تغير طبيعة الدولة الدينية المهتمة والمسؤولة علي إيصال المواطنين إلي الجنة , كون من سيطالب بفصل الدين عن الدولة ,  سيقطع الأرزاق , وسيقطع طريق المؤمنين للوصول إلي الجنة.

العلمانية هي النواة الرئيسية في تكريس مفهوم 'الوطن والمواطنة' الذي هو الحجر الأساس للبدا في ممارسة نشاط ديمقراطي طبيعي , وعلم النفس الاجتماعي قادر علي تحديد وإرساء الأخلاق التي يمكن تتوفر في أي مجتمع متحضر..ولكن يحيي أبو زكرياء وغيره جاؤوا متأخرين لركوب "سفينة نوح العلمانية" , والمدرسة الحكومية والمدرسة الإصلاحية في هذا الطوفان من التكفير وأمواج البترودولار العاتية العالية ستبقي فأسا تحفر في ارض قاحلة لا أمل في زرع سينبت ولا حصاد سيحصد  , لهذا أنا علماني وارفض العلمانية..

وسأنهي هذه الأسطر بفقرة ل'حامد عبد الصمد' في كتابه 'سقوط العالم الإسلامي' الذي صدر سنة 2010 قبل أحداث ما يسمي "الربيع العربي"..( لو قارنا العالم الإسلامي المعاصر بسفينة «تايتانيك » قبل غرقها لوجدنا تشابهاً  كبيرا بينهما. السفينة الإسلامية تقف وحيدة ومكسورة وسط محيط بارد ولا تدرى كيف النجاة. مسافرو الدرجة الثالثة ينامون فى جحورهم ولا يعلمون شيئأ عن المصيبة القادمة. الأغنياء يحاولون الفرار فى قوارب النجاة القليلة ويريدون فى الوقت ذاته أن يربحوا من الكارثة. رجال الدين يكررون نفس الطلاسم والشعارات ويطالبون الناس بالصبر. أما من يسمون أنفسهم بالمصلحين فيذكروننى بعازفى الموسيقى على متن« تايتانيك » الذين واصلوا العزف حتى غاصت السفينة فى  البحر. كانوا يعزفون ويعزفون رغم إدراكهم أن أحداً لا ينصت إليهم على الإطلاق.)



  واعتذر لكل الأصدقاء علي تشاؤمي الواقعي هذا..وتقبلوا مني تحية صادقة مهذبة..

 








تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز