حمدي السعيد سالم
h.s.saliem@gmail.com
Blog Contributor since:
04 September 2010

كاتب عربي من مصر
صحفى بجريدة الخبر العربية

 More articles 


Arab Times Blogs
ما تلك بيمينك يا قطر؟ قالت : هى جزيرتى أهش بها على غنمى ولى فيها مآرب اخرى

تناقلت وسائل إعلام عربية وأجنبية إحدى الوثائق التي سربها موقع ويكيليكس والتى تصف قناة الجزيرة بأنها مصدر جوهري لنفوذ قطر، كما تقول إن رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني عرض على مصر وقف الجزيرة لمدة عام إذا قدمت مصر تسويةً دائمة للفلسطينيين.... قطر وفقا لكلام رئيس وزرائها الذي كان يتحدث أمام السيناتور جون كيري “تشعر بالقلق حيال مصر وشعبها، الذي بدأ صبره ينفد، وإن الرئيس المصري حسني مبارك يقول إن قناة الجزيرة هي مصدر المشاكل في مصر، وهذا ليس عذرا”....حمد بن جاسم قال لمبارك “سنوقف الجزيرة لمدة عام” إذا وافقتَ على التوصل خلال تلك الفترة إلى تقديم تسوية دائمة للفلسطينيين... وقالت إن مبارك لم يرد.... كلام رئيس الوزراء القطري مع الرئيس المصري المخلوع وفقا للوثائق نفسها يعد دليلا على أن قطر تستخدم قناة الجزيرة ورقةَ مساومةٍ في السياسة الخارجية عن طريق تكييف تغطيتها لتتناسب مع زعماء أجانب، وتقديم عروض لوقف بثها في مقابل تنازلات كبيرة.....وهذا ما جعل السفير الأميركي في قطر يقول في العام 2009 إن الجزيرة تمتلك قدرة على التأثير على الرأي العام في المنطقة وهي مصدر جوهري لنفوذ قطر.....و العلاقات بين قطر والسعودية تحسنت بصورة عامة بعد أن قللت قطر من انتقاد العائلة المالكة السعودية على قناة الجزيرة.....

لايختلف اثنان الأحداث والوقائع التي بقيت معرفتها حكرا على قطاع محدود من المهتمين تؤكد كلها أن “الجزيرة” لم تكن مشروعا إعلاميا بقدر ما كانت “ميليشيات إعلامية”أ كلاب نابحة تخدم السياسة الخارجية الابتزازية القطرية .... وإذا كان دورها القذر في التحريض والكذب والتلفيق لم يعرف ويفتضح كما عرف وافتضح في أحداث”الربيع العربي”، فليس إلا لأنها أصبحت عاجزة عن لعب دور”المؤسسة الإعلامية المحايدة” وتغطية الشمس بغربال كما كانت تحاول أن تفعل في البداية، ولأنها قدمت نفسها على نحو مباشر في تلك الأحداث بوصفها “مؤسسة أخوانية”..... هذا فضلا عن افتضاح أمرها بعد نشر عدد من التحقيقات والوثائق في الصحافة الغربية، كان أبرزها وثائق”ويكيليكس”عن علاقة مديرها العام آنذاك، وضاح خنفر، بأجهزة الاستخبارات الأميركية، ودور هذه الأخيرة حتى في تحرير بعض أخبارها، وصولا إلى افتضاح قصة بدايتها كمشروع وقف وراءه اثنان من الإسرائيليين، وأن فكرة إنشائها بحد ذاتها وقف وراءها شمعون بيريز شخصيا!....عندما استهدفها الأميركيون، تضامنا جميعا معها، بعضنا لإيمان مبدئي بحرية الإعلام، وبعضنا الآخر لأن المعتدي أميركي وحسب، وبعضنا الثالث بسبب “الدروشة” والجهل لا أكثر ولا أقل! وكان علينا الانتظار سنوات أخرى حتى نعرف حقيقة أمرها....

عن مرحلتها في العراق، يروي مراسلها سابقا في دمشق، محمد العبد الله، الذي أصبح مراسلها في الإمارات العربية، وهو ـ بالمناسبة ـ عضو في حزب رياض الترك ، أن صحفييها الذين كانوا يتوجهون للتغطية في العراق، لاسيما أحمد منصور، كانوا ينقلون الأموال في حقائب المعدات من المخابرات القطرية إلى عصابات”القاعدة” في “الفلوجة”! ....أما الملف القضائي ـ الاستخباري الإسباني لمراسلها السابق في أفغانستان، تيسير علوني، فيحفل بأسرار تشيب لها الولدان، ليس فقط لأن علوني كان عضوا في تنظيم “الطليعة المقاتلة” الإرهابي ، الجناح العسكري للأخوان المسلمين في سوريا خلال الثمانينيات، وليس للدور الذي لعبه في نقل الأسلحة والأموال من المخابرات العراقية إلى إرهابيي”الأخوان” آنذاك وحسب، ولكن أيضا للدور الذي لعبه في أفغانستان....إلا أن ما اقترفته في أفغانستان والعراق وتونس ومصر واليمن وبقية أنحاء العالم يبقى كله في كفة، وما اقترفته وتقترفه ـ حتى في هذه اللحظات التي نكتب فيها هذا المقال ـ يبقى وحده في الكفة الأخرى التي توازيها وترجح عليها! فإذا كان صحفيو “القناة”، استنادا لمنطوق وروح الحكم الصادر على علوني في إسبانيا العام 2003، اكتفوا بـ”التعاون” مع منظمة إرهابية(القاعدة)، فإن مراسليهم في سوريا أصبحوا عناصر ميليشيات مسلحة ، بالمعنى الدقيق والحرفي للكلمة: يحملون السلاح، ويشاركون في عمليات الخطف والقتل وتدمير وحرق المنشآت الحيوية ، مثلهم في ذلك مثل أي مسلح في “جبهة النصرة” أو “داعش” أو”أحرار الشام”.... وإذا كانت “الحقيقة” نشرت على مدار العامين الماضيين تحقيقات موثقة بالأشرطة على بعض جرائمها في سوريا.....

الجزيرة تمتلك قدرة على التأثير على الرأي العام في المنطقة وهي مصدر جوهري لنفوذ قطر.....و العلاقات بين قطر والسعودية تحسنت بصورة عامة بعد أن قللت قطر من انتقاد العائلة المالكة السعودية على قناة الجزيرة.....لقد كان مكتوباً على حلم السلالة القطريّة أن ينتهي لأنه كان محكوماً بالتناقضات منذ الازل .... دولة صغيرة، لم ولن يُكتب لسلالتها الاستمرار في السلطة من دون الرعاية الاستعماريّة الغربيّة، أرادت أن تقفز على التاريخ والجغرافيا، وأن تبتاع لنفسها «عبقريّة مكان» غير موجودة..... عندما وصل حمد بن خليفة إلى السلطة عام 1995، لم يكن يدور في خلده على الأرجح أنه سيقود مرحلة الصعود القطري التي لم تستمرّ لعقدين من الزمن.... كان مكتوباً للصعود أن لا يعمّر، ومن المستغرب أنه لم ينته قبل اليوم.... كان الحلم القطري يتبلور بصورة غير مدروسة وبناءً على طبيعة العلاقات الخارجيّة القطريّة في المنطقة العربيّة. لم يكن الهاجس الأكبر يتعلّق ببسط نفوذ دولة من أصغر الدول العربيّة، ولم يكن الدافع تحرير فلسطين أو توحيد الأمة العربيّة، ولم يكن للحلم علاقة بما تسمّيه سلالات لا تميّز بين الثروة والثورة «الثورات العربيّة»..... لم يكن للحكم الجديد هذا من دافع لا يتعلّق بمنافسة النفوذ السعودي في المنطقة العربيّة..... ليس من دافع إلّاه.... لم يغفر آل سعود للأمير الجديد انقلابه على أبيه عام 1995: كان هذا من الخطايا التي لا تُغتفر في حسابات السلالات النفطيّة والغازيّة...... ولم يطل الأمر بآل سعود قبل أن يلجأوا إلى تدبير محاولة انقلابيّة لإرجاع والد الأمير الجديد إلى السلطة.... لذلك أصيب حمد بن خليفة بهاجس الخوف من آل سعود ومن مؤامراتهم ضدّه....... إن كل سمات السياسة الخارجيّة للحكومة القطريّة نبتت من الحفاظ على عرش الأمير الجديد والدفاع عنه بمواجهة آل سعود.... كل الشعارات التي رفعها الأمير عن الأمة العربيّة وعن شعب فلسطين كانت دخاناً أو فقاقيع لا أكثر.... ولم يكن إنشاء محطة «الجزيرة» بعد سنة واحدة من وصوله إلى الحكم إلا سلاحاً شهره في وجه آل سعود... هو نفسه لم يكن يدرك التأثير الذي ستكسبه «الجزيرة» من خلال دورها الإقليمي، لا بل العالمي....

مع أفول، إن لم يكن انهيار، المشروع السياسي القطري ـ التركي في المنطقة، تستيقظ المنطقة الخليجية على بدايات إخراج السيوف من أغمادها من قبل الدوحة والرياض، بعد هدنة استمرّت لسبع سنوات تقريباً...الجدير بالذكر تأسيس الجزيرة القطرية كان صدفة بعد إغلاق محطة «بي. بي. سي.» العربيّة آنذاك..... والدور المُعارض والُمشاكس لـ«الجزيرة» في البداية لم يكن بالضرورة ناتجاً من رؤية قوميّة عربيّة صافية، كما خُيّل للبعض.... كان الهدف إزعاج آل سعود والتأثير على مصالحهم في المنطقة العربيّة ومحاولة قلب نظام حكمهم، كما حاولوا هم أن يفعلوا ضد الأمير الجديد..... حدود المحطة في البداية كانت واسعة نسبيّاً، لكن بالصدفة أيضاً وليس بناءً على تخطيط.... كان للمحطة الوليدة القدرة على بثّ آراء معارضة لآل سعود ولمصالح مؤامراتهم وخططهم .....هذا هو الجديد في حيّز التعبير في المحطة عند انطلاقتها...... إن النظام العربي برمّته منذ 1973 خاضع لتأثير ونفوذ آل سعود.... لم يسمح النفوذ السعودي بأي نقد للعائلة الحاكمة في الإعلام العربي..... حتى الإعلام الليبي والعراقي (في زمن صدّام والقذّافي الغابرين) سايرهم.... لذلك قرّر الأمير المنقلب على والده أن يخرق هذا التقليد الحديدي في الانصياع المطلق لآل سعود والاستسلام لهيمنتهم المدمّرة..... والأمير لم يفعل ذلك عن بطولة ولا عن حلم بتوحيد العالم العربي لقد كان مُكرها ، لا أكثر...... عندما رأى أو علم أن آل سعود سيفعلون كل جهدهم لإرجاع أبيه إلى السلطة.... وآل سعود متزمّتون في الأمر خشية أن تستورد المملكة طقس الانقلاب في داخل العائلة (حدثت في الماضي مرّة واحدة عام 1964)....

بعد أن هجر المواطن العربي محطات الأنظمة الرتيبة والمملّة والصارمة في دعايتها الفجّة نحو المحطة الجديدة.... وبدلاً من أن تصنع دولة قطر محطة فضائيّة، كادت المحطة أن تصنع دولة مؤثّرة في العالم العربي والعالم !!... واستضاف أمير قطر أكبر قاعدة عسكريّة أمريكيّة وأنفق من مال شعبه المغلوب على أمره مليارات الدولارات للقيام بواجب الضيافة للمعتدي الأمريكي في منطقتنا العربية.... أصبح بمستطاع الغازي الأمريكي أن يقصف ويحتلّ ويدمّر انطلاقاً من قواعد عسكريّة في قطر.... والذي يزور قطر يرى معالم الوجود العسكري والاستخباراتي الأمريكي أينما حلّ:.... كمن يزور فييتنام الجنوبيّة في سنوات الحرب.... وواجب الضيافة نحو المُستعمر الأمريكي شكّل نوعاً من المزايدة إزاء الحاكم السعودي في الولاء لأمريكا.... ولم يكتفِ الأمير بذلك في إبداء حسن السلوك نحو أمريكا... ففتح أبواب التطبيع مع العدوّ الإسرائيلي من دون مقدّمات..... لا بل أصبح الحكم القطري وبشخص حمد بن جاسم بصورة خاصّة أكثر وقاحة من غيره من طغاة العرب في التطبيع مع العدوّ...و وجد الحاكم ونائبه لذّة خاصّة في استضافة تسيبي ليفني، التي يسجد تحت قدميها كل حكّام العرب..... أتقن الحاكم القطري فنّ إزعاج الحاكم السعودي من دون إغضاب الراعي الأمريكي، لكنه لم يكتفِ بذلك....

على صعيد أخر تحالف النظام القطري مع أعداء النظام السعودي( إيران وسوريا وحزب الله وحماس) غير أن قرار التحالف هذا كان بدافع التباعد والتنائي عن السعوديّة وسياساتها..... وهنا كان مكمن السذاجة في معسكر «الممانعة» حيث حُسبت قطر على معسكر الممانعة، فيما كانت أمريكا وإسرائيل تحسبانها عليهما..... صحيح أن قطر تعرّضت لضغوط كي تماشي السياسات الأمريكيّة أكثر، لكن قطر حاولت أن توفّق بين عدائها لآل سعود وممالأتها للإدارة الأمريكيّة في عهد بوش.... ووافقت الحكومة القطريّة على تلقّي نقد أسبوعي من السفير الأمريكي في الدوحة على كل ما بثّته «الجزيرة» على مدار الساعة..... وكان مدير «الجزيرة» مجبراً (أو هكذا قيل) على مناقشة كل ما يأتي في التقرير بما فيه... ما أزعج السفير الأميركي وإدارته من نقد للعدوّ الإسرائيلي في تقارير المحطة..... أكثر من ذلك، قبل الأمير (باعترافه) بالشروع في مفاوضات حول بيع «الجزيرة» بمحطاتها من الإسرائيلي الليكودي حاييم صابان، فقط لإرضاء الكونجرس الأمريكي ولتخفيف الضغط الأمريكي عليه في سنوات بوش المتوسطة والأخيرة..... لكن تعثّر المشروع القطري برمّته حصل في سنوات الانتفاضات العربيّة.....

لقد زادت الطموحات النابوليونيّة للأمير القطري، عندما ظنّ أن العالم العربي بات في متناول اليد..... لم يعد بالإمكان التوفيق بين سياسة دعم محور المقاومة والممانعة وبين دفع الإخوان المسلمين في زمن الانتفاضات العربيّة (لكن العنوان الحقيقي للتدخّل القطري لم يكن إلا قيادة «الثورة المُضادة» وبالتنسيق الكامل مع أمريكا)... أراد النظام القطري أن يحتلّ موقع الصدارة في حسابات واشنطن في المنطقة العربيّة (التنافس على أشدّه بين أنظمة الخليج من أجل رفع المرتبة في عين الراعي الأمريكي) ونيل أعلى علامات الرضى.... المحطة التي كانت الحكومة الأمريكيّة تفكّر جديّاً في قصف مقرّها في الدوحة (بعدما استهدفت مقرّها في كابل وفي بغداد من قبل)، أصبحت نموذج الإعلام الصالح في العين الأمريكيّة..... هيلاري كلينتون نصحت في 2010 المحطات الأمريكيّة باقتفاء أثر «الجزيرة»، فيما طفق الليكودي جون ماكين يدور على محطات التلفزة الأمريكيّة كي يُعلمها أن «الجزيرة» تغيّرت نحو الأفضل، وأن العداء الشعبي الأمريكي لاسمها لم يعد مُبرّراً البتّة..... وعند بداية الانتفاضات العربيّة، أصبحت قطر لا السعوديّة هي المُنفّذ الأوّل للإرادة الأمريكيّة في داخل الجامعة العربيّة (الجامعة التي تستحق الصفة الأمريكيّة أكثر مما تستحق الصفة العربيّة، هل كان محمود رياض ليقبل بترؤس جامعة كهذه؟)..... حمد بن جاسم اتفق مع الحكومة الأمريكيّة على تسيير أمور الجامعة العربيّة وفق مشيئة التحالف الأمريكي _ السعودي..... وفي الحالة الليبيّة، نالت الحكومة القطريّة شهادة حسن السلوك الأمريكي، وخصوصاً أن محطة «الجزيرة» ضخّت دعاية عن التدخّل العسكري الغربي في ليبيا لم تختلف في مضمونها عن فتوى بن باز التي حوّل فيها الإعلام السعودي الغزو الأمريكي للعراق في عام 1991 إلى تدخّل بريء من قبل دول «عربيّة وإسلاميّة ودول أخرى صديقة». وعندما عبّر عمرو موسى في تصريح يتيم عن حرصه على حياة المدنيّين الأبرياء في ليبيا (ليس هناك من تعداد رسمي بعد لعدد الأبرياء الذين قتلتهم صواريخ الـ«ناتو» في ليبيا)، هبّ حمد بن جاسم وأسكته _ باسم الأمّة العربيّة لأن الرجل يرى في نفسه (ولا يرى أحد غيره ذلك) عبد الناصر آخر.....

لقد استفادت قطر من منبر «الجزيرة» في عزّها الاعلامى ، لكن القناة لم تكن مثل «صوت العرب» مرتبطة بمشروع يعبّر عن تطلّعات جمهور عربي عريض.... وعندما تصادمت تطلّعات الجمهور العربي مع المشروع القطري الطموح، ضرب الحكم القطري بشعارات، كان هو قد رفعها، عرض الحائط، وخفض سقف شعاراته كي تتطابق مع مصالح الإخوان المسلمين الذين رضُوا من أجل الوصول إلى السلطة أن يكونوا مطية للسلالة القطريّة....التغيير في رأس الحكم القطري داخل العائلة المالكة تم التعجيل به عندما تذمّرت السعوديّة من السيطرة القطريّة على مقدّرات الجامعة العربيّة من دون اعتبار لدور «الأخ الأكبر»....لذلك طالبت السعوديّة بالمزيد من التنازلات من قطر لتحقيق تقدم في مشروع المصالحة بين السلالتين المتنازعتين.... مع تقدير الحكومة الأمريكيّة لخدمات السلالة القطريّة لقوّات الغزو الأمريكي في المنطقة العربيّة والإسلاميّة وحسن ضيافتها لها، فإن الحكومة الأمريكيّة بحكم الوفاء لا تقدّم حليفاً عربيّاً على الحليف السعودي، حتى لو جلس منافس عربي لآل سعود في حضن نتنياهو... كما أنها لا تقدّم أي حليف عربي على الحليف الإسرائيلي الأقرب والأوثق والأعزّ....لذلك برز التنافس الحادّ بين الدعم السعودي للسلفيّين والدعم القطري التركي للإخوان.... فقرّر آل سعود أن يحسموا لمصلحة السلفيّة وتلاقت مصالحهم في ذلك مع مصلحة القيادة العسكريّة المصريّة !!.. الى جانب أن أمريكا ضاقت ذرعاً بإدارة قطر للمعارضة السوريّة (المُسلّحة والفندقيّة في الخارج).... ولم يكن قرار إنشاء الائتلاف السوري الوطني من قبل الحكومة الأمريكيّة إلا إصراراً على طرد قطر من موقع الصدارة في إدارة المعارضة السوريّة.... وتلاقى آل سعود مع الخطة الأميركيّة وكان الموقف الأميركي حازماً هنا... إن قطر فشلت فشلاً ذريعاً في تدبير تغيير النظام في سوريا، وكانت هي قد حصلت على تفويض أمريكي بهذا الشأن....

كما لم تؤدّ الحماسة القطرية إلى الإمساك بالنظام العربي إلا إلى مزيد من التعثّر والتخبّط والفشل وسقطت «الجزيرة» ولم (ولن؟) تقوى على النهوض مرّة أخرى.... وبسقوطها فقدت قطر عنصر القوّة الأبرز للحكم القطري (أبرز وأهم سياسيّاً من الغاز) ترنّح تحت وقع ضربات مضاعفات الانتفاضات العربيّة.... إن الحماسة القطرية الشديدة لإحداث تغييرات منشودة في أكثر من بلد عربي أدّت إلى أهمال وإهانة كل معايير الحدّ الأدنى من المهنيّة واعتبارات تنوّع الآراء التي كانت تميّز «الجزيرة» عن مثيلاتها في إعلام الأنظمة.... تحوّلت «الجزيرة» إلى أداة إعلاميّة بيد نظام لا يكترث لمهمّة الإعلام ولا لاحترام عقل المشاهد.... فجأة، باتت «الجزيرة» أكثر فظاظة من «العربيّة» في ضخّها الدعائي المُبتذل....وكما لا تسمح أنظمة السلالات الحاكمة بأي نوع من المُحاسبة الشعبيّة، لكنها تسمح بمحاسبة داخل الأسرة الحاكمة.... لعلّ صراع جناحين في آل ثاني أنتج مساومة أدّت إلى تسلّم تميم مقاليد الامور فى الامارة ....لذلك لم تستطع قطر بعد انتفاضة البحرين أن تتصنّع التميُّز عن السياسة السعوديّة... واعترفت قطر بحق الحكم السعودي في الإشراف الإقليمي (بالنيابة عن التحالف الأمريكي _ الإسرائيلي) كي يدبّر الشأن الخليجي بالقوّة ضد أي محاولة شعبيّة من أجل تحقيق أي تقدّم جدّي في الإصلاح السياسي.... مما انعكس على اتفاق قطر التي اتفق رئيس وزرائها ـ وزير الخارجية ايضاً ـ السابق الشيخ حمد بن جبر آل ثاني، مع ولي العهد السعودي الأسبق الأمير سلطان بن عبدالعزيز، على وقف قناة الجزيرة حملاتها على السعودية، بعد فيلم (سوداء اليمامة)، مقابل تعديل الحدود بين البلدين ـ حسب المصلحة القطرية ـ وعلى أن لا تدعم قطر معارضين للنظام السعودي، او تستضيفهم، وأن لا تبثّ مواداً ـ المقصود الجزيرة العربية ـ تعكّر صفو العلاقات بين البلدين.....قطر التزمت بالإتفاق الشفهي، وأحْنَت رأسها للشقيقة الكبرى، وحصلت الأخيرة على مديح غير معتاد من مسؤولي قطر، وهم الذين كانوا ينسقّون مع القذافي لتفكيك مملكة آل سعود أو على الأقل إزعاجها....وسايرت قطر السياسات السعودية عامّة....في الحقيقة لم يكن هناك قضايا حادّة اختلفوا بشأنها، الى أن جاء الربيع العربي، والذي كان لقطر مالاً وإعلاماً وسياسة واحتضاناً الدور الأبرز فيه، سواء كان ذاك في مصر او في تونس او في اليمن، او ليبيا، او سوريا، أو حتى العراق الذي يفترض ان يكون ـ وبالمقاييس الغربية ـ دولة ناشئة باتجاه الديمقراطية..... ومع هذا، كان الموقف القطري السعودي متطابقاً إزاء العراق، وعدّته الدوحة بلداً من ضمن بلدان الربيع العربي، أو هكذا توهّمت....
حمدى السعيد سالم
صحافى ومحلل سياسى







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز