مجدي عبد الهادى
m.magdy54@gmail.com
Blog Contributor since:
14 March 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
الخلافة والإمامة والولاية..لمحة أصولية تاريخية


1) مُقدمة نظرية : التشكل التاريخي للاهوتية السياسية
================================

لا يمثل الدين كائناً عُلوياً مُطلق التجريد، بحيث يكون مُغلقاً على نفسه، بعيداً عن التطور الحياتي والتأثر بالوقائع الإنسانية والإجتماعية المباشرة، التي تستدرك معها بالضرورة، تحيزات وإقحامات تفرضها الضرورات والمصالح الواقعية، التي تتشكل من خلالها التصورات الدينية الواقعية، تلك التصورات - التي بحكم القوى المتمترسة ورائها – تحاول أن تتملك الدين، خالقةً معها ما تحتكره لنفسها؛ لتسميه بالدين "الحق" !!

فإذا كان الدين في أصله رسالة إلهية – في حالة الديانات السماوية -؛ فإن التشكل الواقعي للدين بكافة تصوراته وتفسيراته، ما هو سوى واقعة بشرية بكامل وجوهها، تحتوى ضمن ما تحتوى كافة المصالح والأهواء التي تحملها في صيرورة تكونها التاريخي ضمن ظروفها المحيطة بكافة أبعادها السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية ...إلخ.

وإذا كانت حتى التفسيرات العقدية ذاتها – على كل تعاليها المُفترض !! - تتضمن في باطنها، في بعض الأحيان، تأويلاتً وتفسيراتً خاضعة للبيئة التي نشأت فيها؛ فمن باب أولى أن يكون هذا هو حال المسائل ذات الأبعاد المصلحية المُباشرة، والتي يأتي على رأسها دون شك تلك المسائل ذات الطابع السياسي والإقتصادي .

لهذا عندما نتناول قضية كقضية "الحكم"، بكل ما يلتبس حولها من خلافات وصراعات، فإننا حتماً نكون في قلب مسألة إجتماعية تاريخية، قبل أن نكون في قلب خلاف أصولي لاهوتي؛ حتى وإن غُلف مضمونه السياسي بأحاجي لاهوتية؛ مُنتجة لاهوتاً سياسياً، به من الحقائق ما به من الأوهام، ومن الخير ما به من شر !!

فالآراء السياسية المتكونة في سياق الصراعات السياسية التاريخية، وفي ظل مجتمعات زراعية وبدوية - بالخصوص - يتصدر البعد الديني واجهة حياتها، كثيراً ما أخذت طابعاً أصولياً لاهوتياً بمرور الزمن، يضفي عليها من القداسة ما يخفي أصولها الدنيوية، وبحيث يصبح الإكتفاء بمعاينة وجهها الأصولي نوعاً من المثالية الفكرية التي إعتادت الإنشغال بالظل وتجاهل - أو جهل – الأصل !!

لهذا فأي دراسة علمية للكيفية التي تشكلت من خلالها المفاهيم المختلفة لمسألة الحكم في الإسلام، وتنوعاتها على مستوى الفرق الإسلامية المختلفة، كذا تطور تلك المفاهيم، إنما تفترض بالضرورة دراسةً للوقائع الإجتماعية التي تشكلت من خلالها وضمن إطارها التاريخي .

وهو طبعاً أمر تضيق به المجلدات الضخام، ناهيك عن مقالة صغيرة كهذه !! ؛ حيث أنه يتضمن في الحقيقة دراسة لكامل التاريخ الإسلامي، وللتأسيس المُتشابك للفرق الإسلامية المتصارعة بتفرعاتها المُختلفة !! وهو الأمر الذي سيفرض علينا عرضاً عجولاً على المستوى الأكثر عمومية وإتساعاً بعيداً عن التفصيلات، وفيما يشبه القفزات، مُتمحوراً ذلك العرض بالضرورة حول تلك العقد التاريخية التي تضافرت عندها خيوط الأحداث الاكثر أهمية ومفصلية في ذلك التاريخ المُثير للجدل .



2) موت النبي وبداية الفتنة
================

تشكل لحظة موت النبي وما أصاب المسلمين حينها من جذع، بما تلاه من خلافات وصراعات همشها التاريخ الرسمي، البداية الحقيقية للفتنة الكبرى فيما بعد، حيث طُرحت فيها لأول مرة مسألة "الحكم"، من حيث طبيعته ومشروعيته وطريقة تكوينه وتأسيسه، خصوصاً وأن النبي لم يطرح فيها تصوراً، تاركاً إياهاً للمسلمين؛ فلم يفرض عليهم شخصاً بعينه، وإن كان قد أشار بطرف خفي لأبي بكر، بإشارته له بإمامة المسلمين في الصلاة وقت مرضه .

وإن كانت الأزمة حينها لم تأخذ طابع الصراع الديني؛ نظراً لوجود كبار الصحابة وتأثيرهم الذي إستطاع لجم الخلافات وتجحيم أي إحتمالية لإتساعها، كذا طبيعة الصراع والمنافسة داخل فريق الأنصار – بقبيلتيه الأوس والخزرج - الذي كان ينافس المهاجرين على الخلافة، وبالطبع قرب العهد بالنبي، إضافةً لتهديد التفتت وحتى الإنهيار الكامل للدولة الإسلامية الوليدة، بسبب الحركات الإنفصالية التي كانت قد بدأتها بعض القبائل المحيطة، بما شكله من خطر على الدولة وحتى على الدعوة الإسلامية ذاتها .

ما تثبته تلك الفترة ما بين وفاة الرسول وبداية الأزمة بمقتل عثمان وصراع علي ومعاوية، هو أن مسألة الحكم هى من المسائل المتروكة لإجتهاد المسلمين، حيث لا توجد فيها نصوص مقدسة قرآناً أو حديثاً، ولا أي صيغ مفروضة سماوياً، وهو ما ظهر أثره في تعدد الإجتهادات الفردية من كبار الصحابة والخلفاء، فبدءاً من أبي بكر الذي خلف النبي بالتوافق والتراضي ما بين المهاجرين والأنصار وفرض الأمر الواقع على بني هاشم، مروراً بعمر الذي تسلم الحكم بتوصية أبي بكر، وعثمان الذي أُختير من بين ستة أوصى بهم عمر بن الخطاب، بعد خلاف بالغ الدلالة، حيث إنقسم الستة إلى ثلاثتين، توزعتا – بشئ من التجاوز والتبسيط – إلى واحدة تدعم علي ممثل الفقراء وآل البيت، والآخرى دعمت عثمان ووراءها الأرستقراطية الإسلامية الجديدة والقديمة بقيادة بني أمية عائلة عثمان .

وتمثل خلافة عثمان البداية الجنينية للدولة الأموية، حيث بدأ تسلط الأمويين على كافة أنحاء الدولة في ظل حكم عثمان الذي إستبدل بمعظم ولاة المراكز الهامة والولايات التابعة ولاةً من عائلته، وصولاً لمُستشاره الأول "مروان بن الحكم"، الذي نصحته فيه زوجته نائلة بما يشبه النبؤة : " فإنك متى أطعت مروان قتلك ، ومروان ليس له عند الله قدر ولا هيبة ولا محبة " [1]، وبتولية هذا المُستشار الذي لسنا في موضع وصف حاله، تكاثرت المباذل والتجاوزات الفجة في عهد عثمان، بما في ذلك تساهله في التجاوزات الشرعية وغير الشرعية من بعض ولاته كالوليد بن عقبه – أخيه من أمه – الذي كان لا يعيد ما يستدينه من بيت مال المسلمين، فوق إدمانه الخمر، وما يُذكر عنه من وقائع هزلية مؤكدة، كصلاته سكراناً بالناس !! ، بل إن الأمر لم يتوقف عند حد المحاباة للأقارب، والفساد المالي والإداري، بل وصل لعقاب المعترضين على هذه التجاوزات من صحابة النبي السابقين بالإسلام، كأبي ذر وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر، الذي حمل الكتاب الإحتجاجي الذي كتبه عشرة من كبار الصحابة للخليفة، وكاد يُقتل بسببه، لولا إنقاذ أم سلمه زوجة النبي له !!

المهم أنه قد تحققت نبؤة نائلة، وقُتل عثمان بسبب موالاته للأرستقراطية الأموية، على أيدي الثائرين، بسبب ما ساد حكمه من جور وظلم، وتعنته في الدفاع عن سياساته المرفوضة، ولم يكن هناك شخصاً صالحاً للولاية ومُمتلكاً لجماع الشرعية مثل علي بن أبي طالب، وهو الأمر الذي تبلورت من خلاله أزمة "قوة الشرعية" في مواجهة "شرعية القوة"، شرعية علي مُمثل النهج الإسلامي الأصيل، المُنادي بالعدل، والمُنحاز للفقراء والمُستضعفين، السابق بالإسلام، وسليل البيت النبوي، في مواجهة قوة الأرستقراطية الأموية، التي ورثت كثيراً من مفاصل الدولة عن عثمان بن عفان، والمُسيطرة على قطاع عريض من الثروة، والمُستندة لقوتها القبلية القديمة بكافة تقاليدها وأعرافها التي ظلت فاعلة رغم تناقضها الجذري مع مبادئ وتعاليم الإسلام .



3) الأمويون وخلافة القبيلة
==============

"يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة ، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم ، ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة" [2]

أبو سفيان لعثمان بن عفان بعد توليه البيعة

لن نخوض في تفاصيل حروب علي ومعاوية، فقط نركز على الواقعة التي حدثت بمعركة صفين، عندما كان أول من رفع المصحف للإحتكام في قضية سياسية بحتة هو معاوية ورجاله !! ليس عن أي مبدأية طبعاً، لكن لكونهم شعروا بإحتمال الهزيمة، وقد كان لرفع المصحف أثره في شق صفوف أنصار علي، فإلى جانب كونهم من التقاة المؤمنين حقاً وصدقاً، فقد كانوا قد تعبوا من القتال من جهة، كذا خُدعوا من بعض عملاء معاوية المندسين ضمن صفوفهم من جهة أخرى، فما كان من الإمام سوى القبول بالتحكيم، وما تلاه فيما بعد من خداع عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري؛ لتزداد صفوف أنصار علي إنشقاقاً، ما بين من بقوا على دعم علي والخوارج الذين رفضوا التحكيم وإنشقوا عليه،...إلى آخر الأحداث التاريخية المعروفة التي إنتهت بمقتل علي ونجاة معاوية وعمرو !!

وبصفة عامة فقد تمكن بنو أمية بحكم سيطرتهم على كثير من مفاصل الدولة وقطاع عريض من الثروة من تشتيت وتفتيت صفوف علي إبن أبي طالب، مُستندين لقوتهم القبلية والأرستقراطية، ومُقدمين لنظرية "خلافة القبيلة"، فخلافة النبي يجب أن تظل في مسلمي العرب الأحرار عموماً، وفي بني قريش خصوصاً، وهى النظرية التي ثبتت فيما بعد في فقه أهل السنة كنظرية للخلافة، رغم مخالفتها لأصول الإسلام في مناهضة القبلية والطبقية، ورغم إفتئاتها على حقوق كثير من السابقين في الإسلام، والأعلى درجة دينية من بني أمية أنفسهم، الذي كان أغليهم كما تواضع العلماء على وصفهم من "الطلقاء"، أي ممن آمنوا بعد فتح مكة، وغلبة الإسلام وسيادته على الجزيرة .



4) عرب وموالي : تأسيس الفرق الإسلامية
=========================

وتمثل واقعة "صفين" بداية التأسيس المذهبي للفرق الإسلامية الكبرى، إنطلاقاً من قضية الخلافة تحديداً، فمنها كانت البذرة الحقيقية التي تطورت ونمت فيما بعد لتتكون منها النظريات الإسلامية المُختلفة في مسألة "الخلافة"، فمن جهة تكونت بذرة الفرقة التي سُميت فيما بعد بـ"السنة" تحت راية السلطة الأموية، مُمثلةً الأرستقراطية القرشية التي كانت تحصر الخلافة في قريش، مقابل الفقراء والمساكين والموالي من مُشايعي الوصية لعلي "الشيعة" التي كانت تحصرها في آل البيت، وتحديداً بيت علي بن أبي طالب الإمام الأول، وخروجاً على الإثنتين تكونت "الخوارج" على علي، مُمثلة الموالي من غير العرب وبعض القبائل العربية الأخرى التي تمسكت بمفهوم أكثر تقدماً، تكون الخلافة بموجبه لأي مسلم عاقل تنطبق عليه الشروط التقنية [3] للخلافة، دون تمييز عرقي أو قبلي أو طبقي .

وهكذا فقد كان الشقاق الأول ما بين المسلمين ذا منشأً طبقياً عرقياً، ما بين العرب والموالي، حيث كانت الخوارج هى الفرقة التي إنشقت على ما كان علي ومُعاوية مُجمعين عليه شكلياً، وهو أن يكون الخليفة ضرورةً من قريش، رغم إختلاف مضمون الرؤية والمنطلقات لكل منهم بالطبع، ما بين مبدأية علي المُنطلقة من كونه الممثل الحقيقي للإسلام الثوري المُنحاز للمُستضعفين، كذا الحاصل على وصية ومكرمة من الرسول، وما بين مُعاوية مُمثل الأستقراطية الأموية القرشية، ذات العنجهية البدوية العنصرية، والمصالح الإقطاعية والتجارية .

فكانت بهذا الشقاق بذور أول نظريتان للخلافة :

§ نظرية الخوارج : وقد بدأت بحصرها في كل عربي حر، ثم توسعت بعض فرقها فجعلتها متاحة لكل مسلم حر، شريطة "العدل"، وقيموا وفقاً لهذا المعيار كافة الخلفاء السابقين بدءاً من أبي بكر، فجعلوا شرعية الخليفة تدور صحةً وبطلاناً مع إلتزامه بالنهج الإسلامي القويم، الذي هو صالح الأمة، التي جعلوها مصدر الشرعية، ما إشترط معه كونه مُنتخباً، وليس مفروضاً بأي وسيلة، كذا – كنتيجة منطقية - أحقية الأمة في الثورة على الحاكم الجائر حتى قتله وإستعادة الحكم كحق أصيل لها .

§ نظرية أهل السنة : وهى بدأت بحصر الخلافة في كل عربي حر، ثم حصرتها في قريش على خلاف، وإشترطت فيه "العدل"، وإن كانت لم تبن على ذلك ما وصلت له الخوارج من جواز الثورة على الحاكم إذا ظلم، ورغم أنها لم تبح الوراثة نظرياً، إلا أنها لم ترفض إمكانية أن يكون الخليفة بالتعيين خلفاً عن خلفاً – وهو ما نشأ منطقياً عن حكم الملك العضوض - رغم تأكيدها نظرياً على حق الأمة بإنتخابه، كذا إشترطت فيه "العلم" بالدين للإجتهاد في العلوم الشرعية، لكن دون أن يترتب على ذلك إمتلاكه لسلطة إجتهادية تشريعية فيما وردت به نصوص [4].

وكانت هذه هى الخطوط العريضة لنظرية الخلافة لدي كل من السنة والخوارج، فلم يجر عليها تطورات ذات بال فيما بعد، بل ربما كان التدهور من نصيبها لدى كلا الفرقتين، فالخوارج تفرعت وتشعبت لتصبح فرقة هامشية ضعيفة بسبب المطاردات والملاحقات العنيفة من قبل الأمويين، بينما تدهورت نظرية السنة لسبب آخر تماماً هو الحكم العضوض الذي تكونت الفرقة نفسها في ظله وتحت رعايته، بحيث أُستلبت كافة نظرياتها مفاهيمها لحسابات السلطة ومصالحها، فلم يجر عليها أي تطور خارج ذلك الإطار .

فقط كانت الشيعة وحدها من طورت مفهوماً مُعقداً للخلافة أو الإمامة كما أسمتها، وهى الوحيدة التي أعطتها بُعداً عقدياً إيمانياً، تكثف وتتطرف مع مرور الزمن وغياب الأئمة وشراسة السلطة .



5) شيعة آل البيت
===========

أ- الأصول النظرية
----------

إذا كانت مسألة الخلافة لدى السنة وغيرهم قد بقت في إطار الفروع، بحكم مصلحة السلطة، راعية صناعة الفرقة نفسها، في عدم تحول المسألة لأحد أصول الدين، بما يجعل التمرد ضدها فرضاً دينياً، فإن الأمر تطور لدى الشيعة ليأخذ المنحى المُعاكس بالضبط، وهو ما يفسر شراسة السلطة في قمع الشيعة وتكفيرهم .

فالفارق الأساس ما بين السنة والشيعة هو تحديداً في مسألة الولاية العامة، فهى فرع لدى السنة، يمكن التجاوز عن شروطه في ظل سلاطين الغلبة، الذين لا يجوز الخروج عليهم وإن فسقوا، أما لدى الشيعة فالولاية مسألة إعتقادية تدخل في صلب الإيمان، والأصل الرابع من أصول الدين، لا يقوم الدين إلا به، بما يجعل البيعة لحكام الجور ولغير الأئمة غير واردة أصلاً [5].

فالإمامة لدى الشيعة هى كالنبوة من أصول الدين، وذلك بإعتبارها إستمراراً لها، كما تجب فيها العصمة كالنبوة، فلا يفرق بينهما سوى إختصاص الأنبياء بالوحي الإلهي، وهو ثاني وجوه الخلاف ما بين السنة والشيعة في هذه القضية، حيث لا تشترط السنة في الحاكم – الذي لا يُسمى إماماً – المعصومية، مقابل الشيعة التي توجب المعصومية في الأئمة، الذين يجمعون الولاية على أمور الدنيا والدين، جامعين ما بين عدل الحاكم وإجتهاد الإمام، كما تعتقد بوجودها على وجه التعيين في نسل الإمام علي المُتحدر من بيت النبوة، إبتداءاً من إبراهيم وإسماعيل .


ب- الأئمة ونظريات الإمامة
----------------

إختلف الشيعة في حدود الإمامة ومعناها وتعيينها في أبناء علي، فمنهم من رآها دينية بحتة تكفيها الدعوة والعناية بشئون الدين [6] مقابل من رآها ولاية عامة شاملة لأمور الدين والدنيا تستلزم الثورة على حكام الجور، هذا من وجه تحديدها ومعناها، أما من وجه تعيينها، فقد إنقسمت الشيعة لأربع فرق رئيسية [7] :

§ الكيسانية : لم يحصروا الإمامة في أبناء علي من فاطمة، بل قالوا بانتقالها لإبنه محمد بن الحنفية .

§ الإسماعيلية : قالوا بانتقالها بعد جعفر الصادق لإبنه إسماعيل، وليس لموسى الكاظم .

§ الزيدية : حصروها تعييناً في علي والحسن والحسين، وشروطاً بجعلها فيمن يخرج للثورة على حكام الجور من أبناء علي؛ فنقلوها لزيد بن علي وأبنائه [8] .

§ الإمامية الإثنى عشرية : وجعلوها في إثنى عشر إماماً إبتداءاً بعلي، ومروراً بموسى الكاظم، وصولاً لمحمد بن الحسن المهدي، الذي إختفي في السرداب ليعود كإمام آخر الزمان [9] .


ج- الإمام الغائب : الولاية بإنتظار المهدي المُنتظر
-----------------------------

واجه الشيعة الإمامية مأزق جمع شمل الفرقة، وعدم تركها للضياع بغياب الإمام المهدي؛ فكونوا نظام "الولاية الجزئية"، أو المرجع الفقهي المجتهد، والذي عارضه وعارض توسيع سلطاته، من سُموا فيما بعد بالإخباريين، المُلتزمين بآثار الأئمة مع الأحاديث والنقول دون تجديد، في مواجهة الأصوليين المُجتهدين، الذين قدموا الفقهاء كمُجتهدين فيما يُستجد من أمور [10].

وقد ثار الخلاف بين الفريقين، ما بين الإخباريين الرافضين لبدعة الإجتهاد، إكتفاءاً بالأحاديث والنقول عن الأئمة، والمحبذين لإبقاء الوضع القائم، وعدم معاركة السياسة بأي صورة، وعدم السعي لتكوين الدولة، التي يرونها من شأن الإمام الغائب وحده ، وما بين الأصوليين، الذين رأوا ضرورة المُشاركة بالشئون السياسية، وإن كانوا قد إنقسموا ما بين من إرتأوا الإكتفاء بالمشاركة بالقدر الممكن، والذي لا يتضمن إصطداماً بالسلطة القائمة، وبين فريق آخر دعا للسعي لإقامة الدولة الإسلامية برعاية الفقهاء، حتي يأتي الإمام الغائب [11].


‌د- نائب الإمام : ولاية الفقيه
----------------

وقد كان الرأي الأول للأصوليين هو الغالب بين مراجع الحوزات، حتى تبنى الخميني الرأي الثاني، وأعلن تصوره التفصيلي لكيفيته في عام 1965م ، متوجهاً بتساؤل منطقي لطلابه ولمعارضيه "لقد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف عام، وقد تمر ألوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المُنتظر،...في طول هذه المدة المديدة، هل تبقى أحكام الإسلام مُعطلة ؟ يعمل خلالها الناس ما يشاؤون ؟ ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟" [12].

وهكذا دعا الخُميني لرؤية مُفادها ضرورة أخذ الأمر بالإرادة عاجلاً لا آجلاً، مُحفزاً الشعب وفي مقدمته الفقهاء على التحرك لدفع الظلم والثورة على الجور؛ لإقامة حكومة العدل، بدلاً من الإنتظار الذي قد يطول "ألوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المُنتظر" [13].

وهكذا تكونت ولاية الفقيه، التي يكون فيها المرجع الفقهي نائباً عن المهدي إمام المسلمين الغائب، له كل ما للإمام من شئون مُتعلقة بالحكومة والسياسة والفقه الحياتي اليومي، وما يتعلق بها جميعاً من رئاسة صورية ظاهرية، لا علاقة لها بالولاية التكوينية المُختص بها صفوة الأنبياء والأئمة الذين إستخلصهم الله بفضله وفيضه الإلهي [14].



6) خاتمة : الخلافة والولاية ما بين السنة والشيعة
=============================

رغم المضمون السلطوي الهيراركي لمنظومتي الخلافة السنية والولاية الشيعية، كمنظومات دينية الطابع؛ فإن الإختلاف بينهما واسع الشقة، ما بين خلافة سياسية بحتة تسيطر على المؤسسة الدينية وتوجهها لخدمة المصالح الطبقية الواضحة التي تراعاها، وولاية تمثل بذاتها مؤسسة وظيفية، دينية الطابع - رغم الوحدة النسبية لمصالحها الفئوية - إلا أنها تتسع بحكم تعدد رؤوسها في إطار ذات المرجعية [15]، لإجتهادات مُتعددة قد تحمل مصالحاً مجتمعية مُتعارضة في حدود معينة؛ بشكل يوفر توازناً أكبر للمجتمع، في نفس الوقت الذي تُميع فيه الصراعات الطبقية إلى حد ما بحكم توسط المؤسسة الدينية الوظيفية لتلك الصراعات، مُقارنةً بتلك الخلافة السياسية مُحددة المعالم والمصالح الطبقية، التي تحتكر الدين بشكل مُطلق، ما يخولها سلطة تصنيف أي خروج إجتهادي عليها كخروج على الدين ذاته [16] !!


========================================================

[1] تاريخ الطبري ج 3 ص 296 ، البداية والنهاية ج 7 ص 172 .

[2] المسعودي ، مروج الذهب 2 / 230 .

[3] أي الملائمة الشخصية من قدرات نفسية وجسدية ...إلخ ، وهى شروط مُجمع عليها، فلن نناقشها في سياق تبيان نظريات الفرق الإسلامية المختلفة؛ لبداهتها !!

[4] فسلطة الإجتهاد فيما لم يرد به نص هى مشاع لكل المسلمين، وليس للحاكم دون غيره، وفقاً لآليات القياس وغيرها، بل وحتى برهان القلب كما ورد بحديث النبي .

[5] وهو الأمر الذي تجلى بقوة في الثورات المتتالية للشيعة، والتي جرت عليهم قمعاً وتنكيلاً لعب دوراً مزدوجاً ومتناقضاً في تكوينهم الإعتقادي والفقهي، بين من مالوا للتساهل والإعتدال من ناحية، ومن مالوا للتطرف والغلو من ناحية أخرى .

[6] وقد كان إجتهاداً وقتياً على سبيل الإستثناء، وكنوع من التقية تحت ظروف القمع الأموي العنيف، لكن الأصل أنها دينية دنيوية .

[7] تيارات الفكر الإسلامي – د.محمد عمـــارة – ص 209، 210 – دار الشروق 1997 م .

[8] كانت تعاليم زيد بن علي الثورية خروجاً على التقليد المُهادن الذي إتبعه الأئمة الذي سبقوه تحت ضغط القمع الأموي، وقد لخص مقولته بوضوح في مقولته الشهيرة "ليس الإمام منا من أرخى عليه ستره ! وإنما من شهر سيفه ! " - تيارات الفكر الإسلامي – د.محمد عمـــارة – ص 103 – دار الشروق 1997 م

[9] وإعتبروا غيابه وبقائه كل هذا الزمن من معجزاته التي إختصه الله به كإمام .

[10] الخُميني فكراً وثورة..رؤية جدلية – مجدي عبد الهادي وأحمد صبري - ص 69 – الطبعة الإلكترونية المُعتمدة – مارس 2012م.

[11] المصدر السابق .

[12] المصدر السابق – ص 70 .

[13] المصدر السابق – ص 70 .

[14] والمقصود بالولاية التكوينية المعرفة الإلهية الخاصة المُتفردة التي يفيض بها الله على أصفيائه من الأنبياء والأولياء والأئمة .

[15] يشبه هذا وضعية الكنيسة المسيحية الأوربية التي خرجت منها ذاتها حركات الإصلاح الديني !!

[16] ولعل هذا ما يفسر ضعف التنوع الفرقي داخل الطائفة السنية، حيث تكاد لا توجد فروقاً جوهرية ما بين الفرق المُتفرعة عنها !!


========================================================

نٌشر لأول مرة بفصلية "الطليعة 21" المصرية ، العدد الثالث - خريف 2012







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز