عادل أسعد
adelas3ad@hotmail.com
Blog Contributor since:
23 May 2012

 More articles 


Arab Times Blogs
عدرا العمالية تشهد لجورج اورويل

عندما كتب الصحافي و الروائي الانكليزي جورج اورويل روايته الشهيرة "1984" كان يرى المستقبل السياسي للعالم و الذي هو حاضرنا اليوم من زاوية الأقطاب الكبرى التي سوف تتصارع فيما بينها للهيمنة على الشعوب الأخرى . و تكلمت الرواية باسهاب عن استخدام هذه الدول الكبرى للاعلام كأداة لتطويع شعوبها كي تستكين إلى سياسات حكوماتها مما سيجعل هذه الشعوب في النهاية "مستعبدة" فكرياً لقياداتها .

 ما جعل من هذا الكتاب الذي نشر عام 1949 واحداً من أشهر كتب القرن العشرين أنه قد وصف بدقة عالية حال المستقبل السياسي الذي بات عليه العالم بعد نصف قرن من كتابته و حتى الأن ، فهو قد قسم الامبراطوريات التي سوف تتنافس فيما بينها لتوسيع رقعها الجيوسياسية إلى ثلاث ، الأمبراطورية الأميركية و الروسية و الصينية . و لكن ما يهمنا من ذكر جورج اورويل الأن بينما الألم في سوريا يتفجر و منسوب الدم يرتفع (حتى وصل إلى الركب) في مدينة عدرا العمالية هو لفتة صغيرة و وحيدة قد جاءت في كتابه عن بقعتنا الجغرافية حيث ذكر بأنها سوف تشكل حدود توسع و تصادم هذه الامبراطوريات الثلاث مما سيجعل منها منطقة شديدة السخونة و ستكون شعوبها "كالعبيد" في خدمة القوي في وسط هذا الصراع المزمن . و لكن لماذا عبيد ؟؟ و ما أو من هو الذي سيستعبدهم ؟؟ و ما هو أصل هذه العبودية و لماذا لم يستبصر الكاتب مخرجاً لها ؟؟

 الاجابة عن هذه الأسئلة حسب المؤلف بسيطة و هي أنه لا يعرفها لأن شعوب المنطقة سوف تكون لعبة و ليس بلاعب فلا داعي للغوص أكثر فيها . لكننا ندفع نحن السوريون ضريبة هذه العبودية موتاً و خراباً و يهمنا جداً أن نعرف مكامن وجودها في مجتمعاتنا حيث تنتج من هناك يوماً بعد يوم ألماً و دماءً و .. غضباً. يبدو جليا من سرعة رد فعل الجيش السوري على اجتياج مدينة عدرا العمالية بأنه غاضب مما وقع لهذه المدينة المنكوبة ، و حاسم في قراره لاستردادها في نفس الوقت ، ففي خلال يومين إلى ثلاثة قيمت قيادة الجيش الوضع العسكري و وضعت دراساتها الميدانية و خططها القتالية و اختارت التشكيلات المقاتلة المطلوبة لاسترداد المدينة و أرسلتها مع آلياتها إلى تخومها .

و البارحة قرأنا بأن الجيش قد دخل إلى المدينة بعدما أنهى السيطرة على التخوم و بأن تقدمه في أحيائها بطيئا بسبب الدروع البشرية التي وضعتها قوات المعارضة أمامها من المدنيين الذين تم استثنائهم من الذبح لأجل هذه الغاية !! إن الشعور بالغضب مما حدث في عدرا العمالية ليس حكراً على الجيش السوري وحده ، فمقاتلي جيش الاسلام و جبهة النصرة قد أمعنوا في التنكيل في المدنيين هذه المرة و كانوا وقحين إلى أقصى حد في فرزهم الطائفي من على المنابر و في تنفيذ اعداماتهم على الهوية و ممارسة عنفهم في العلن "على عينك يا تاجر" و كله تحت مسميات رنانة و خطيرة استعبدتهم و امتصت روحهم فطربت آذانهم لسماعها مع أنها جوفاء مثل خطاباتهم الجهادية لأجل الحرية و العدل و التي لم توصل يوماً إلا إلى المزيد من القهر و العبودية ، فهي عبثية مثل سعيهم إلى الحق الذي يرونه بعيونهم المستعبدة و يريدون احقاقه على رقابنا بالاكراه مثلهم مثل القواد الذي يصر على التفاخر علناً بعمله كونه مصدر "رزق" للبعض و مصدر "متعة و لذة" للبعض الأخر 

  بعدما وصلنا من بعض وسائل الاعلام و من الناجين ما تيسرعن الفظائع التي مارستها ما تعرف بالمعارضة في بلدة عدرا العمالية انطبعت في ذهني و لم تبارحه عدة صور عن هذه المجزرة . بعضها قد سمعته من معارف لي عبر الهاتف مع سوريا و لم يذكر في الاعلام مثل صورة هروب أبناء الأقليات للاحتماء عند جيرانهم الذين أثبتوا أنهم اخوة وطن فحموهم و كأنهم أبنائهم ، و صورة الهاربين و هم يتصلون بهمس و بصوت مرتجف من تحت سرير الجيران بأقارب لهم في دمشق لطلب النجدة أو للوداع . و صورة أهل البناء الواحد و قد تجمعوا في الملجأ للاحتماء لتدخل عليهم مجموعة مسلحة و تطلب منهم هوياتهم الشخصية لأجل الفرز و قد ربطوا المسلحون على رؤوسهم عصابات سوداء و أطلقوا لحاهم و نصفهم تقريباً يشهرون السيوف قبل البنادق . مع تداخل هذه الصور في رأسي جلست أتخيل المشهد العام لمقاتلي المعارضة و هم يتحضرون للهجوم على بلدة عدرا العمالية كما تخيلتهم سابقاً و هم يتحضرون لمهاجمة معلولا بغية خطف الراهبات 

 أرى المشهد منذ البدء ، منذ اللحظة التي وصل فيها أمر العملية من ضابط الارتباط السعودي إلى قيادات جيش الاسلام و جبهة النصرة و من ثم انتقال الأمر بسرية و بسرعة إلى رؤساء الكتائب الموثوقين لتأمين قطيع هجومي تحت الطلب مؤلف من حوالي 2000 مقاتل من جنسيات مختلفة أغلبهم سوريين من أبناء ريف دمشق و بالتحديد من دوما و الضمير و عدرا البلد . أتخيلهم و هم مجتمعين قبيل الهجوم و أرى ابتساماتهم المكبوتة و لمعان عيونهم الحمراء عندما اطلعوا على مهمتهم و هي اجتياح مدينة صغيرة و ليس مهاجمة قطعة عسكرية ، فالمدينة تحوي مدنيين أي الكثير الكثير من النساء و الأطفال و فوق هذا يكون نسيجها الديني متنوع مثل كل المدن السورية مما يعني أن باب القتل و الرهائن مفتوح الأن من الأرض و السماء

أستطيع أن أسمع الأغاني التي تحث على الجهاد في مكان التجمع مع ملاحظة أن المغني يجب أن يكون دائماً شاباُ صغير السن و ناعم الصوت ، و أسمع المقاتلين و هم ينادون بعضهم بالألقاب و يتبادلون التعليقات بكلمات عامية و فصحى متداخلة ليمنحوا بعضهم البعض شعوراً بالاطمئنان و بأنهم ذاهبون في نزهة مقدسة دون أن ينسوا تذكير بعضهم بأن قائمة ضحاياهم متدرجة وصولاً إلى أبناء مذهبهم أيضاً ممن يعملون في مؤسسات الدولة. أستطيع أن أرى بينهم من هم متخصصون في الذبح بين أقرانهم و قد حرصوا على شحذ سيوفهم القصيرة قبل تلقيم بنادقهم ، و هؤلاء يتميزون بالهدوء الشديد و تكثر فيهم نسبة المقاتلين العرب و الأجانب ، و لكن إلى جانبهم هناك أيضاً حملة سيوف من الدرجة الثانية و هؤلاء يحدثون الكثير من الضجيج و يميلون إلى السيوف الطويلة أو السواطير و يكونون أصغر في السن من ذباحي الدرجة الأولى 

 و أنهي تخيلاتي بمشهدين الأول لعسكري سوري ممن بقيوا على قيد الحياة من مفرزة حماية الفرن التي قاومت المهاجمين باستبسال و هو يرى زميله أمامه و هو يشوى في بيت نار الفرن و ينتظر دوره للحرق هو الأخر ، و المشهد الأخر لأبنية قد اعتلى أسطحتها قناصين لضرب الجيش السوري و أحيطت طوابقها الأرضية بالدشم و حشر فيها من استثنى من الذبح من النساء و الأطفال ليكونوا دروعاً بشرية و وجوههم مصفرة من الرعب بينما نظراتهم تنفذ من شقوق النوافذ إلى الجثث المتناثرة في الشارع متأملة ألا تكون واحدة منها للأب أو للزوج أو للأخ . يبدو جلياً من قصص القتال في عدرا العمالية أن هذه التخليات لم تقتصر علي وحدي فهناك من تصورها كثيراً و راجع تفاصيلها في رأسه ، بل هو قد بدأ فيها من عمق التاريخ قادماً إلى الجزائر و الشيشان و أفغانستان و العراق وصولاً إلى مذبحة ريف اللاذقية التي هاجمت فيها نفس العينة من المقاتلين أكثر من عشر قرى سكانها من أبناء أقلية سورية محددة فسبوا ما استطاعوا من النساء و الأطفال و قطعوا الباقين بالسيوف و الفؤوس

 من عرف هذه التخيلات قد حمل سلاحه في عدرا العمالية و قاتل بعناد حتى أخر رمق ، و هناك من هو أكاديمي و ليس بعسكري قد التقط عدة قنابل من جثة جندي سوري و لم يتردد في نسف نفسه و زوجته و أولاده بالمهاجمين مفضلاً الموت له و لأفراد أسرته بحرية على أن يقع أحد منهم في يد من هو عبد للعنف و ليوجه في نفس الوقت رسالة بليغة جداً إلى كل مقاتل في سوريا يكون أسيراً لعنفه... رسالة عن الصورة التي يحملها السوري الموالي في ذاكرته عنه و عن مدى العقيدة و الاستبسال الذي سوف يبديهم في مواجهته . إن للعبودية أكثر من مكمن في وجدان أبناء المنطقة و لكن أهمها هو ما لعب الدور الأكبر فيما وقع لسوريا و هو ما أهمله أو عجز عن الاجابة عنه جورج اورويل و لكن التصورات التي حملها الكثير من السوريين تجيب عنه بامتياز 

 و هي تصورات مبنية على ما هو أبعد و أعمق من حكايا و حوادث الأزمة الأخيرة ، فهي مبنية على واقع نشيط و لكنه مستتر تحت السطح و لكشفه أود أن ألجأ إلى طرح تساؤل واحد و هو : بالرغم من أن النظام السوري قد أصدر عفواً عدة مرات عن مقاتلي المعارضة العائدين ، و بالرغم من أن الصراع في سوريا كما هو معروف قائم في الدرجة الأولى على الاعلام ، و كل طرف قد جند ما استطاع من الوسائل الاعلامية ، و بالرغم من أن للمعارضة الكثير من الدول و "الشعوب" التي تدعمها ، فلماذا إذاً لم نجد شخصاً واحداَ بين المعارضة في سوريا أو بين الدول أو الهيئات أو المثقفين أو الأفراد الذين يؤيدونها و يدعمونها ليقول للتنظيمات المقاتلة على الأرض أن تتحرر من عبودية عنفها الموروث مرة واحدة (واحدة لله ،واحدة يا محسنين) و تعفو أمام الكاميرات عن أسير عسكري من أبناء الساحل السوري و تقول له "اذهب يا ابن الحلال فنحن متعطشون إلى السلام و الحرية و ليس إلى دماؤك و كبدك"... لو كانوا قد فعلوها مرة واحدة لكان جورج اورويل مطالب بالاعتذار لنا من قبره لوصفنا بالعبيد ، و لكان الكثير قد تغير بما فيه التاريخ ذاته و لكن للأسف .. فالإناء لا ينضح إلا بما به و من بقي عبداً لعنفه فلن يعرف الحرية و لن يعرف كيف يصل إلى بر السلام







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز