الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
هل ان هل ان شغف قراءة الكتب، ضرب من العشق ؟

 

  يقول الاديب جبرا ابراهيم جبرا : لربما كان من حسن حظي انني نشأت في بيت ليس فيه الاّ بضعة كتب حصلنا عليها ونحن صغار بشق النفس والادخار الصعب.  فلما دخلت الحياة الجامعية في انكلترا وانا مبتلي بعشق الكتاب، كان علي ان اشتري الكتب بالجملة، بالعشرات، فأقع من اجلها في مآزق مالية، تماما كمن ينفق – حاله وماله – على امرأة عشقها،  فاستبدت بعقله وعواطفه دون رحمة – مع الفارق : هو ان هذا المعشوق قد يحرمك من الطعام اللذيذ لبعض الوقت، لكنه يغذيك عقلا وعاطفة طوال عمرك ويبقى رصيدا لك،  تعتمد عليه دائما ولا تخيب. وفي بحر سنوات قلائل وجدتني محاطا بكتب اخترتها جميعا بنفسي واحدا واحدا، انقلها قبل ثيابي اينما ذهبت برضا وحماس مع انها اثقل متاع ينقله الانسان في ترحاله.  ولها الحق في ان تكون كذلك : اليست هي التي تحمل خلاصة حكمة الانسان: تاريخه، تطلعاته، وجوهر كينونته ؟ 

 

كلما اقيم معرض للكتاب ، تمنيت لو ان هناك معارض دائمة للكتب، وليس معرض يقام لمجرد اسبوعين او ثلاثة. وانا اعلم ان المعرض من طبيعته ان يكون مناسبة فصلية محددة بزمن قصير. لكي تبقى الاثارة في اقصاها والاقبال على احرّه. غير ان الرغبة في التنقيب والتقليب بين الكتب وهي في اكداس وتنويع وقد اختلط حديثها في قديمها، زاهيها في قاتمها، معلومها في مجهولها، نادرها في مألوفها، رغبة لا يسهل ارضاؤها في ايام. وهي الرغبة التي كانت تجد متنفسا لها على امتداد السنة حين كانت هناك اسواق تكدس فيها الكتب المستعملة والمخزونة منذ القدم على مصاطب تمتد مع دكاكين الوراقين التي ما عادت الان تقدم الا القراطيس.

 

كانت سوق السراي ببغداد – مرتعا – جميلا من هذا الطراز في يوم مضى، وكذلك كانت اسواق مثلها في مدن العالم الكبرى، حيث تشتهر ارصفة معينة بما يتراكم تحت سقائفها من كتب نادرة وصور ومخطوطات مما يتسرب اليها بين حين واخر من مكتبات مات اصحابها او افلسوا او ضجروا او ارادوا استرجاع شئ مما انفقوه على ولههم الكتبي القديم. ومن اشهرها مصاطب الضفة اليسرى في الحي اللاتيني بباريس.

 

واني لن انسى المصاطب التي كانت تنصب كل يوم خميس في ميدان سوق البلدية في مدينة كامبرج ايام تلمذتي هناك. وقد تزاحمت عليها كتب نادرة ونفيسة من مطبوعات القرن التاسع عشر او اوائل القرن العشرين او كتب فنّية ذات طباعة خاصة او مجموعات كاملة لهذا الكاتب او ذاك، تباع جميعا بأسعار زهيدة. ويبدو ان بائعها يعرفها واحدا واحدا وهو يغريك بها، رغم ان الذي يهمه في نهاية المطاف هو الشلنات القليلة سينالها كسبا حلالا من تجارته المشروعة.

 

وهذا تعود ذاكرتي الى مقال كتبه ناقد انكليزي من نقاد القرن التاسع عشر هو وليم هازلت، يصف فيه وقوف عشاق الكتب عند هذه المصاطب وهم يقلبون الصفحات ويطيلون الوقوف ليقرأوا بمتعة وتلذذ فقرة هنا وفقرة هناك في كتب لا يملكونها. ويصفهم بأنهم سراق المعرفة. ويقول:  ان سرقة المعرفة هي السرقة المشروعة الوحيدة في حياة المجتمع، وما اجملها طعما من اصحاب المكتبات تشجيعا للزبائن على الشراء!

 

كانوا يومئذ كما كنا الى عهد قريب، اناسا يتربصون على مهل ويتنزهون سيرا على الاقدام ويتوافقون عندما يحلوا لهم التوقف، والمكتبات ومصاطب الكتب محطات استراحة للجسد وانعاش للذهن. وكانوا يسخون بالوقت على انفسهم اذا تحدثوا، وقد جعلوا من الحديث فنا له اصوله واساليبه في الاسترسال، ويحققون به متعة فكرية واجتماعية معا، كما يسخون بالوقت على انفسهم اذا قرأوا.  اما اليوم فاننا اناس كتبت عليهم السرعة في كل شئ لا سيما في الذهاب من مكان الى اخر، وما عدنا نسير على الاقدام للتربص او الحديث انما نحن نركب السيارة اينما كنا لنبلغ منازلنا بها بأقصى العجلة لكيما نستلقي بسرعة على مؤخرتنا امام شاشة التلفزيون ونسلم قوانا الفكرية رهينة لألة نتوقع منها اثارة ما، ولا تعطينا الا المزيد من التوقع الذي لا يؤدي الاّ الى الخيبة والملل.  ام الكتاب فقد راح ضحية التلفزيون عندنا كما عند الغير ولكن عندنا اكثر مما عند الغير.

 

وهذه ظاهرة تستحق التأمل. فالتلفزيون في معظم دول الغرب يتمتع بقنوات اكثر عددا مما لدينا وبرنامجه اشد تنويعا واعمق تشويقا وقد يستمر البث طوال ساعات النهار والليل. ومع ذلك فإن الكتب في كل قطر هناك تصدر بالالاف كل عام ويباع العديد منها بعشرات الألوف وربما بمئات الألوف من النسخ، وترى الرجال والنساء كبارا وصغارا في الحافلات وعربات المترو منهمكين في قراءة الكتب – وهم الذين اصلا اخترعوا كتب الجيب لكي توضع في جيوبهم عندما يخرجون لغرض ما فتبقى ميّسرة للرجوع اليها في كل لحظة وفي كل مكان. 

 

انهم يتذمرون اليوم من سطوة التلفزيون على اذهان الناس ولكنهم ما زالوا متعلقين بالكتاب مهما قلت نسبة مشتري الكتب عما كانت عليه فيما مضى، فيما يقولون.

وهذا كله يدفعني الى الترحم على ايام مضت ما كنت اخرج فيها من الدار الاّ وفي يدي اوجيبي كتاب، اقرأ ماشيا واقرأ راكبا واقرأ منتظرا ,اقرأ اينما وقفت او جلست.

ومع هذا فما اظنني يومذاك عشت لحظة من حياتي حلوها ومرها الا بشهيّة وغزارة .  وكان الكتاب بشكل ما هو دوما بعض المحرك، ان لم يكن المحرك الاكبر في ذلك كله او في معظمه. 

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز