أسامة غاندي
osamagandi@live.se
Blog Contributor since:
13 February 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
نيلسون مانديلا . دخل السجن ومعه الثورة وخرج منه ونسيها مكتوبة على الجدران .

رحل نيلسون مانديلا , وعلى جسده كل تاريخ الغرب الاستعماري غير المقروء , ودفنوا مع مانديلا ما فعلوه في قومه وشعبه , من تغيير ديمغرافي وسياسي , لكنهم لم يبخلوا عليه بقليل من الدموع التي يستلزمها المشهد السياسي . وجعلوها ثمن ثلاث عقود قضاها في السجن . اوباما ينكس الأعلام ويعلن الحداد , كاميرون بريطانيا يتأثر ويعلن انه والعالم سيفتقد للقيم النبيلة كثيرا , وهولاند وميركل 

 والصحف ووسائل الاعلام , كلها ركزت على اللقطة الاخيرة من مشهد الوداع , وماقبل الاخيرة من جائزة نوبل ورئاسته القليلة لجنوب افريقيا , لان من شأن هذين المشهدين أن يضيعا الكثير من التاريخ ويبعثرانه ويختصرانه بعنوان اخر ماكر , هو كيف ان العالم الحر يشيد ويقدس النضال والحرية والدعوة السلمية , ويقدس النشاط الانساني . لكي تزدحم الذاكرة المتعبة وتتأثر كثيرا بالمشهد الدرامي , ولكي لا تحتمل ( والحال هذه ) أي مقولات اخرى جانبية تثير الحقائق والحفيظة وتكشف المستور , بخصوص الحقبة السوداء للاستعمار البريطاني لجنوب افريقيا , والاغتصاب الشرعي الممنهج لدولة افريقية اسمها جنوب افريقيا , لازال يحكمها عمليا البيض , البالغ عددهم 4 ملايين نسمة نسبة الى سكان الدولة من غير البيض ولسكانها الاصليين البالغ عددهم 29 مليون نسمة

وهي الحقيقة التي ادخلت مانديلا السجن مدى الحياة , ولم يخرج منه الا بعد ان انتفت الحاجة والجدوى والزخم من الاعتراض , واختفى المنبر السياسي الحاضن , وبعد أن اعترفت كل دول العالم بالدولة واعترفت بامتيازات وحقوق البيض الغزاة , واعترفت بسيطرتهم وهيمنتهم على الاقتصاد والسياسة والقرار السياسي , وبعد ان ترسخ الوجود البريطاني الابيض في هذه الدولة بشكل عضوي مع الارض , وكان ان أخرج مانديلا بعفو , قيل انه تحت ضغط من المنظمات الحقوقية , واريد لهذا العفو ان يكون صفحة جديدة لمانديلا المسالم , وتاريخ جديد ترسمه له ويكتبه الغرب . الذي يحسن الكتابة واخراج الهويات الجديدة وصنع الموديلات السياسية . قبل الدخول في مقاربة الموضوع , لابد من التأكيد على نضال وكفاح ومسيرة العمر الوضاءة والمتعبة التي خاضها نيلسون مانديلا . ويجب ان نقرر بدون تحفظ الرسالة البارزة التي تركها مانديلا  

 فهو رجل مناضل بحق , ولكن أريد لنا ان نقرأه كما يريد الغرب , لا كما ناضل وكافح هو . والاحتفاء بمانديلا حيا وميتا , يجب ان لا يشمل كفاحه لان هذه بديهية , وانما يجب أن يشمل قراءة التاريخ البغيض للاستعمار الغربي لبلاده وتاريخ بريطانيا الاسود على وجه الخصوص وعنصريتها , وكل قاذوراتها السياسية التي لم تنته بعد في العالم . ويجب ان يشمل ادانة واضحة للتاريخ الاستعماري للمنطقة , ليس بجانبه العسكري والسلطوي ( لان هذا من تحصيلات السيطرة العسكرية ) ولكن بجانبه الاخلاقي , الذي يتفه كل مقولات الحرية والعدالة والحقوق التي تملآ الاسماع الفارغة , او تلك التي اعتادت على سماع هذه النغمة , حيث لانغمة سواها . حُكم على نيلسون مانديلا بالسجن مدى الحياة في سنة 1963 لاتهامة بالهجوم على مؤسسات الدولة ( وهو تعبير مهذب كناية عن ثكنات المستعمرين وحامياتهم ) واتهامه بزرع الفتنة بين افراد الشعب , علما أن حزب المؤتمر الوطني الحاكم , والمكون حصرا من اقلية بيضاء لاتشكل اكثر من 4% من السكان , حسب تقديرات الدوائر الغربية التي تضخم العدد , وهي في الحقيقة بضع شركات وعوائل انكليزية تسيطر على الاقتصاد والمرافق العامة في الدولة , أن حزب المؤتمر قام باعتماد سياسة ( الابارتيد ) , وتعني التفرقة العنصرية وتفضيل الاقلية على الاكثرية , بشكل صريح ورسمي ومعلن , ومكتوب , وتقضي هذه السياسة , بحصر كل الامتيازات والتعليم والخدمات الاخرى بالبيض , حصر كل الامتيازات التي تحق للمواطن بهذه الفئة فقط , وقام هذا الحزب باعتماد هذه السياسة منذ مجيئه الى السلطة سنة 1948 . وهي سياسة , احرجت كثيرا منظمات الامم المتحدة التي ظل هواها مع الغرب , ولن يمنعها هذا من مقاطعة جنوب فريقيا واصدار مئات القرارات التي تدين هذه السياسية , والتي تذهب الى ادراج المنظمة نفسها , كما هي العادة حين تتعلق الحقوق بمصالح الغرب . اتهمت المحكمة مانديلا بتهمة زرع الفتنة بين طبقات الشعب . ولم يتهموا احدا بكل هذا المعلن من السياسات العنصرية

وبموجب القانون البريطاني الذي كان سائدا في جنوب افريقيا . فان الحكم مدى الحياة يعني في اقصى فتراته 25 سنة ثم يطلق سراحه , لكنهم تجاوزوا على هذا العرف ايضا , بعد اعترافه بتخريب الممتلكات العامة , ورفض الاعتراف بتهمة زرع الفتنة , لانها فيما يبدو احرجتهم كثيرا , ورأوا الا يُثار مع القضية سياسة الفصل العنصري النتبعة رسميا . قضى في السجن 27 سنة , دخله وهو في عمر الاربعين , وخرج منه وهو في السبعين , دون شموله وخلاف المعروف باي تخفيف او تنزيل او مراعاة للسن , قضى منها ثمان عشرة سنة في سجن في جزيرة روبن ايلاند , في زنزانة ثمانية اقدام في سبعة اقدام , ضيقة رطبة على حصير , أصيب فيها بمرض السل , منعت عنه الزيارات والقراءة , في السنين الاولى قبل ان يُسمح له في الزيارة كل ستة اشهر فقط . كل هذا مع التعذيب ومعاملة السجانين السيئة . في السجن مارسوا عليه ابشع الضغوط النفسية , وفي السجن افرغوا ثوريته , وبدأوا بابتزازه , ومقايضته بامور بديهية . وهو بدوره افرغ كل نشاطه وكفاحه في سجنه

وبعد ان نضجت قضيته وقارب على الخلاص من السجن بدون اي استجداء او استرحام , عادوا ليمارسوا طريقة بشعة معه , فقايضوا حريته مقابل سكوته عن الحقوق المشروعة والانسانية له , وهي مفارقة بارزة وملفته للنظر ان تتم الصفقة في وقت انهى محكوميت ولم يعد هناك مبرر للتراجع او عقد الصفقات . ولسبب او لاخر , قبل المقايضة , أو انه اختار طريق الكفاح السلمي والمعارضة السلمية لاستحصال الحقوق . كما هو معلن من سيرته فيما بعد , ويبدو انهم اخترقوا النية السليمة والتوجه السلمي له , او حاولوا استثمار انسيته لصالحم ولتبرير هذه القساوة , فخططوا , ورسموا لحياته رسما جديدا , بعد ان استتب الامر والسلطة والاعتراف الرسمي للاقلية البيضاء كشريحة مكونة واساسية في جنوب افريقيا البلد الافريقي الغني بالذهب والماس والزراعة والفحم والثروات المعدنية الاخرى , كما انه قاعدة غربية متقدمة في العمق الافريقي 

  وقد استجاب ايضا بنية طيبة لهذا الاخراج , فاعلن فور خروجه من السجن , دعوته للسلم والاندماج العرقي والتعايش السلمي بين المكونات العرقية في البلاد , وكأنه بذلك أطر بصورة شرعية , أو اضفى من الشرعية الثورية ولما له من هالة نضالية , على حق البيض في العيش بسلام ووئام مع باقي السكان و باعتبارهم عنصر مهم وفاعل ومنتج , وادان العنف والكره الموجه ضدهم , من قبل بعض السكان , والذي يأخذ اغلبه طابع الاستقلال والتحرر ورفض الاستغلال والسيطرة الاستعمارية

هذه الصورة الاخيرة لما بعد خروجه من السجن , وتبنيه لهذا النهج الجديد السلمي المغرق في السلمية الى الدرجة السالبة , كانت من اخراج الغرب , وكانت النموذج الجديد الذي تم طرحه في عالم النماذج السياسية , التي جعلت العالم المرئي ينسى الاوليات واصل القضية ليركز على قضية سينمائية اخراجية , اكثر منها قضية وطنية , وليتيح للغرب تسويقها والاقتداء بها لتمييع الثورة والقضية معا . ولكي تكتمل صورة الانسانية في العالم الغربي ذي الانياب المخفية , وتبدو الابتسامة عبر اسنان صناعية , ويُمحى كل التاريخ القديم . ولان الذين حكموه وسجنوه , استطاعوا ترويضه , فكان لا بد من تقديمه مع باقة ورود وزهور وامتيازات وترف ورفاهية , كان هو قد تركها وراء ظهره وزهد بها , كان في عمر لا يمكنه التمتع بها , وكعادة الغرب في التلميع , انهالت عليه جوائز نوبل في السلام , كما انهالت على نوال المتوكل اليمينة , فقط لان الغرب اراد ان يقول لليمن شيئا عبر نموذج مسخ . واسندت اليه رئاسة جنوب افريقيا لفترة قصيرة , وهو اول رئيس اسود لجمهورية جنوب افريقيا , التي يشكل السود الغالبية العظمى من سكانها البالغ 33 مليون نسمة , حيث يشكل البيض فقط 4 مليون 

 فيما يشكل الباقون 29 مليون نسمة , وكأنها منحة منحت لرجل اسود ان يكون رئيسا لجمهورية سوداء . ومن ثم رئاسته لمجموعة عدم لانحياز وهي رئاسة اجرائية لكون بلده يترأس الدورة , وايضا فازت جنوب افريقيا في عهده بتنظيم بطولة الاولمبياد . كل هذه الاميتازات كانت لتلميع الثورية المفرغة لصالح المصالح الغربية في جنوب افريقيا , وهكذا يجري صنع النماذج السياسية في العالم , كما تصنع النجوم الفنية والرياضية . وقد كان الالتفاف على تجربته ونضاله , وتمرير التغيير الجيوسياسي لجنوب افريقيا عبره , واستثمار مرحلته النضالية بهذه الطريقة البشعة ايضا . وهذا ما يفسر كل هذا التمجيد والحفاوة الغربية به . وهو يستحق المجد والحفاوة فعلا بموجب قرائتنا لحياته ونضاله . لكن طريقة انتاجه مجددا في مختبرات ومعامل السياسة . بددت زخم الحوادث الجسام التي مرت بحياته , ولعل اهمها السجن الطويل بلا رحمة ولا مراعاة شروط السجن السياسي . ارادوا ان يقدموه للعالم كصورة من انتاجهم بعيدا عن قراءته هو للصورة , وارى مع الاسف انه ستجاب لذلك كثيرا , ولكن لهذا اسباب بيئية وشخصية كثيرة ربما تتضح لاحقا

جنوب افريقيا كبلد , نسخة طبق الاصل من اسرائيل . مع فروق جدا بسيطة , لمن يتأمل في ظروف النشأة وطريقة التوسع والامتداد , والبناء السياسي للدولة . ونيلسون ما نديلا وياسر عرفات خاضا نفس الطريق الثوري والنضالي , لكن عرفات مات مُغتالا , وكذلك لم تلمعه المنابر الغربية ولم تحتفي به كثيرا البيوت البيضاء ولم تنكس الاعلام ولم تبك ميركل , ولم يقل ديفيد كاميرون ( أنه بيته قد خرب ) لموت عرفات . لان عرفات اراد ان يلعب مع الجلادين وفق شروطه لا وفق شروطهم , او لم يعطهم فرصة أن يكون متلقيا لهم بالكامل وخاضعا لاخراجهم دون أن يكون له رأي في القضية او معالجة لها , ومن قبل عرفات , وبصوة اوسع واوضح , جمال عبد الناصر , نموذج اكبر واوسع واكثر جدوى وافصح رسالة ممن سبقة وخلفه , لم يُحز على هذا التقييم والاشادة من قبل الغرب , لاحيا ولا ميتا , بل انه وهو ميت , لم يسلم من نباح اعلاميين وصحفيين ومؤسسات عربية . تؤدي صلاة الشكر لاسيادها كل حين وتتمضمض بكلمات مثل حكم العسكر والديكتاتورية واوصاف اخرى , رغم ان عبد الناصر ملأ فراغا في الوعي وفي الذاكرة وفي الروح الثورية , لم تمر على الامة منذ قرون طويلة , وظلت فارغة بعده

 ورغم انه حكم دولة عربية كبيرة ومارس السلطة والثورة والنضال والتحرير , وهيمن وجدانيا على جموع كبيرة من الشعب العربي في كل اقطاره , لا بل وهذا هو المهم , ترك وديعة سياسية وامانة تاريخية لازالت تجد من يحملها من العرب . لم يحتمل الغرب هذه النماذج حية , لذلك لم يسوقها ميتة او راحلة , ولن يوصي ابواقه بتسويقها , ولم يعطي الاشارة للجوائز العالمية لان تأخذ طريقها اليهم . لانهم ببساطة كانوا ضد التوجه والهيمنة الاستعمارية , وحافظوا على مبدأ الاستقلال الوطني , كما أن الغرب الاستعماري فشل في تحنيطهم بعد ان يقتلهم ويخرج امعاءهم ويعرضهم في معارضه الانسانية على انه خصم , صاحب فروسية في الخصومة . لذلك فان الغرب وبكل وقاحة اغتالوا القذافي عبر فرقة كوماندوز فرنسية , تركوا جثته تعبث بها جرذان ليبيا من اطفال انابيب الناتو . واغتالوا صدام حسين في العراق كذلك , بعد ان حشروا لذلك 150 الف جندي وتحالف من 30 دولة ودعم لوجستي من دول عربية وصك مساعدات مفتوح من ايران , في اختراق واضح لكل الشرعية والشرف والحقوق الكاذبة للانسانية , التي اوقعت اكثر من مليون ضحية في العراق لحد الان . وهم الان في حملة مركزة ومدعومة وعالمية لشيطنة بشار الاسد 

 الذي استعصى عليهم ترويضه واحتواءه او تجييره او تحييده , وبصدد نصب كمائن لحسن نصر الله لايقاعه في حبائل فتنة داخلية في لبنان, يتولون هم اخراجها سينمائيا. كما تخرج لجزيرة افلامها المأساوية الكاذبة بكذب متناه . هم يروجون بشدة لفرضية جنون السيد احمدي نجاتي , ويبرزون بوضوح بساطته في الحركة وممارسة حياته الشخصية بعفوية , دون ان ينتبهوا الى دوره في صمود ايران وانتصاره السياسي والدبلوماسي الواضح في اقرار حق ايران في التقنية النووية , والتي اعترف الغرب بها ضمنا في جنيف , ودون ان يدركوا ان ما فعله نجاتي لدولة محاصرة وبامكانيات قليلة يفوق ما يفعله طاقم ال 5+ 1 السياسي , ويفوق ما يفعله المتحذلقون . اذن فقد ارادوا لمانديلا , أن يكون استعراضه مثل الاميرة ديانا والامير ويليام وزواجاته التي ينقلها التلفزيون حتى القنوات الدينية منها . ومثل اي نجم سينمائي يستعرض في مهرجانات كان والاوسكار . ولانهم استطاعوا على الاقل ترويض التاريخ النضالي لمانديلا , وتجييره لصالح النموذج السياسي المطروح , او لانهم في عقلهم الباطن ظنوا انهم عاقبوا مانديلا بما يكفي وانتصروا عليه بلا خسائر , وقلبوا مسيرته النضالية الى مادة اعلامية ودعائية , تبرز الوجه الممكيج لهم , وبالتالي تتيح لهم غسل تاريخهم غير المشرف , الذي اعترض عليه سابقا مانديلا نفسه , وسيكون من المجدي والمقنع جدا والاكثر دراما , أن يعود هو نفسه (من اعترض على حكم الاقلية وهيمنتها بل حتى وجودها ) الى شرعنته وتأطيره وتأصيلة . لقاء ان يتولوا هم نفقات ذلك بما يستحق من تقديم وعرض وتوفير الاضاءات والمنابر والتسويق الاعلامي المميز , الذي قد يبهر الاشخاص والضحايا كثيرا فيستجيبون له , ربما بحسن نية

لقد اخترقوا تاريخ مانديلا بهذه الطريقة , بحيث لم يبق من مانديلا الا صورته وهو يزور الدول والمؤتمرات ويتحدث وينصح بالسلم والفضيلة , ويبذر الحكم هنا وهناك . دون ان يكون له رصيد فعلي في انتاج شيء ملموس على الارض , الا في الوجدان والافتراض والمتأمل فقط . في حين ان الكثيرين من الزعماء ممن تركوا اكثر من بصمة ومعلم ومنهج سياسي وتاريخي , وتركوا بنية مادية مدنية او اثار في بلاد ما . يسوقون في الغرب عبر افلام البلاي ستيشن على انهم لصوص وارهابيين . طبيعي لست هنا ضد مانديلا ولا مقللا من نضاله وكفاحه , ولكن ما انا بصدده هو , تسليط الضوء على كيفية تعامل الغرب مع النماذج السياسية وكيفية اخراجها بما يتماشى مع خطابهم ويتوافق مع المزاج السياسي لهم , وعودة الى المقارنات التي تفرض نفسها بشكل ملح , يأتي مثال فيديل كاسترو الزعيم الكوبي الثائر والمناضل والصامد . الذي قفل كوبا بوجه الامريكان طيلة فترة حكمه , تحمل كل ظلمها وحصارها , لكنه لم يسمح لها ابدا ان تفرض قالبها ولا ان يكون ضمن مقتنياتها واثاثها االبرجوازي المترف ولا اداة لها , ومن الجدير بالذكر ان ما نديلا أعجب كثير بكاسترو , وكان يردد مقالته بكثرة , حينما يريد مهاجمة المستعمرين ومؤسساتهم ( التاريخ سيغفر لي ) . ومثله مثل الثائر جيفارا وغيره من المناضلين 

 الذين لم يستطع الغرب ولا دوائره المتخصصة في اغتيال الثورات والقضايا و أن يحتويهم باي طريقة , فخرجوا من رحمته ملعونين . وتجد هذه الدوائر السياسية صعوبة في التعامل مع الثورات وحركات التحرر التي لم تستطع اختراقها , أو احتوائها او اختصارها بعناوين أخرى . او لم تستطع افراغ ثورية الاشخاص في اي وعاء اخر تجيره لصالحها . لذلك ظل مانديلا الانسان الذي يحمل بوادر فكرة وقضية , وظل مانديلا الانسان , لكنه لم يبق الانسان الثوري حامل القضية العنيد و انما انقلب الى حكيم الفكرة وحكيم الرسالة في وقت كانت البلاد تحتاج الى ثائر اكثر منه حكيم , او الى من يوزع الادوار بين الحكمة والثورة حسب التحدي القائم . لذلك فقد افرغوا مانديلا في السجن من الثورية , وهي حيلة عُرف بها الغرب الاستعماري من بين ما عُرف , افرغوه من ثوريته , ولعل هذا ما يفسر الفيصل الواضح بين حياته وطريقته قبل السجن وبعده , وحتى ما يُفسر سير حياته الشخصية بعد ن طلق زوجته الثانية في السجن , وتزوج اخرى بعد السجن , وقال انها ملائمة كثيرا لحياتي السايسية الجديدة . اسرائيل جربت هذا النوع من افراغ الثورية لدى حركات المقاومة , ففشلت في افراغ حسن نصر من ثوريته وفشلت في تغيير عنوانه من مقاوم الى رجل دين شيعي , وفشلت في اختصار مهمة وعنوان حزب الله من فصيل مقاوم الى فصيل مربك للوضع الداخلي في لبنان رغم جره واستفزازها المستمر له عبر مرتزقة من الداخل 

 فظل الحزب يملك شروطة وقراره ويحتفظ بهدفه , فيما هي ( اي اسرائيل ) افرغت ثورية احمد ياسين وتنظيم حماس في قالب غير نظيف اسمه خالدالمشعل , عبر تمثيلية هولويدية اسرائيلية لتلميعه , وهكذا جعلت حماس تسرق نفسها قبل ان يسرقها العدو , ثم بدلت عنوانها عمليا وفي وجدان الشعب من حركة مقاومة الى جماعات تعمل بالقطعة وتؤدي مهام اخرى لا علاقة لها بوضعها , مثل تراصفها المشبوه مع اخوان مسلمي مصر وسوريا الذين يحاربون القضية والوجود السياسي العربي . لكنها لم تستطع افراغ سوريا من الثورية رغم التهافت المستميت عليها بالاسلحة والارهابيين والمقاطعة الاقتصادية والاعلام وتأليب الرأي العام العالمي عليها , ووخز الشعور الانساني بصور مأساوية عما يحدث في سوريا . وافراغ اي حركة او قضية من متكأتها الاخلاقية والمصيرية , سيجعلها طافية على السطح لاتملك الا الشعارات الصراخ المبحوح 

وفي الاشارة الى رحيل نيلسون مانديلا . وثوريته التي سكبوها في نطاق اعلامي كبير , استجاب له من جانب انساني وظن بامكانه اكمال مسيرته النضالية بهذه الدعوة السلمية , وظن ان هذه الدعوة تناسب شيخوخته وكبر سنة بعد خروجه من السجن . برحيل مانديلا يسدل الستار كليا عن ملف جنوب افريقيا , ويكتب تاريخها الذي ارادت ان تكتبه بريطانيا . كما ان مانديلا لم يترك امتدادا دعويا لتصحيح الاوضاع والنظر فيها , ولم يترك خطا نضاليا او مدرسة نضالية , بقدر ما ترك دعوات نظرية للمصالحة والاندماج والتعايش تصلح ادبيات اخلاقية اكثر منها منهج سياسي . كانت حياة مانديلا حافلة بدأت بروايته هو للكفاح والنضال , وانتهت باخراج غربي لحياته وتخريج اشبه ما يكون تفريغا لثوريته . لان المستعمر , لا يعطيك الرضى الا بعد نزع كل الانياب , وارتداء القفازات واللامبس المخملية كي يسهل عليه غشيانك . سجنوه وعذبوه ثم اطلقوا سراحه , ووضعوا في يديه الورود عند التصوير . وكانت هذه هي اللقطة الاخيرة , التي رأها الناس ورددها الجمع المخدر , ووضعها في ذاكرته العميقة .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز