د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
انتباه رجاءً .. يحيى حسن قادم

صديقي القارئ، أجدني، لظروف قاهرة، ومع شديد الأسف، مجبرا على أن أنقطع عنك لبعض الوقت. ولهذا رغبتُ في أن أدردش معك قليلا في موضوع جديد، قبل أن أتركك في رعاية الله، وحفظه. والموضوع، أقترح أن تجد بنفسك عنوانا له عندما ننتهي منه

كما تعرف، فأنا أعيش في الدنمارك، ليس في العاصمة كوبنهاجن، فأنا لا أميل إلى الصخب، وابتعد قدر الإمكان عن أماكن الازدحام، سواء كان ازدحام الناس، أو السيارات، وأفضّل مكانا أصغر، وأكثر هدوءً، بشرط أن تكون فيه جامعة، ولهذا استقر بي المقام في رابع أكبر مدينة هنا، أودنسة، مدينة الأديب الدنماركي المعروف هانس كريستيان أندرسن. أسكن فيها مع أسرتي الصغيرة منذ ما يقارب الثلاثين سنة، مع أني ولفترات طويلة عملت في مدن أخرى، بما فيها العاصمة كوبنهاجن، وكنت لسنوات أصرف يوميا ما لا يقل عن ست ساعات على المواصلات ذهابا وإيابا. المهم أن أعود في المساء إلى هدوء بيتي

الحياة هنا مملة، ورتيبة، كل يوم يشبه الذي قبله، ونادرا ما يحصل شيء جديد في الحياة اليومية، وأحيانا نتنبه إلى أن ذلك من نعمة الله على بعض عباده، فالملل مع السلامة خير من الإثارة مع انفجار المفخخات، وفتاوى القتل والسبي. لكن الملل يصبح أحيانا قاتلا أيضا، خاصة إذا لم يكن عند الإنسان شيء معقول ينشغل به

تصور أن المطر هنا ينزل لأحدَ عشرَ شهرا في السنة، والصيف يأتي أحيانا، وليس كل سنة، ليبقى عندنا لثلاثة أسابيع، أو أربعة، عندما نكون محظوظين، وأحيانا لا يأتي حتى في تموز، فيسلّمنا الشتاء إلى الخريف الذي يسلمنا بدوره إلى شتاء العام القادم. لكننا مع ذلك نحب الصيف، لسبب بسيط وهو أن النهار فيه يكون طويلا، وفي الحقيقة فإن وقت النهار يبدأ بالزيادة اعتبارا من الثاني والعشرين من كانون الأول وبمعدل ثلاث دقائق في اليوم، ولا يتوقف عن ذلك إلا يوم الثاني والعشرين من حزيران، فيأخذ هذه المرة بالنقصان. وهكذا فإن وقت النهار في الصيف، من ساعة تبدد الظلام إلى حلوله مرة أخرى، يزيد عن عشرين ساعة، فلا يكاد الظلام يحل حتى ينقشع. أما في الشتاء فالعكس هو ما يحصل، إذ لا يزيد وقت النهار عن بضع ساعات، فنخرج إلى العمل في الصباح في الظلام، وحين نعود إلى البيت يكون الظلام قد حل من جديد

المطر، والظلام، والثلوج، والبرد، والحياة دائما بين الجدران، وفوق هذا وذاك لا شيء مثير في حياتنا، ودعني أجعلك تشاركني الحزن، فبعض الناس ينتحرون في هذه الفترة بالذات، بسبب الكآبة، والعياذ بالله. وبيني وبينك، الكثيرون يحلون مشكلة الملل والكآبة، ويتجنبون الانتحار في هذه الفترة بخلق إثارة ما في حياتهم، عادة الطلاق والزواج. إنها إثارة مكلفة، ماديا وإنسانيا. ولكنْ للملل أحكامه

الجميع هنا يبحثون عن الإثارة، وفي هذه الحالة فإنك تجد أن ما يعتبر شيئا سخيفا بالنسبة إلى من يعيش في بلدان العرب، يُعتبر هنا مثيرا، ومثيرا جدا، ويملأ حياة الناس بالنقاش، والجدال، وتبادل الآراء، وممارسة الديمقراطية، وحرية التعبير إلى أقصى الحدود، خاصة عندما تعبق رائحة القهوة في أجواء الصالات، فتبعث النشاط في أكثر العقول كسلا. ولهذا أيضا، صديقي القارئ، فإن المجتمع الدنماركي مدين لنا، نحن المسلمين، لأننا أدخلنا إلى حياته موجات من الإثارة لا عهد له بها حتى أننا نشطنا ذاكرته، فتذكر أن الدستور يضمن له حرية التعبير. هذه الحرية كان الناس قد نسوها قبل وصولنا الميمون إلى هنا. نحن المسلمون مصدر غني للإثارة، يتسلى الدنماركيون بنا أيما تسلية، فتارة حجابنا، وتارة نقابنا، وتارة تعدد الزوجات عندنا، وتارة إكراهنا لفتياتنا على الزواج، وقصص لا نهاية لها يلوكونها ليل نهار، وتملأ صفحات جرائدهم كعناوين ثابتة

في هذه المدينة نبعت منذ أكثر من سنة قضية مثيرة حقا في حياتنا، فالبلدية، ولغاية في نفس يعقوب، قررت إجراء تغييرات في خارطة المدينة، وهي باختصار إغلاق شارع في وسط المدينة يمر بجانب بيت الأديب الدنماركي المذكور آنفا، والذي تم تحويله إلى متحف، وكذلك غلق وسط المدينة أمام السيارات بحيث أن الوسط يصبح للمشاة فقط. وهنا فإن الشعب في المدينة انقسم إلى معسكرين، مؤيد للتغييرات ومعارض لها، واحتدم الصراع الديمقراطي، فليس هناك شيء يحظى بالاهتمام أكثر من هذا، حتى أنه قبل أيام من الانتخابات البلدية، التي حصلت قبل أسبوعين، تم تأسيس حزب سياسي جديد لا يحوي بيانه السياسي التأسيسي إلا بندا واحدا، معارضته لفكرة تغيير وسط المدينة. وبصراحة، لا أعرف إلى الآن إن كان الحزب قد فاز أم لا، فأنا اعتبر المشاركة في الانتخابات البلدية ترفا من ناحية الوقت، ثم إني أعرف أن من يقف وراء خطة البلدية للتغيير أقوى من أن يتزحزح، ولهذا فالنقاش والجدال عقيمان، ولا نفع فيهما غير جعلنا نشعر أننا مجتمع ديمقراطي له أن يثرثر قدر ما يشاء. ولكن هناك احتمال كبير لفوز هذا الحزب، ومن ثم دخوله البرلمان لاحقا إن أعطاه المعارضون للتغيير عند الانتخابات البرلمانية أيضا عددا كافيا من الأصوات

لكن قصة وسط المدينة وقتية، ولا تدوم مثل قصص المسلمين التي يمكن أن تأتي فجأة، وأحيانا حسب الطلب، وتطغى على ما سواها. ذات مرة كان هناك رجل قارب في عمره سن الخرف. كان قد قضى أكثر من نصف قرن وهو يرسم، ولم يعرفه أحد، وفجأة اكتشف سر الإثارة في هذا المجتمع، فوضع بعض الخربشات على الورق، وقال إنه يرسم نبي المسلمين وتحت عمامته قنبلة. عند ذاك فقط اكتشف المجتمع عبقرية ذلك الرجل الخرف، ليس لأنه أبدع، بل لأن الرجل عرف كيف يستفز المسلمين، ويجعل بعضهم ينط مثل القرود، ويزبد، ويرعد، فتسبب في إثارة فريدة من نوعها، ودخلت خربشات الرجل في متحف الفن الوطني، وصار هو أيقونة من أيقونات حرية التعبير في العالم الغربي كله

على أية حال، تبقى مسألة التغييرات حيوية في حياتنا سواء كانت في وسط مدينة أودنسة، أو في أي مجال آخر، خاصة ونحن قد دخلنا مرحلة الظلام، والانتحارات، وما تزال أمامنا ثلاثة أسابيع قبل أن يبدأ النهار بالزيادة. وهنا، وفي موضوع ربما لا تجد أنت، صديقي القارئ، علاقة له بالملل، والظلام، وخطط البلدية السديدة في مدينتي فإني تفاجأت قبل حوالي شهر بأولادي يسألونني عن رأيي بيحيى حسن، فسألت مستغربا من هذا؟ فأجابوني أنه شاعر عربي. ومرت في ذاكرتي سلسلة من الأفكار عن الشعر العربي وشعرائه منذ المعلقات وحتى عبدالوهاب القطب، واعتقد أني أقطبت حاجبيّ في إشارة إلى صعوبة التذكر، فجاءتني القصة "يحيى حسن شاب فلسطيني في التاسعة عشرة من عمره يقرض الشعر باللغة الدنماركية، وقد انتشرت أخباره قبل يومين في كبريات الصحف في البلاد، وجاءته لتوه تهديدات بالقتل". وسارع أولادي إلى عرض فيديو على الإنترنيت للشاعر الفحل، وهو يلقي قصيدة عصماء باللغة الدنماركية. استمعت إلى الصبي، وأنا أراقب وجهه البريء، والجديلة التي تتدلى على رقبته (ذيل حصان). شِعر؟ هذا ليس شعرا، بل هذيان ينهمر من فمه بسرعة، وأشبه ما يكون بأسلوب الراب، ومليء بالأخطاء اللغوية. الصبي يتكلم عن سوء تعامل أبيه معه، وعن النفاق الذي وجده بين المسلمين، فهم يحشرون اسم الله في كل شيء، لكنهم يسرقون، ويكذبون، وينافقون، وهم سمموا حياته، فلا يفعل شيئا إلا وقالوا له "الله .."، أو "الرسول .."، أو "القرآن ..". ثم يختم الصبي كلامه بعبارة غاضبة تخدش الآذان عن "الله"

صديقي القارئ، أول ما خطر لي عندما انتهت القصيدة هو أن يحيى هذا سيكون له شأن كبير، فهو سيساعد الكثيرين، ليس في مدينتي وحدها، بل في كل الدنمارك، على تجاوز فصل الشتاء بلا طلاق، وبلا انتحار. إنه "إثارة مثالية"، لسان حال الناس يقولون له "نحن نبحث عنك في السماء، ونجدك على الأرض؟" وقد يكون هناك من لا يكتفي بإشباع حاجته إلى الإثارة، فيجعله هذيان يحيى يقول عن المسلمين "انظروا. وشهد شاهد من أهلها"

وتسير القصة على مسارها المرسوم، وتتطور حسب توجيهات المخرج، فقد حكم "الشيوخ" على الصبي أنه خرج عن الإسلام، وحق عليه حكم المرتد، وامتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بالتهديدات، والشتائم، وانقسم الشعب على نفسه من جديد، "الشيوخ" مع قتل يحيى حسن، وأغلب الدنماركيين مع وضع شعره في متحف الفن الوطني إلى جانب إبداعات الرسام الخرف. ثم جاءت الذروة .. مجموعة من الشباب المسلم وجدوا يحيى في محطة للقطارات، فقالوا له "أين المفر؟" ولحسن الحظ فإن الشرطة كانت قريبة، وأسرعت إلى مكان الحادث، وأنقذت الصبي من موت محقق، ومن لحظتها قررت الشرطة وضع يحيى تحت حمايتها المباشرة. وبين ليلة وضحاها أصبح يحيى نجما دونه نجوم السينما، والغناء، وصار معشوق الصبايا، ومحط اهتمام الصحف، والمواقع الالكترونية، ومحطات التلفزيون

صديقي القارئ، يحيى هذا وراءه قصة محزنة، فهو تلميذ فاشل، والبلدية مشغولة منذ بضع سنوات بمشاكله ومشاكل عائلته الاجتماعية، واحتارت فيما تفعله كي تبعده عن الانحراف، وعن عالم الجريمة. سامح الله والده. وأنا هنا لا أزعم أبدا أن أحدهم في البلدية أراد أن يُشغل الناس عن موضوع التغييرات في وسط المدينة بقصة ظريفة، لكن لا استبعد أن المتنفذين في البلدية يريدون التغطية على فشلهم في تربية يحيى بإبرازه كعبقرية خرجت من بين أيديهم

قبل بضعة أيام انتهى جدال حاد بين البلدية وبين الشرطة حول موضوع مهم: هل هي فكرة جيدة أن يُقيم يحيى أمسية شعرية في منطقة فولسموسه؟ فولسموسه منطقة في أودنسة الأغلبية الساحقة من سكانها مسلمون، عرب، وأتراك، وصوماليون، وباكستانيون، ويحيى نشأ، وترعرع في هذا الوسط نفسه. حسم الجدال بأن حرية التعبير تستوجب تسهيل إقامة يحيى لأمسيته

راقبت نقلا حيا على أحد المواقع لأمسية يحيى الشعرية. يحيى، كما أسلفت، صبي من وسط مُرهَق اجتماعيا (هكذا يسمون وسطه بالدنماركية)، وهو لا يجيد الدنماركية إلا على مستوى الشارع، ولهذا فهو لا يقول شعرا، بل بذاءة تتناسب مع التربية التي تلقاها من أبيه، ومن وسطه. ولا يمكنه أن يقول غير ذلك لأنه لم يعرف غير ذلك، فأسلوب الراب، بلا قافية، أو وزن، أو معنى، وعبارات كـ "الغائط" و"البول" و"المراحيض الوسخة" تتخللها شتائم على "الله" و"الرسول" و"القرآن"، و"الحجاب" على مستوى مقرف هي كل محتوى شعره! ولكن ماذا فعلت الشرطة من أجل أن يسمع الناس هذه البذاءة؟ طوقت المدرسة التي أقيمت فيها الأمسية قبل يوم كامل، وأحاطتها بشبكات حديدية ارتفاعها متران، واستخدمت الكلاب البوليسية بحثا عن القنابل، وعشرات من الشرطة منتشرين مع آلاياتهم، وأسلحتهم. وتم حتى منع الطيران في مساحة نصف قطرها خمسة كيلومترات من وسط المدرسة، وبارتفاع كيلومترين. كل هذا لحماية يحيى من الإرهابيين! وهذه الإجراءات كلفت الشرطة ما يعادل مئة وسبعين ألف دولار. الشرطة لا تتخذ مثل هذه الإجراءات عند زيارة الملكة لأودنسة، ولو صرفت على زيارة الملكة هذا المبلغ فإن الملكة ستتشرشح في الإعلام لعشر سنوات، فهذا المبلغ يوازي دخلها العائلي السنوي، ثم من تكون هي حتى تصرف هذه الأموال على حمايتها من ضرائب المواطنين؟ ولكن الإثارة لها أحكامها

حتى نعرف مدى الإثارة هنا فمعلومة إحصائية بسيطة قد تنفعنا. يندر أن يبيع أي شاعر دنماركي أكثر من ألفي نسخة من ديوانه، بينما بلغت مبيعات  بذاءات يحيى حسن ما يقرب من ستين ألف نسخة

صديقي القارئ، أنا شخصيا أتألم لهذه الحال التي وصل إليها المسلمون، وإن غضبتُ فلا أغضب إلا على والد يحيى، فهذا نتاجه، وأغضب على الشيوخ هنا لهذا الأسلوب الهمجي الذي يتبعونه، التهديد بالقتل، والحكم على الناس لمجرد أن ينطق أحدهم بشيء. وأتألم لأني أتذكر أني حين جئت إلى جامعة جنوب الدنمارك عام 1985 لأدرس فيها كنت العربي الوحيد، وكان هناك بضعة كوريين، أو يابانيين، ولا أبالغ إن قلت إن نصف الطلبة في هذه الجامعة اليوم هم عرب ومسلمون، وهم يجاهدون جهادا حقيقيا كي يحصلوا على شهادة علمية، ويكافحون من أجل الحصول على عمل، والعيش بشرف. ولا أحد يتذكر أن هؤلاء هم الوجه المشرق للعرب والإسلام، بل يجري صنع نجم من تلميذ فاشل مثل يحيى حسن، بذلت البلدية على مدى سنوات جهودا، وموارد لجعله يجلس على مقعد الدراسة، وينهي المرحلة الإلزامية (الصف التاسع) على الأقل، وفشلَت، لكن أحدهم دلّه على طريق أقصر إلى النجاح والشهرة

صديقي القارئ، لا أخفي عليك أني معجب بجانب واحد من شخصية هذا الفتى يحيى، بتمرده. أنا أحب الشباب المتمرد، فالتمرد دليل الحيوية، وضمانة تطور الأجيال. إذا لم يتمرد أبناؤنا علينا فلا بد أن يكون هناك خطأ. ولكن ما قيمة الأبوة إذا لم يكن الأب قادرا على احتواء تمرد ابنه؟ وما هذا الدين الذي لا يريد أن يستوعب تمرد اليافعين من أتباعه، وليس لديه من وسيلة للتعامل معهم غير التهديد بالقتل، ودفع المتمرد إلى المزيد من التمرد، بل وإلى التهور، وإلى جعله تسلية لمن يشعر بالملل؟

ربما لا تقتنع، صديقي القارئ، أن الأمر كله يدور حول الملل، والضجر، وساعات الظلام الطويلة، والحاجة إلى الإثارة، بل ترى أنه يتعداها إلى أجندة سياسية. لو كان الأمر كذلك فإني أرثي لحال أصحاب هذه الأجندة، إذ أرى تلميذا بائسا، وفاشلا بكل معنى الكلمة، ولم تفلح البلدية في إصلاحه رغم كل جهودها، يصبح وسيلة تحقيق هذه الأجندة. لكني سأتفق معك إن قلتَ إن يحيى حسن ببذاءته التي تثير القرف، واستعداده لاستفزاز مشاعر الناس (لا تنسَ أنه طفل) .. ليس إلا مصيدة

الحمد لله، أودنسة ما تزال هادئة. اختر أنت عنوانا للموضوع، يا صديقي. إلى لقاء 
 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز