احمد قرداغي
sherdlmk@gmail.com
Blog Contributor since:
01 June 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
الشريكان المستثمران في النزاعات البشرية

"الانسان كائن خائف وجائع".

 واني ارى ان ذلك التعريف ينطبق على كل انسان بهذه الدرجة او تلك، وبهذا الشكل او ذاك.

ان الخوف كان ولايزال وسيبقى رفيق الانسان الملازم له على الدوام وهذا الخوف يتخذ اشكالا مختلفة، وهو خوف ظاهر في بعض الأحيان ولكنه في اغلب الأحيان خوف متستر وكامن في اللاشعور.

وفيما يتعلق  بمرتكز الخوف وارضيته او قاعدته فان كل انواع الخوف مصدرها الأساسي واحد لا يتغير، وهو الخوف من الموت. والموت نفسه معنى غامض ومجهول او غير مستقر، ولكنه مع ذلك هو معنى معقد وباعث على الخوف في كل الأحوال، هذا على الرغم من كون الموت حقيقة ثابتة ومشهودة ولا يستثنى من حكم تلك الحقيقة اي انسان او اي كائن حي.

واما بالنسبة لكون الانسان كائنا جائعا، فان الجوع هو الآخر متسلط على الانسان، وذلك الجوع لا حدود له ولا يعرف الشبع ابدا.

ولست اعني بذلك الجوع، الجوع الى الطعام والغذاء وحده ولكني اعني به كل اشتهاء او رغبة (ان كانت الرغبة ظاهرة وملموسة او كانت رغبة خفية كامنة في اغوار النفس). وان اهم الرغبات وأعمّها وأشدها هي تلك الّتي تتعلق بالمأكل والمشرب والغريزة الجنسية والمال والثروة (اي التملّك عموما) والسلطة والغلبة على الآخرين (او ما يسمى الجاه والمركز الاجتماعي).

والعجيب في هذا الجوع الشامل انه جوع شديد فعال لا يعرف الاشباع الكلي او التام، فقد يصمت قليلا ولكنه يعاود الصراخ دون توقف وبعد وقت قصير. وان هذا الجوع الدائم هو في واقعه تعبيرغير مباشر عن (التوق الشديد والدائم) للانسان الى الكمال المطلق والخلود، ولذلك فان هذا الجوع يشق طريقه منطلقا باندفاع شديد ومستمدا قوته من وضع حرج ودائم وهو النقص البشري، والّذي هو نقص تركيبي اساسي لا يمكن ان يكتمل ابدا. وهكذا فانه مهما تطور البشر وحققوا من انجازات ومكاسب وتقدم حضاري فان الجوع البشري المتسلط لن يوجد له علاج شاف ولن يكون له من نهاية طالما وجد انسان واحد على وجه الأرض.

ان الخوف والجوع مسؤولان بالدرجة الأساسية عن العواطف والانفعالات والهواجس والاضطرابات والأزمات النفسية في حياة كل انسان.  وهذه الأوضاع والتحولات النفسية تظهر آثارها الفاعلة (المباشرة وغير المباشرة) على تصرفات وسلوك الشخص ومواقفه وعلاقاته وارتباطاته المختلفة على كافة الأصعدة وفي مختلف المجالات، كما انها كذلك تؤثر تأثيرا بالغا على وضعه الجسمي وصحته البدنية والعقلية.

ولو دققنا النظر في النزاعات البشرية طوال التأريخ (وذروة تلك النزاعات بالطبع هي الحروب) لأمكن الخروج بنتيجة كلية وهي ان بالامكان اختصار اسباب كل تلك النزاعات والحروب في سبب واحد جامع شامل هو تداخل وتفاعل تأثيرات الدافعين الأساسيين الثابتين والملازمين للوجود البشري، وأعني بهما الخوف والجوع. وهكذا حيثما وجد اي نزاع او صراع بين افراد او جماعات فمن الضروري ان يتجه تفكيرنا مباشرة نحو هذين الشريكين الدائميين اي الخوف والجوع، كليهما معا، اذ انهما شريكان متضامنان ويستثمران في مشروع واحد ولا يستغني اي منهما عن الآخر.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز