د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
الشرق الأوسط يدخل العصر الحديث

شهور قليلة بقيت على تنكيس الأعلام في العالم كله حدادا بمناسبة مرور قرن على انطلاق الشر من عقاله على نطاق غير مسبوق في التاريخ، وذلك في الحرب العالمية الأولى عام 1914، حيث صار الضحايا يشكلون أول ظاهرة للـ "مليونيات" في التاريخ. أوروبا لا يُقبل منها أن تعلن الحداد فقط، بل يجب عليها، دون غيرها، أن تحني رأسها خجلا لأنها هي اليد الآثمة التي أطلقت ذلك الشر من عقاله لينقلب عليها نفسها، ويعمّ العالم كله، أولا عبر حربين طاحنتين حصدت أرواح قرابة مئة مليون إنسان، وثانيا، عبر سياساتها الاستعمارية اللاإنسانية التي طالت كل القارات 

في الشرق الأوسط ينبغي لنا إلى جانب الحداد على قتلانا، الذين لم تجف دماؤهم بعد، أن نودع هذا القرن باحتفالات، ومهرجانات، وأعراس تشاركنا فيها ملائكة السماء، وأرواح الضحايا الأبرياء الذين سقطوا جراء سياسات أوروبا الحمقاء، في جشعها في سلب شعوب منطقتنا خيراتها، والهيمنة على مقدراتها، سواء كان ذلك في الجزائر، أو العراق، أو ليبيا، أو سورية، أو غيرها 

لقد كان قرنا مظلما، وهمجيا بكل معنى الكلمة، غير أن هناك مفارقة عجيبة، تتمثل في أن القرن ينتهي هنا، في الشرق الأوسط، بنهوض عملاق من أهل المنطقة، بينما كان قد بدأ بسقوط عملاق آخر، هو العثماني. وربما سنجد مفارقات كثيرة في هذه الأيام من توديعنا للقرن المظلم، ولكن الأولى بنا أن نتوقف قليلا مع ذاكرتنا، وننظر إلى ما يحدث، ونحاول استيعابه 

قبل قرن دخل الاستعمار إلى بلداننا بشكل مباشر، وكان أول ما فعله بنا هو أنه سلبنا إرادتنا، ومزقنا إلى دويلات متصارعة، تفتقر إلى العقلانية، وإلى رؤية واضحة إلى العالم من حولها. ثم إنه سلبنا القدرة على الفعل من خلال تجريدنا من عوامل القوة، ثم إنه زرع في قلبنا سرطان إسرائيل، وفي بقية جسدنا عصيّات كوخ السعودية. أصبحنا شذر مذر، قبائل متصارعة تحت يافطات ما أنزل الله بها من سلطان سميت دولا، وسلطنات، ومشيخات، ومحميات. أصبحنا كالبيت الذي لا عمود له، وليس فيه من له القدرة على حمايتنا. وصارت أقدارنا معلقة تارة بمجلس الأمن، وتارة على من قد يصدف أن تتقاطع مصلحته مع مصالحنا في ساعة من الساعات 

لقد خيّل للكثيرين أن هذا هو قدر الشرق الأوسط إلى يوم يبعثون، لكن إرادة الشعوب تفاجئ أخبث السياسيين، وأكثر الخبراء فهما، وأعتى العتاة همجية بما لا يخطر على البال 

نعم من حقنا أن نحتفل، ونقيم المهرجانات لأن مصير الشرق الأوسط، وشعوبه قد تغير، إذ برز فيه من أهله من يمكنه أن يقول للعابثين الطامعين الغادرين "كفى"، وهو قادر على ذلك 

هناك حقيقة يكون مصابا بالعمى من لم يكن يراها، ويدركها، ويكون لئيما، وجاهلا من لا يريد أن يسلّم بها، ألا وهي أن مصائر شعوب هذه المنطقة، الأتراك، والعرب، والأكراد، والإيرانيين وكل الأقليات فيها، قدر واحد، ولا مناص من التعاون والتعاضد بين هذه الشعوب بنفس العقلانية التي نراها اليوم في الاتحاد الأوروبي. إن زرع الشقاق بين هذه الأمم، والمساعدة على استمرار الحزازات التاريخية البالية لن يجلب على شعوب المنطقة إلا التخلف، والدوران في دوامات العنف والحروب العبثية 

التعاون بين هذه الشعوب أصبح اليوم ممكنا وله أساس متين بفضل تمكن الشعب الإيراني من فرض إرادته على القوى الاستعمارية، وفرض نفسه كقوة فاعلة لا يمكن تجاهل دورها في هذه المنطقة. إن المنطقة تبدأ بأخذ مقدراتها بيدها، وسيصبح قرن الاستعمار عما قريب تاريخا طويت صفحته إلى ما شاء الله  

ربما يكون من المفيد أن نعيد إلى الأذهان أن هناك بؤرة للشر المستديم في الشرق الأوسط اسمها إسرائيل، وإسرائيل، لأنها كيان غاصب ولا جذور لها في هذه المنطقة، لا يمكن أن تعيش وتبقى على قيد الحياة إلا في ظل الحرب والعدوان المتواصل. أكثر من ستين عاما وإسرائيل موجودة بفضل قدرتها على شن الحروب العدوانية، ولقدرتها على تحديد مكان، وزمان العدوان. إن ما يعنيه النصر الإيراني المؤزر، وبسبب امتداد إيران بتحالفاتها في المنطقة، هو أن إسرائيل قد تحجمت، ولم يعد بإمكانها ممارسة لعبة الحرب مثلما تشاء، وتجد نفسها تحصر في زاوية ضيقة يتوجب عليها فيها أن تقاتل من أجل البقاء بوسائل أخرى غير الحرب، بوسائل الثقافة، والتجارة، والسياسة، وكل ما يتعلق بالقدرات البشرية، وهذه هي أزمة إسرائيل لأنها غير مؤهلة لأي صراع من هذا النوع؛ إنها لا تجيد غير الحرب والعدوان. إن قدر إسرائيل كتب في الانتصار الإيراني ليس فقط لأن إسرائيل غير مؤهلة لصراع حضاري مثل العرب، والأتراك، والأكراد، والإيرانيين، وإنما أيضا لأن المجتمع الإسرائيلي، وهو مجتمع قائم على ستراتيجية الحرب الدائمة، سينهار داخليا إن بقيت إسرائيل غير قادرة على توجيه جهود الإسرائيليين نحو صراعات الخارج. المجتمع الإسرائيلي قائم على أساس كبت الصراعات الداخلية لصالح التوجه نحو مصارعة الجيران. إن السلام هو حتف إسرائيل، ولكن لا يمكن فرض السلام على إسرائيل عن طريق النوايا الحسنة، والمفاوضات التي لا نهاية لها. إن إسرائيل ستجبر على قبول السلام عندما تستحيل الحرب، أو بعبارة أدق عندما يستحيل ضمان النصر في أية حرب، ناهيك عن استحالة التحكم بتوقيتها ومداها. وهذا هو جوهر ما تحقق في انتصار الشعب الإيراني 

إن من المفارقات المحزنة أن يكون العرب، وهم أول المستفيدين من النصر الإيراني على مستوى ستراتيجي (ذلك لأن الأمن والسلام سيتحقق لهم فيتمكنون من التفرغ للبناء)، هم أيضا، أسوة بالإسرائيليين، أول المصابين بالفزع من هذا النصر. لا نعتقد أن الأتراك سيعانون من صعوبة في تقبل العملاق الإيراني إلى جانبهم، بل هم متهيئون للتعاون مع هذا العملاق لأن تركيا عملاق أيضا. كذلك لا مؤشرات هناك على ضيق لدى الأكراد من فكرة التأقلم مع قوة سياسية، وعسكرية، واقتصادية، وبشرية جبارة إلى جانبهم، لأن وجود إيران كوجود الأتراك، والأكراد، والعرب واقع تاريخي لا مجال لزعزعته. لكننا نرى أن هناك كيانات عربية أصابها الفزع أكثر من إسرائيل نفسها، بل إنها تتصرف وكأن وجودها أصبح على كف عفريت، فراحت تلجأ إلى كل الوسائل التي يمكن أن تجلب لها الشعور بالأمان، وراحت تمارس كل الخبث لإظهار عدائها للشعب الإيراني، بدءً من التحالف المفتوح مع إسرائيل، إلى محاولة شراء مواقف الدول الكبرى بدفع الرشاوى، أو بالتمرد على السيد الأمريكي. يجب أن لا ننسى أبدا أن هؤلاء العربان بقيادة "شريف" مكة وسيده الانجليزي، لورنس العرب، تآمروا قبل قرن على العملاق العثماني، وشاركوا بفاعلية وخبث في إسقاطه. إنهم أقزام، ولا يطيقون رؤية عمالقة إلى جانبهم 

المؤسف هو أن الأمر لا يتعلق بالكيانات المصطنعة في الجزيرة العربية فقط، بل وهناك أطرافا لا تمت حتى إلى هؤلاء بصلة، ولكن تأخذها العزة بالإثم، فلا يروق لها أن ترى شعبا من شعوب المنطقة يتمتع بإرادة مستقلة، ويمد يد العون، والصداقة، والأخوة إلى الآخرين، لأنها لا تستطيع أن ترى أن أي مكسب لشعب من شعوب المنطقة هو لمصلحة الجميع، أو يمكن على الأقل أن يكون لمصلحة الجميع 

إن المرء لا يملك إلا أن يتمنى أن يتجاوز العقل العربي نفسه، ويدخل مع إيران في العصر الحديث، وهذا يتطلب أولا الابتعاد، بعقلانية، عن الترهات الطائفية، والحساسيات التاريخية التي لم يعد لها مكان في العصر الحديث. إن التعامل والتعاون مع الجار لا يقوم فقط على عامل الدين، والطائفة، إن كان هناك اختلاف بينهما أو تطابق، فنحن بيننا قضية حياة مشتركة سياسية، واقتصادية، وتجارية، وثقافية تتجاوز في أهميتها كل ما سواها 

لا يمكن للعرب، إن هم فعلا كانوا حريصين على مصالحهم الستراتيجية الحيوية، أن يستغنوا عن إيران، أو عن تركيا، أو عن الأكراد، ناهيك عن استعداء أي من هؤلاء، والدخول معهم في صراعات لا مبرر منطقيا لها البتة. ثم إنه لزام علينا أن نوقظ العقول التي لا تتعامل مع متطلبات الحياة، والحضارة، والأمن المشترك، فنقول لها إن مسار التطور التاريخي للمنطقة وللعالم ككل قد تغير، فأمريكا التي تجرأت، وكسرت الحاجز النفسي بالاعتراف بأن الحرب ضد إيران لن تضمن أمن الولايات المتحدة - وهذا أول تحد في التاريخ الأمريكي للرغبة الإسرائيلية، نقول إن أمريكا هذه لن تبالي بتمرد بعض من خدمها، وعبيدها عليها، فلديها من الخدم في الجزيرة العربية أعداد لا حصر لها، وتستطيع أن تستبدل بهم كل من لا ترضى عنه 

إن انتصار الشعب الإيراني خطوة على طريق بناء منطقة موحدة، قوية، آمنة، تحتضن أبناءها، وتحافظ على كرامتهم، وتبني المستقبل الزاهر لكل من يولد فيها، بصرف النظر عن الدين، والعرق، واللغة. صار بإمكان شعوب المنطقة أن تأخذ مقدراتها بأيديها، فشعب إيران فعل ذلك 

هناك سؤال نتوجه به إلى كل من لا يؤمن بالمصير الواحد لشعوب هذه المنطقة: تُرى هل عقول الأوروبيين، الذين كانوا حتى الأمس القريب يخوضون فيما بينهم أكثر الصراعات وحشية، أفضل من عقول هذه الشعوب التي نشأت الحضارة أول ما نشأت في أحضانها، وظلت تنتج الحضارة المتواصلة على مدى آلاف السنين؟ لماذا إذن يجد الاسباني الذي يعيش في أقصى جنوب غرب أوروبا نفسه في خندق اقتصادي، وسياسي، وعسكري مع البلغاري الذي يعيش في أقصى شرق أوروبا، ولا يستطيع العربي، والتركي والإيراني، والكردي أن يفعلوا الشيء نفسه؟ 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز