ابو الحافظي
mm.vegeta@yahoo.fr
Blog Contributor since:
17 September 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
آخر وصايا اللغة العربية

لا يعنيني ما سيقوله المستعربون عني لأني سأضع علي قلبي صور الدمار العربي ومنها بلدي , وسأخوض معركتي كأي جندي باسل لا يفكر إلا  في وطنه الجريح وفي حبيبته البعيدة التي عانقها قبل أن يرحل إلي ارض المعركة , ولا يهمني ما ستسببه كلماتي من جروح وحروق , لأني سأقول الحقيقة ولا شي أخر غير الحقيقة , وليس ذنبي إذا كانت الحقيقة هي الحقيقة , ولكن سأعتذر لنفسي في هذا المقال لأني سأغوص في مستنقعات اللغة العربية النتنة العفنة , لأخرج منها الكلام الصادق الغارق في أعماق هذا المستنقع اللغوي الميت , وسأدكه دكا في أفواه المستعربين المتنطعين.

 

لغتي في هذا المقال هي لغة الحياة ولغة الوطن ولغة العقل , وليست أبدا لغة الموت والجنون , إنها اللغة العربية التي استجلبتها معي من أعماق المستنقعات الميتة , وكادت نفسي تخنقني وتخونوني وتخذلوني وأنا أغوص في هذه الأوحال اللغوية الخالية من أي حياة كي احضر لكم هذا الكلام العاقل الصادق.

 

يتساءل الكثيرون كيف لي أن احتقر لغة أراقص حروفها ثم أرتبها علي الورق بتأني وبإخلاص..جوابي هي الصدفة البيولوجية الملعونة التي فرضت علي هذا الوضع , وهذا هو قدري المشؤوم الذي فرض علي مخاطبة الأموات بلغة الأموات , وأحيانا أري الدموع بين الكلمات المتدافعة المدافعة عن هذه اللغة الميتة , فبين كل كلمة وكلمة يقولها ويكتبها هؤلاء البؤساء أري جرحا عميقا , واري الجنون الصحراوي يتمخطر  , واري الغباء بعينه حاضرا يتكلم ويتبجح ويُدافع عن نفسه.

 

في هذا المقال سأكون وسيطا بين الحياة والموت , وبين العقل والجنون , وما أصعب هذه المهمة , فلم أكن يوما أتمني أن أكون قصاصا للأساطير , لان منصات قلبي وعقلي ترفضها وتلفظها كما تلفظ المحيطات بقايا السفن المحطمة , ولكن مادام حماة الديار في قلاع اللغة الميتة هم من جند الأسطورة , إذن سأحكي لهم اليوم مجموعة من الأساطير الجميلة عن الأشباح , وعن العالم الآخر , وعن اللغة العربية التي ستتكلم لأول مرة ولآخر مرة , كي تعبر عن خواطرها وعن آخر وصاياها وأمانيها قبل الرحيل إلي العالم الآخر..فهل تعرفون أن اللغة العربية لو تكلمت لما استطاعت الدفاع عن جرائمها كما تفعلون أيها البؤساء , بل ستستحي من أفعالها المخزية , وستدين نفسها بنفسها قبل أن يدينها احد , وستقول لكم من حق كل إنسان في هذا العالم أن يحتقرني ويدينني , فانا التي زينت لأتباعي دمارهم وخرابهم , وأنا التي لوثت عقولهم وفؤادهم , وأنا التي جلبت لهم فتاوى تكفرهم , وأنا التي نشرت بينهم الخزعبلات والخرافات , وأنا التي انتفخت أحشائي  بفتاوى الضراط  ونكاح الجهاد , فمن هذا الذي يستطيع مجاراتي في نشر الرذيلة والتخلف.

 

هل تستطيع لغة في العالم أن تسمي ذكور الزومبي "ثوارا"..وهل هناك لغة في العالم تستطيع إقناع الناس أن الناتو يدعم "ثورة"..وهل هناك من يسمي قطر "دولة" ويجعلها قبلة الثوار والأحرار..وهل تستطيع السنة العرعويات والقرضاويات والتكفيريات أن تصل إلي أذانكم وتعطيكم دروسا في الثورة لولا صوت حروفي وكلماتي..وهل تعرفون أن اكبر إساءة لدين هي أنا , فانا اللغة التي شوهت الدين , وشوهت الإنسان المتدين , وقدمتهم في أبشع صورة , مع أن ذلك الدين نزل عربيا ومع هذا عجزت في إيصاله وفي شرحه كما ينبغي..وهل وهل  وهل  وهل ..لو عددنا الجرائم التي شاركت هذه اللغة الميتة في تجمليها وتكريسها لما استطاع الشيطان أن يجاريها.

 

يقول فولتير 'إذا أردت أن تخدع غبي عليك باستعمال الدين' ولو كان فولتير معنا لقال 'إذا أردت أن تخدع غبي عليك باستعمال اللغة العربية' فهناك لغة الطب , ولغة الحواسيب , ولغة الإلكترونيك , ويبدو أن هناك لغة الغباء , ويبدوا أيضا أن لها أتباع كثر , ويكفينا إلقاء نظرة خفيفة علي المنطقة كي نكتشف هذا , أو لعل سماع بعض الأخبار علي قناة الجزيرة يكفي لذلك..أيها البؤساء هذه لغة ميتة مجنونة بلا عقل , ولا عجب إذا كان الموت والجنون هو البضاعة الأكثر رواجا في المنطقة العربية من العراق إلي سوريا إلي ليبيا إلي مصر إلي اليمن إلي الجزائر إلي..إلي..إلي..

 

ولكن الذي يثير الأسي هو رُأيت الدينصورات المستعربة تتحدي الزمن , وتتحدي فيزياء التاريخ , وتتحدي قوانين الكون السرمدية الثابتة , وتزعم بكل وقاحة وبجاحة أنها ستنفخ الروح مرة أخري في هذه اللغة الميتة , وستعيد لها الحياة , وستعيدها إلي المشي في الشوارع والطرقات , كما ستعيد لها أمجادها وانتصاراها وفتوحاتها العلمية..صدقوني أيها البؤساء منظركم يثير الأسي والشفقة , فلو تكلمت اللغة العربية ستقول لكم اتقوا الله في جثتي وتوقفوا عن التنكيلي بها , فالذي يموت لا يعود إلي الحياة , واللغة مادة حية كأي كائن حي , ومهما كان تعلقنا وحبنا لشخص الذي  فقدناه , فهذا لن يعيده إلي الحياة , فهل عادت اللغة الهيروغليفية , وهل عادت اللغة الآرامية ,وهل عادت اللغة السريانية , وكلها لغات عاشت في أحضان اعرق الحضارات.

 

في هذه اللحظات يتبادر إلي ذهني  فيلم رعب أمريكي  بعنوان 'الآخرون' يروي قصة امرأة كانت تعيش هي وطفليها في بيت معزول , وكانت تتصور في البداية أن بيتها قد غزته الأشباح والأرواح الشريرة , وظلت طيلة الفيلم تعاني الفزع والرعب الشديد وهي تبحث عن الوسيلة التي تطرد بها هؤلاء الدخلاء الغزاة الذين جاؤوا من العالم الآخر لينكدوا عليها حياتها , وفي نهاية الفيلم تكتشف المرأة المسكينة أن لا أشباح في البيت غيرها , فهي الشبح المخيف , والدخلاء علي بيتها هم الأحياء وهم أهل البيت الحقيقيون , وهذا هو حال هؤلاء البؤساء المستعربين المتنطعين المعزولين عن الواقع , والذين يدافعون بكل شراسة وسذاجة وبراءة عن لغة الأشباح , ويبحثون عن معجزة وبركة من السماء تحفظ لهم لغتهم العزيزة , وتطرد هؤلاء المتربصين بها والمتآمرين عليها , ولكن في نهاية الزمن , وفي نهاية التاريخ , وفي نهاية الأمر سيعرفون أن لا أشباح غيرهم , وأننا لسنا غزاة  ولا دخلاء ,  بل نحن الأحياء ونحن حقا أبناء هذا الوطن.

 

آخر وصايا اللغة العربية لأحباءها وعشاقها أن تتوقفوا عن تنكيل بجثتها والنبش في قبرها لان الذي يموت لا يعود إلي الحياة , واللغة الميتة هي  لغة أشباح في عالم الأسطورة , ولغة متاحف في عالم الحقيقة.

ملاحظة : هذا المقال تكلمة لمقال كتبته منذ اسبوع بعنوان 'لماذا احتقر لغة العربية'

                                                                                               http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=33637






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز