عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
كهيعص في سورة مريم حمالة اوجه ج4

 

"كهيعص" في سورة مريم حمّالةُ أوجُهٍ – الحلقة 4

 

 

    في تعليق على مقالي في الحلقة الثالثة [[ (426113) 9 جئتك بأحسن تأويل- الحسن الهاشمي]]،في الحديث عن "كهيعص" في فاتحة سورة مريم، جاء تعليق كريم يقول:

    "أَوْلى الأشياء وأحقُّها بلفظ الذكر هو الكتاب، إن لم تكتب ما تريد حفظه فستنساه ولن تتذكره، لذلك وردت مادة (ذكر) في سورة مريم سبع مرات بنفس عدد ورود كلمة (كتاب)، وكل نبي ذكر في سورة مريم إلا وذكر معه الكتاب، فالمسيح قال (إني عبد الله آتاني الكتاب)، ويحيى قال الله عنه (يا يحيى خذ الكتاب)، وبقية الأنبياء ورد في كل واحد منهم (واذكر في الكتاب فلان).

إذاً فالكاف من (الكتاب)، ومضمون الكتاب هو الهدى ، فالهاء من (الهدى)، والهدى علم ، فالعين من (علم) ، وبالعلم يتحقق صلاح الشيء، فالصاد من الصلاح.
هذه القاعدة نراها صالحة التطبيق حتى في ما يصنعه البشر، فأي ابتكار جديد يضع له صانعه (كتابا) يسمى كاتالوج، هذا الكاتالوج يتضمن (هدى) إرشادات تهدي إلى كيفية الصيانة والمحافظة على صلاح هذا الشيء، فهي إذاً (علم) لم نكن لنعلمه بدون هذا الكتاب، وبتطبيق هذا العلم نحافظ على (صلاح) الجهاز، كذلك صنعة الله وضع الله لها (الكتاب) ، فهو (هدى) (علمنا) إياه الله ف(صلح أمرنا ).
كهيعص = (ك) الكتاب ، (الهاء) هدى، (العين) علم، (الصاد
) الصلاح، (الياء) يحيى، فَيحيى هو أيضا رحمة تستحق الذكر، امتن الله بها على عبده زكريا.".. {الحسن الهاشمي}.

  وانطلاقاً من قول الله تعالى: "ولا تبخسوا الناسَ أشياءَهم"، ومن أن القرآن حمّالُ أوجُهٍ، والتزاماً بالأمانة العلمية، فإنني أرى أنّ في الذي ذكره الوقورُ الطيب "حسن الهاشمي" وجاهةً تستأهل بجدارةٍ وافيةٍ أن تكون محطّ نظرٍ واهتمام - فماذا؟

1-  نلاحظ - كما قال "الحسن" - أن أول ما ذكره الله تعالى في تكريمه ليحيى هو أنه آتاه الكتاب، والكتاب هو منبع العلم ومصدره وحافظته وصائنته وكنانته: "يا يحيى خذِ الكتابَ بقوّةٍ". وكذلك، فإن أول ما لفت عيسى إليه الانتباه هو: "إني عبد الله آتانيَ الكتابَ وجعلني نبيّاً".

2-  وقد سبق للكاتب أبي النور، في تعليق كريم له، أن اعترض على  حصرِ وقصرِ التقدير لـِ "كهيعص" في زكريا وحده، مبرهناً على وجاهةِ اعتراضه من علاقات رقمية متينة. وهو ما تناولناه في المقال السابق.

3-    وكأني بالطيب "الحسن الهاشمي" يحاول أن يجعل لـِ "كهيعص" تقديراً يحمل تعميماً يدخل فيه جميع الأنبياء، وبخاصة أولئك الذين ورد ذكرهم العطر في سورة مريم، وبالأخص يحيى وعيسى، عليهم جميعاً السلام.

4-   وسنرى أن "كهيعص" هي بقرآنيّتِها حمّالةُ أوجُهٍ تسمح بالتخصيص، وتسمح بالتعميم، وتسع الأنبياء جميعاً؛ لأنهم كلهم ممن ذكر الله تعالى في رحمته، واختصهم بفضله، وكلاّ آتاه علماً وجعله من الصالحين الصادقين. فدعنا ندخل وسنرى! 

وأعود هنا إلى ملاحظة الحسن: "وما من نبي ذُكر في سورة مريم إلا وذُكر معه الكتابُ"-  فأقول: إن الكتاب لم يُذكر مع زكريا صراحةً. ولكنْ لمّا كان زكريا هو المذكورَ أولَ الأنبياء في سورة مريم، فإنه حسب الاستقراء الذي تحدث به "الحسن" لا بدَّ أن "كهيعص" تحتوي ذكراً للكتاب. ومن هنا، فقد ذهب "الحسن" إلى تقدير الكاف من كلمة "كتاب". 

   ويبدو أن "الحسن" قد طبّقَ الطريقة التي أسير عليها، ولكن على غير اكتمال؛ فما وصل إليه من وجهة نظر طريقتي يشكو من ثلاث مخالفات:

(1)            لقد قدّر الصاد من كلمة "صلاح" ولا توجد هذه الكلمة في القرآن الكريم.

(2)            أراد أن نعمم "كهيعص"، ولكنه أبقى الياء من "يحيى".

(3)     لم يجمع كلماته في عبارةٍ ذات معنى، أو بحيث تتساوق مع الآية الثانية، وبخاصة في ربطها بيحيى، عليه السلام.

وعلى كلَّ حالٍ، لقد دار "الحسن" حول الحمى فكاد أن يصيد منه، دار حول ما درت فيه، وحام حول الحمى الذي دخلتُ فيه، فجاء بشيءٍ جديد، أو كان مفتاحَنا إلى وجهٍ من أوجهِ "كهيعص" كنا عنه في غفلةٍ، فما عاد عنّا ببعيد.

أولاً – أبدأ بأمر يحيى وأمر عيسى، عليهما السلام.

  حقّاً، إن في  ذكر الله تعالى لزكريا ذكراً ليحيى، فذكر زكريا إذاً يحتوي على ذكرٍ ليحيى، بل إن ذكر يحيى هو بيتُ القصيد في ذكر زكريّا. وكذلك فإن في ذكر مريم ذكراً للمسيح عيسى ابن مريم، وذكر المسيح هو القلب في ذكر أمه، هو واسطة العقد فيه، فعليهم جميعاً الصلاة والسلام. وعلي هذا فإن "كهيعص"- في موقعها نفسه من سورة مريم -  ستحمل وجهاً تقديريّاً يخصُّ يحيى، وستحمل أيضاً – بعيداً عن موقعها في سورة مريم - وجهاً تقديرياَ يخص عيسى، عليهم جميعاً السلام.

فأمّا بالنسبة ليحيى فإن تقدير "كهيعص" يكون على وجه من هذه : (كتابٌ هديناه يحيى عليماً صبيّاً)، (كتاباً هديناه يحيى عليماً صبيّاً). ومن خلال التفسير بتقدير وجودٍ للتقديم والتأخير، يكون الفهم للآيتين الأولى والثانية بإدخال "كهيعص" بينهما هو:{"ذكر رحمة ربّكَ عبدَه زكريّا – كهيعص – إذ نادى ربّه نداءً خفيّاً"} ومع التقدير بالكلمات نفهمها هكذا: {{"ذكرُ رحمة ربّكَ عبدَه زكريّا - (كتابٌ هديناه يحيى عليماً صبيّاً) -  إذ نادى ربّه نداءً خفيّاً"}}، أو:{"ذكرُ رحمة ربّكَ عبدَه زكريّا - (كتاباً هديناه يحيى عليماً صبيّاً) -  إذ نادى ربّه نداءً خفيّاً"}. وبأخذ الهاء من "هُدى" فالتقدير على هذا الوجه هو: (كتابُ هُدىً ليحيى عليماً صبيّاً) [لام الجر زائدة]  أو: (كتابَ هدىً ليحيى عليماً صبيّاً).

وإذا ذهبنا إلى أخذ الصاد من "صالح" يكون التقدير هكذا: (كتابٌ هديناه يحيى عليماً صالحاً)، أو : (كتابُ هُدىً ليحيى عليماً صالحاً)؛ فما من نبيٍّ إلّا كان من الصالحين الصادقين. وكل كتب الأنبياء صدق، فلا مانع إذاً أن نعتبر أن الصاد من "صدق": (كتابُ هدىً ليحيى وعلمٌ وصِدقٌ).

 

  وأمّا بالنسبة للمسيح، عليه السلام، فتكون التقديرات نفسها التي جاءت بحقّ يحيى، مع استبدال الاسم يحيى باسم: "يسع"، أو حتى اليسع - طبعاً بمعزل عن الربط مباشرة مع الآية الثانية من السورة؛ لأن النداء فيها هو من زكريا، وليس من غيره من الأنبياء:

(كتابٌ هديناه اليسعَ عليماً صبيّاً)، (كتاباً هديناه يسعَ عليماً صبيّاً).... وبأخذ الهاء من "هُدى" يكون التقدير على هذا الوجه: (كتابُ هدىً لليسعَ عليماً صبيّاً) [لام الجر زائدة]  أو: (كتابَ هدىً لليسع عليماً صالحاً) ، (كتابُ هُدىً لِيَسَعَ وعلمٌ صالحٌ)، (كتابُ هُدىً لِلْيَسَعَ علماً صالحاً) .

 ثانياً - وإذا ذهبنا إلى تعميم "كهيعص" بحقِّ جميع الأنبياء، بعيداً عن الالتصاق بموقعها من سورة مريم، باعتبار أنّ ذكرَهم جميعاً مرتبط بالكتاب، فإن ذلك يستقيم حسب واحدٍ من هذه التقديرات - طبعاً بمعزل عن الربط مباشرة مع الآية الثانية من السورة، أي من غير إلصاقِها بها- :

(كتابُ هُدىً يَهدي علماً وصدقاً)، (كتابُ هُدىً يَهديهِ علماً وصدقاً)، (كتابُ هُدىً يُحييهِ عليماً صالحاً)، (كتابَ هُدىً يَحيا علماً وصدقاً)، (كتابَ هدىً يَهدي علماً صادقاً)، (كتابَ هدىً يَهدي علماً صالحاً)، (كتابَ هدىً يُحيي علماً صالحاً).... الخ. وتوضيحاً أكبر، لو أننا قسنا ذكر الأنبياء على ذكر زكريا فإننا نقول: (ذكرُ رحمة ربّك عبدَهُ– نبيّاً - )- والمقصود في "عبده" هنا هو: أيّ عبد من عباد الله يتحدث القرآن عنه من حيث إنه نبيٌّ – فهذا الذكر مرتبط بالكتاب، وبأن الأنبياء جميعاً على علم، وهم كلهم صادقون صالحون، وكلٌٌّ منهم هادٍ.

  وأخيراً، يجب أن نتذكّرَ أن التقديرات التي نعتبرها تفسيراً لـِ "كهيعص" في فاتحة سورة مريم هي فقط تلك التي خرجنا بها في حقِّ زكريا أو يحيى، عليهما السلام، أو كانت ضمن تقديرات التعميم؛ فلا نستبدل يحيى باليسع، أو بيعقوب، أو بيوسف، أو "يسحاق"، أو "يسماعيل"، وذاك في تفسير "كهيعص" في موقعها من السورة.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز