عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
فتحُ فاتحة كهيعص من سورة مريم – الحلقة 2

 

 

قد عرفنا في الحلقة الأولى أن الكاف في "كهيعص" اختصار  لكلمة "كبير"، وأن الهاء اختصار لكلمة "هدى"، وأن الياء اختصار لكلمة "يحيى"، وأن العين اختصار لكلمة "عليم". وأمّا الصاد فإنها قد جاءت في التقدير اختصاراً لكلمة "صبي". إذ إن أولى وأحقُّ كلمةٍ تبدأُ بالصادِ لأن تذكر في قصة زكريا، عليه السلام ، هيَ كلمةُ "صبيّ"؛ فهيَ حالُ يحيى حينما أوتيَ العلمَ.

 

      حقاً، فأظهرُ ما في "يحيى" أنّهُ كانَ ذا علمٍ وهوَ صبيٌّ، وهو علمٌ في الكتاب الذي أوتيه، علمُ أخذه بقوةٍ فكان به عليماً: "يا يحيى خُذِ الكتابَ بقوّةٍ وآتيْناهُ الحُكمَ صبيّاً". والحكمُ يؤتى للأنبياءِ مقترناً معَ العلمِ. فقدْ جاءَ في حقِّ يوسُفَ: "ولمّا بلغَ أشُدَّهُ آتيْناهُ حُكْماً وعلماً وكذلكَ نجزي المحسنينَ"، وقدْ جاءَ في حقِّ موسى: "ولمّا بلغَ أشُدّهُ واستوى آتيْناهُ حُكْماً وعلماً وكذلكَ نجزي المحسنينَ" (القصص: 14)، ويحيى، بلا ريْبٍ، قد كانَ منَ المحسنينَ. ولا شكَّ في أنَّ قصةَ زكريّا تذكّرُنا بقصةِ تبشيرِ اللهِ تعالى لإبراهيمَ الشيخِ الكبيرِ بإسماعيلَ الغلامِ العليم، فهيَ مشابهةٌ لها في ثلاثةِ جوانبَ: "قالوا لا توْجَلْ إنّا نبشّركَ بغلامٍ عليمٍ"(الحجر: 53). وفي سورةِ الصافّاتِ يدعو إبراهيمُ ويُستجابُ لهُ: "هَبْ لي منَ الصالحينَ (100) فبشَّرْناهُ بغلامٍ حليمٍ (101).. فالصلاحُ لا بدَّ لهُ من العلمِ والحلمِ: "فنادتْهُ الملائكةُ وهوَ قائمٌ يصلّي في المحرابِ أنَّ اللهَ يبشِّرُكَ بيحيى مصدِّقاً بكلمةٍ منَ اللهِ وسيّداً وحَصوراً ونبيّاً من الصالحين"(آل عمران: 39)... فهل في حال يحيى، للبشر الذين لا يعرفون قصة ميلاده، ما هو أغربُ وأعجبُ من أنه كان عليماً على حالٍ من الصبا، أنه كان عليماً صبيّاً؟

 

فعلى حالٍ منْ كِبَرِ زكريّا هداهُ اللهُ تعالى غلاماً عليماً في صباهُ: (كبيراً هديْناهُ يحيى عليماً صبيّاً). فهذا هوَ ملخّصُ قصّتِهِ. وهذا هوَ اختزالُها: "كهيعص".

ولو تعاملنا مع أسلوب التأخير والتقديم، وهو أسلوب معهود في التفسير، فإننا نقرأ -  من أجل التفسير ـ أول ثلاث آياتٍ هكذا: "ذكر رحمة ربّك عبده زكريّاً. كهيعص. إذ نادى ربّهُ نداء خفيًّا".. فماذا كان من ذكر رحمة الله لعبده زكريا؟ أنه (كبيراً هداه يحيى عليماً صبيّاً)  .. فكيف جاء هذا الذكر؟ جاء أنه (كبيراً هداه يحيى عليماً صبيّاً)، ومن أجل التفسير نفهمها هكذا: {{ ذكر رحمة ربّك عبده زكريّاً. (كبيراً هداه يحيى عليماً صبيّاً) . إذ نادى ربّهُ نداء خفيًّا"..}}  أو هكذا نفهمُها تفسيريّاً أيضاً، لا تلاوةً: {{ذكر رحمة ربّك عبده زكريّاً. (كبيراً هديناه يحيى عليماً صبيّاً). إذ نادى ربّهُ نداء خفيًّا}}.. فكيف ذكر الله عبده زكريّا في باب رحمته له؟ قد ذكره: كبيراً هداه يحيى عليماً صبيّاً. فاذكر زكريّا، عليه السلام، كبيراً هداه الله يحيى عليماً صبيّاً، رحمةً منه سبحانه.

 

 

إزاحة التباس من فهم الناس

 

  ربما يعترض البعض على (كبيراً هديناه يحيى عليماً صبيّاً)، كتقدير تفسيري لقول الله تعالى: "كهيعص"   من خلال مجيء الفعل "هدى" في التقدير مجيئاً مجرّداً، أي أنه قد تعدّى من غير حرف جرٍّ (هدى إلى، هدى لـِ) ولا ألف (أهدى، أهدى إلى). وهم يحسبون أنهم بذلك الاعتراض يقضون على التقدير نفسه بضربة قاضيةٍ. وتوضيحاً أكبرَ، ذلك أنه من خلال أن الفعل "هدى"  - حسب مبلغهم من العلم - لا يتعدّى بنفسه، أي لا يجوز أن نقول – حسب رأيهم : هدى الله تعالى زكريّا يحيى العليم في صباه، بل الصحيح – حسب عقولهم – هو وجوب استعمال حرف الجر "إلى" بعد "هدى"، أي الصحيح في رأيهم أن تقديري لا يصح  في اللسان العربيّ إلا هكذا :(كبيراً هديْنا إليه يحيى عليماً صبيّاً) أو: (كبيراً أهديناه يحيى عليماً صبيّاً) أو: (كبيراً أهدينا إليه يحيى عليماً صبيّا)... وسواء بهذه أو بتلك فإنه لا يعود التقدير، تقديري وتفسيري لـِ "كهيعص" وهو ((كبيراً هديناه يحيى عليماً صبيّاً)) – لا يعود صحيحاً من خلال دخول "إلى" فيه؛ إذ إنه بذلك تدخل في التقدير كلمة سادسة، وهذه الزيادة، زيادة الكلمة تخالف الأسسَ التي أسير عليها في تقدير الفواتح.  وبالمثل، فإنه من خلال دخول ألف "أهدينا" لا بدَّ أنْ ينهار التقدير؛ إذ سيكون تقديراً غير متوافق مع تلك الأسس نفسها. وأبسطُ ردٍُّ على ذلك يكون من خلال "لسان العرب" لابن منظور.  فماذا عند ابن منظور في "لسان العرب"؟ عنده أن الفعل "هدى" يتعدّى بنفسه، أي يأخذ مفعولاً به، أو مفعولين اثنين، من غير دخول الألف عليه "أهدى"، ومن غير إلحاقه بحرف الجر "إلى"، أي إن هدى=أهدى= أهدى إلى= هدى إلى= هدى لـِ، أي إن هدى وحدها، مجرّدة، تأتي معبّرةً عن الهديةِ العطيّة،ِ وعن الهَدْيِ، كما تأتي أيضاً معبّرةً عن الهدى والهداية. وكذلك، فإن العرب يستعملون الفعل: "هدّى" بتشديد الدال ويقصدون به الهديّةَ العطيةَ!.. ولولا أن الله تعالى فدى إسماعيل، عليه السلام،  بذبحٍ عظيمٍ،  لكان إسماعيل نفسه أولَ هدْيٍ بلغَ البيت الحرام. وأوضح دليل على أن الفعل "هدى" يأتي متعدّياً بنفسه بمعنى الهدية والهدي هو قول الله تعالى:{ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} (المائدة: 95)؛ إذ نجد فيه "هدياً بالغَ الكعبة" وليس: (هدياً بالغاً إلى الكعبة).

 

 أجل، إن هدى تأتي لتعبر عن الهديةِ والهبة متعدّيةً بنفسها، أي نعبر بها عن الهديّةٍ تماماً كما نعبر بقولنا: هدى إلى، وهدى لـِ، وكما نعبر بقولنا: أهدى أو أهدى إلى.  وقد يكون الإيلاف في استعمال "هدى" من الهديّةِ غيرَ ذائعٍ في الناس، إلا أن هذا لا يعني أنه غير فصيح. وعلى كل حالٍ، فإنه، حسب اللسان العربي الفصيح، يكون هناك مجال يسمح لنا أن نستعمل "هدى" لتأدية معنى الهدية فكيفَ؟ من خلال قراءة الدال مشدّدةً هكذا: هدّى، فيكون تقدير"كهعيص" بها هو هكذا: (كبيراً هدَّيْناه يحيى عليماً صبيّاً). . أوْ: (كبيراً هدَّاه يحيى عليماً صبيّاً).

 

  واختصاراً بعد تطويل كان لا بدّ منه، فإنَّ قصة زكريا في القرآن الكريم تتلخص في بضع كلمات؛ فذكرُ الله تعالى لزكريا، عليه السلام، في رحمته له يوجَزُ في بضع كلمات: كان كبيراً فوهبه الله يحيى العليم في صباه، أو قل: على كبره هداه الله يحيى عليماً وهو صبي، أو قل: كبر زكريا وهدّاه الله يحيى العليمَ صبياً، أو قل: على كبر زكريا هُديَ إليه يحيى العليمُ صبياًّ: أو قل: ذكرَ الله زكريا أنه برحمته هداه يحيى عليماً صبيّا..... (كبيراً هدّاه يحيى عليماً صبيَاً) –  (كبيراً هداه يحيى عليماً صبيَاً) - (كبيراً هدَيْناه يحيى عليماً صبيّا) – (كبيراً هدَّيْناه يحيى عليماً صبيّاً)...  فالهاء في "كهيعص" هي من الفعل "هدى" سواء قلنا: هديناه، أو قلنا: هداه. فاقرأ في سورة مريم: "كهيعص". ذكرُ رحمة ربك عبدَه زكريّا".. ثمَّ اسألْ:  فماذا ذكر الله تعالى من رحمته لعبده زكرياً؟ ذكر أن زكريّاَ، عليه السلام، كان كبيراً فهداه يحيى، عليه السلام، عليماً في صباه (كبيراً هداه يحيى عليماً صبيّا)؛ فهذه كل قصة رحمة الله تعالى لعبده زكريا، على رسولنا وعليه الصلاة والسلام.

 

=========

طريقـــــــــة التقديـــــــر:

(1)   لا بدَّ أنْ نحوِّلَ الحروفَ إلى نصٍّ من كلماتٍ.

(2)    وأنْ نسيرَ على قاعدة ثابتة وهيَ اعتبارُ أنَّ كلَّ حرفٍ منها هوَ الحرفُ الأولُ من الكلمة المُختصرة.

(3)   وأنْ تكونَ الكلمةُ المختصرةُ من القرآن نفسِهِ.

(4)    والأولويّةُ في التقدير هيَ أن نقدّرَ الكلمةَ من الآيةِ أوِ الآياتِ التاليةِ للفاتحةِ المشتملةِ على ذلك الحرفِ، أوْ من السورةِ نفسِها. وإنْ لمْ يتيسّرِ التقديرُ من نفسِ السورةِ فيكونُ من أيِّ آياتٍ في السورِ الأخرى.

(5)    وأن يكونَ النصُّ المختارُ عندَ ربطهِ معَ الآية التالية للفاتحة موضوعِ التقديرِ متوافقاً معَ اللسانِ العربيِّ.

(6)    وأنْ ينسجمَ النصُّ المختارُ في معناهُ معَ سياقِ الآيةِ أوِ الآياتِ التي تتلو الفاتحةَ موضوعَ التقدير، أوْ يندمجُ فيهِ.

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز