خليل خوري
khalelkhori@yahoo.com
Blog Contributor since:
16 October 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
الاديان بين النظرية والتطبيق . اشادة بالنظرية وصمت حول التطبيق

السمة البارزة للنخب الثقافية العربية انها اذا ما جابهت تساؤلات حول العديد من القضايا المطروحة للنقاش انها تجيب عليها في الغالب الاعم بتجرد وموضوعية ، فلا نراها تداري رؤيتها باستخدام التعابير والمصطلحات المبهمة والاقرب الى الالغاز اذا كانت القضية الطروحة للنقاش قضية ادبية، او اجتماعية او علمية اوفلسفية ، او اية قضية اخرى تتناول حقول المعرفة المختلفة، ولكن هذه النخب الثقافية الا قلة نادرة منها لا تلبث ان تتخلى عن موضوعيتها اذا ما دار النقاش حول بعض المسلمات ان لم يكن كافة المسلمات الدينية الراسخة في عقول المتدينين ، هنا نراها تداري في موقفها ، واذا ما عبرت عنه جهارا نهارا فلن تجد في اجوبتها الا تاكيدا لصحة هذه المسلمات الدينية ، وامتداحا لدور الدين وخاصة في مجال تنظيم علاقة سويّة وطبيعية بين البشر . خرجت بهذا الانطباع في اكثر من ندوة كان موضوعها اما الحوار بين الاديان او دور الدين في الارتقاء بسلوك البشر كان اخرها ندوة حضرتها قبل ايام ، وكان عنوانها " الاديان بين النظرية والتطبيق " قدم خلالها الباحث الدكتور جميل مطر موجزا عن اكثر الديانات السماوية، والارضية ان صح التعبير، انتشارا في العالم دون ان يتطرق للجانب الاهم لموضوع الندوة وهو التطبيق العملي لهذه الديانات ، واحسبه قد تجنب الخوض في هذا الجانب الحساس كي لا يتورط في تقديم اجابات علمية وموضوعية قد تثير غضب واستياء المشاركين في الندوة، او ربما تدفع احدهم الى اعتباره كافرا هدار دمه حفاظا على امن وسلامة المجتمع ، وبالتالي تنسف اجابات المحاضر بعض المسلمات والقناعات الدينية التي رسخها في اذهانهم الى درجة التحجر واستحالة التحرر منها رجال الدين منذ نعومة اظفارهم  

 ولحساسية الجانب التطبيقي للاديان فقد ركز المشاركون في النقاش، واغلبهم كما اشرت ينتمون الى النخب الثقافية التي لا تنقصها المعرفة في الاديان، وخاصة السماوية منها ، الموحى بها الى انبياء جلهم من اليهود وليس بينهم أي نبي من جنسية اخرى الا نبي عربي واحد ! ركز المشاركون على ابراز الجوانب الايجابية للاديان بغض النظر عن كونها ديانات سماوية موحى بها من الله ، او ديانات ارضية من صنع مصلحين اجتماعيين ، مؤكدين في مرافعاتهم بان هذه الاديان تنطوي على تعاليم ومنظومة اخلاق و قيم تدعو البشر الى التسامح والمحبة والتعايش المشترك ، ونبذ العنف والرذيلة بكافة اشكالها ، ولولا هذه التعاليم الدينية لعم الفساد والشر واندلعت الحروب في هذا العالم . وكان مسك الختام في هذه الندوة ان صح التعبير ان واحدامن " المثقفين " لم يعجبه المحاضر ولا مضمون المحاضرة ، قخرج عن طوره وانتفخت اوداجه ، ثم سمعناه يوجه انتقادات لاذعة للمحاضر متها الاخير وبعض المشاركين في النقاش بالتطاول على الاسلام، معتبرا الندوة وصمة عار في جبين المركز الثقافي ، داعيا رئيس المركز الى عدم تكرار هذه التجربة المرة واذا شاء ان ينظم ندوة اخرى تناول موضوع الاديان ، وخاصة السماوية منها ان يكون المحاضرون في هذا الشان المقدس قس مسيحي وشيخ مسلم ، لا ان يكون المحاضر باحثا علمانيا ، وكأن الالمام في الاديان من وجهة نظر هذا " المثقف " ، وحتى من جانب السواد الاعظم من المؤمنين بالديانات ، وبالتالي الخوض في مضامينها هو من اختصاص رجال الدين ، رغم ان اكثرهم لا يلمون من ديانتهم الا الطقوس منها ، فيما لا تتجاوز معلوماتهم عن الديانات الاخري سوى بعض المعلومات السطحية، خلافا للباحثين العلمانيين الاكثر الماما بجوهر هذه الاديان ،وفي نشاتها، وفي دورها الناظم للعلاقات الاجتماعية ، وربما لو ترك لهؤلاء الباحثين العلمانيين تاويل النصوص الدينية الملتبسة لقدموا اجابات ايجابية لا تؤجج المشاعر الطائفية والمذهبية لدى اتباع الديانات كما يؤججها اكثرية رجال الدين !! ولو عدنا الى مرافعات المحاضر والمشاركين في الندوة وايضا مرافعات رجال الدين دفاعا عن التعاليم الدينية وعن دورها في تهذيب والارتقاء بسلوك البشر كلما اعتلوا منابر الوعظ والارشاد ، ثم وضعناها على المحك فسوف نصل الى نتجة مفادها : ان التاثير الديني على سلوك البشر لم يكن في كل الاحوال ايجابيا بل اسفر في حالات كثيرة عن كوارث بشرية ادت الى ازهاق ارواح الملايين من البشر ، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر قيام دولة اسرائيل : فهل كان ممكنا تاسيس حركة صهيونية تتبنى برنامجا يتضمن دعوة صريحة لجميع اليهود باسبطاهم السبعة المزعومة بالعودة الى ارض الميعاد ، وايضا يتضمن مشروعا لاقامة دولة اسرائيل باستخدام كافة الوسائل غير المشروعة ضد السكان الاصليين ، هل كان ممكنا انجاز هذا المشروع الاستيطاني، لولا ان هرتزل وروتشيلد وغيره من زعماء الحركة الصهيونية قد استمدوا مشروعهم من نصوص توراتية تعهد بموجبها اله الشعب اليهودي باقامة دولتهم على ارض الميعاد الممتدة من النيل الى الفرات ؟

 وهل كان ممكنا ان يصدر بلفور وعده باقامة دولة لليهود على ارض فلسطين لولا ان التوراة تشكل جزءا لا يتجزا من الكتاب المقدس لدى المسيحيين والذي يشكل مرجعية لهم في التعامل مع الاخرين ، تمشيا مع مقولة المسيح " لم ات لانقض الناموس بل لاكمله ؟؟ وبعد ذلك لماذا يستهجن المسيحيون الجرائم التي اقترفها الصهاينة ضد الفلسطينيين المتمثلة بطردهم وتهجيرهم من وطنهم باستخدام القوة المسلحة وكافة وسائل الارهاب الاخرى ، بغية اقامة دولة اسرائيل التوراتية ، الم تذكر التوراة ان اله اسرائيل قد وقف الى جانب العبرانيين بل ساعدهم في احتلال مدينة اريحا ، وفي تدميرها عن بكرة ابيها وقتل كافة سكانها بحيث لم يبق على قيد الحياة حتى ولد صغير يبول على حائط واذا شاء المسيحيون ان يقفوا الى جانب الحق وان يتمثلوا تعاليم الانجيل التي تحثهم على محبة الاخرين ونبذ العنف فلماذا يتمسكون بالعهد القديم من كتابهم المقدس ولا يبادرون الى شطبه لتعارضه مع تعاليم الانجيل !!؟

    ثم لو عرجنا على الفتوحات الاسلامية وحروب الردة فلن نجد فرقا فيما تمخضت عنه من ازهاق ارواح اعداد كبيرة من البشر سواء من المسلمين الذين ارتدوا عن الاسلام لعدم قناعتهم بتعاليمه او من الشعوب التي تم غزو اراضيها وسبي نسائها واستعباد رجالها وحتى بيعهم في اسواق النخاسة بذريعة نشر الاسلام بديلا عن الكفر الذي كان يعم فيها، لن نجد فرقا عما اقترفه من قبلهم العبرانيون ضد سكان فلسطين الاصليين تنفيذا للوعد الالهي باقامة دولة اسرائيل على ارض الميعاد، حتى لو اكد فقهاء المسلمين ان الفتوحات الاسلامية لم تكن غزوا وانتهاكا لسيادة دول اخرى، بل هو تطبيق لركن من اركان الاسلام الا وهو: الجهاد في سبيل الله ! اما كان الاولى حقنا لدما ء المرتدين من المسلمين والكفار استخدام وسائل سلمية لنشر الدعوة الاسلامية في ديار الكفر ، ولهداية المرتدين بدلا من ازهاق ارواحهم وسبي نسائهم واستعباد رجالهم والاستيلاء على اموالهمن استخدام وسيلة الموعظة الحسنة المنصوص عليها دينيا ، والتعامل مع غير المسلمين والمرتدين وفق النص الديني " لكم دين ولي دين ومن شاء ان يكفر فليكفر ومن شاء ان يؤمن فليؤمن !! كذلك عندما غزا الصليبيون ديار المسلمين واستباحوا دماءهم ، وسبوا نساءهم، واغتصبو اراضيهم : الم يدشن ا الغزاة حملتهم الصليبية ويقترفوا جرائمهم في حق المسلمين بحجة ان افرادا من المسلمين قد دنسوا قبر المسيح وانتهكوا حرمات بيوت العبادة الاخرى لدى المسيحيين 

 سيجادل قساوسة المسيحيين في هذه المسالة زاعمين بانها مجازر ترفضها تغاليم الانجيل كما تدينها لانها تتعارض مع تعاليم المحبة والتسامح حتى مع اعداء المسيحيين التي بشر بها المسيح : ولكن ماذا سيكون رد القساوسة لو قلنا لهم ان المسيح لم يتردد في استخدام وسائل القمع والعنف عندما شاهد باعة الحمام يمارسون تجارتهم في باحة هيكل سليمان وتاديبا وردعا لهم انهال عليهم ضربا وجلدا بالكرباج ثم طردهم من باحته ، الم يلجا المسيح الى هذه الوسيلة القمعية لان الباعة كما ورد على لسانه قد جعلوا بيت الرب مكانا لممارسة التجارة ، رغم ان هؤلاء الباعة المساكين كانوا يعرضون بضاعتهم خارج الهيكل احتراما لقدسيته ، فما بالك لو شاهد بضعة افراد من المسلمين يدنسون قبره المقدس او ينتهكون حرمة كنائس المسيحيين فهل كان سيقف متفرجا مكتوف اليدين ، ام انه كان سيحرض المسيحيين على خوض حرب ضد الصليبيين كتلك التي حرض على خوضها ضد المسلمين الراهب بطرس الناسك تحت راية الصليب ، وانخرط فيها مئات الالوف من الغزاة الصليبيين صونا لمقدسات المسيحيين 

 ثم لماذا يستهجن القساوسة المسيحيون في ظرفنا الراهن ما اقترفهم اسلافهم ضد المسلمين بالادعاء مرة اخرى ان تعاليم المسيح تنبذ كراهية الاخرين ولاعتداء على اموالهم ، في بعض الايات الانجيلية يبدو هذا الامر صحيحا وفي بعض تصرفات المسيح تجاه حقوق الاخرين او في الاسلوب الاستعلائي في التعامل مع الاخر يبدو انه قد تجاوز خطوطه الحمراء وكما هو الحال عندما توسلت اليه المراة الكنعانية وهي جاثية ان يشفي ابنتها المريضة والا فارقت الحياة ، فرد عليها ردا صادما قائلا لها : لقد قال الرب لا ترموا خبزكم امام الكلاب ! فهل نستغرب بعدئذ ان يتعامل الصليبيون مع المسلمين بنفس العقلية الاستعلائية التي تعامل بها المسيح مع المراة الكنعانية التي كان اليهود ومثلهم ملك اليهود المسيح يحتقرونهم ، وهل نستغرب استباحة الصليبيين اموال المسلمين واستيلائهم ا عليها او تدميرها ومن قبلهم كان المسيح قد اباح لنفسه تحويل شجرة تين غير مثمرة الى حطب لانه لم يتسنى له جني ثمار التين منها ، واغراقه قطيع من الخنازيرفي البحر تخلصا من الشياطين التي كانت تسكن في جوفها على حسب ما ورد في الراوية الانجيلية ،رغم ان المسيح لم يكن زارعا للشجرة بل كانت ملكيتها كقطيع الخنازير تعود لاحد الفلاحين 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز