عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
فتحُ فاتحة كهيعص من سورة مريم

 

"كهيعص (1) ذكرُ رحمةِ ربِّكَ عبْدَهُ زكريّا (2) إذْ نادى ربَّهُ نِداءً خفِــيّاً (3) قالَ: ربِّ إنّي وَهَنَ العظمُ منّي واشتعلَ الرأسُ شَيْباً ولمْ أكنْ بدعائِكَ ربِّ شقيّاً (4) وإنّي خفتُ المواليَ منْ ورائي وكانتِ امرأتي عاقراً فَهبْ لي مِنْ لَدُنْكَ وليّاً (5) يرثُني ويرثُ منْ آلِ يعقوبَ واجعلْهُ ربِّ رَضِيّاً (6) يا زكريّا إنّا نبشِّرُكَ بغلامٍ اسمُهُ يحيى لمْ نجعلْ لهُ منْ قبلُ سمِيّاً (7) قالَ ربِّ أنّى يكونُ لي غلامٌ وكانتِ امرأتي عاقراً وقدْ بلغتُ منَ الكِبَرِ عِتيّاً (8) قالَ كذلكَ قالَ ربُّكَ هوَ عليَّ هيِّنٌ وقدْ خلقتُكَ منْ قَبْلُ ولمْ تكُ شيئاً (9) قالَ: ربِّ اجعلْ لي آيةً قالَ: آيتُكَ ألّا تكلِّمَ الناسَ ثلاثَ ليالٍ سويّاً (10) فخرجَ على قومِهِ منَ المحـرابِ فأوحى إليْهم أنْ سبِّحوا بُكرةً وعشـــــــيّاً (11) يا يحيى: خُذِ الكتابَ بقوّةٍ وآتيْناهُ الحكمَ صبيّاً (12) وحناناً مِنْ لدُنّا وزكاةً وكانَ تقــــيّاً (13) وبَرّاً بوالديْهِ ولمْ يكنْ جبّاراً عصيّاً (14) وسلامٌ عليْهِ يومَ وُلِدَ ويومَ يموتُ ويومَ يُبْعَثُ حيّاً (15) [سورة مريم]

 

 فتح "كهيعص"


يقول ربُّ العالمينَ سبحانه وتعالى: "كهيعص(1). ذِكْرُ رحمةِ ربِّكَ عبدَهُ زكريّا (2)".

ولمّا كانَ الإنسانُ عجولاً فإنّني أُظهرُ حلَّها قبلَ كيفيّةِ الوصولِ إليْهِ، وإقامةِ الدليلِ عليْهِ.

حلُّ "كهيعص" هوَ: (كبيراً هديْناهُ يحيى عليماً صبيّاً). فكيفَ نصلُ لهذا الحلِّ؟

اقرأْ معي: "كهيعص. ذِكْرُ رحمةِ ربِّكَ عبدَهُ زكريّا"، ثمّ اسألْ نفسَكَ هذا السؤالَ: ما هيَ "كهيعص"؟

الجوابُ: إنَّ "كهيعص" هيَ: "ذِكْرُ رحمةِ ربِّكَ عبدَهُ زكريّا"؛ فالآيةُ الثانيةُ شرحٌ وتفصيلٌ للآيةِ الأولى: تحدّثكَ عنها، تعرّفك بها، تحلُّها لك. القرآن نفسه يقول لك إن "كهيعص" هي ذكر الله لعبده زكريا قاصّاً ما رحمه به. فواضح من هذا كلّ الوضوح لكلِّ ذي لبٍّ أنّ "كهيعص" هي ما ذكره الله تعالى وقصّهُ عن رحمته لعبده زكريّا، عليه السلام. ما هو الذي جاء في ذكر الله تعالى في باب وسياق القصة عن رحمته لعبده زكريّا؟ جاء أنه كان على كبرِه قد وهبه الله تعالى يحيى مؤتياً له العلم في صباه؛ جاء أنه كان كبيراً فهداه الله تعالى يحيى على علمٍ في صباه؛ جاء أنه كان كبيراً فهدّاه اللهُ تعالى يحيى عليماً صبيّاً، جاء الذكر عنه أنه لمّا كان كبيراً أهدى إليه الله تعالى غلاماً عليماً اسمه يحيى. يتلو عليك الله تعالى ذكراً من رحمته لزكريّا هو "كهيعص"! فماذا يتلو يتلو عنه؟  يتلو عنه القول "كهيعص".. فماذا تقول "كهيعص"؟ تقول: (كبيراً هديناه يحيى عليماً صبيّاً) أو: (كبيراً هداه يحيى عليماً صبيّاً).

"كهيعص" هيَ تعريفٌ بقصةِ زكريّا، هيَ حديثٌ عمّا ذكرَهُ اللهُ تعالى منْ أمرِ رحمتِهِ لعبدِهِ زكريّا، هيَ ذكرٌ لِوجوهِ الرحمةِ التي رحمَها اللهُ تعالى لعبدِهِ زكريّا، عليه السلام.

أجلْ،" كهيعص" هيَ اختزالٌ لمختصرِ قصةِ زكريّا، هيَ "زبدةُ" ما قصّتْهُ السورةُ عنْ زكريّا في خمسةٍ من الأحرف، هيَ مقدَّمةٌ اختزاليّةٌ تعرِّفُ بموجزِ القصّةِ.

حسناً، اعتبرْ أنَّ كلمةَ "هيَ" مقدرةٌ بينَ الآيتيْنِ واقرأْهما هكذا: "كهيعص" - هيَ - "ذِكْرُ رحمةِ ربِّكَ عبدَهُ زكريّا". أفليسَ ((كبيراً هداه يحيى عليماً صبيّاً)) هو ما ذكره الله تعالى في التعريف برحمته لعبده زكريا، عليه السلام؟ ألم يدخل زكريّا في رحمة الله بأنه (كبيراً هداه يحيى عليماً صبيّاً)؟.. بلى، هذا هو الذي جاء في ذكر رحمة الله له.

 

اختيــــــار الكلمـــــات

 

والآنَ يمكنُكَ أنْ تعود فتسألَ من جديد هذا السؤالَ: ماذا حدَّثتنا السورةُ وبقيّةُ القرآنِ الكريمِ، وبخاصّة في سورةِ آلِ عمرانَ، عنْ قصّةِ زكريّا؟

 أو بعبارةٍ أخرى: ما هي قصة زكريّا ملخصةً في خمسِ كلماتٍ؟

1- حدّثنا القرآنُ الكريمُ أنَّ زكريّا قد صارَ كبيراً دونَ أنْ تأتيَهُ ذريّةٌ. وقد حدثت قصته تلك الجاري ذكرها "إذ" هو كبير، في حال من كبره: "إذْ نادى ربّه نداءً خفيّاً"، حدثت في حال كبره، حدثت إذ كان كبيراً. فأول ما عرقنا القرآن عنه هو حاله اليت هي الكبر. ومن هنا فإن أولى كلمةٍ من القصة نقدر بها الكاف هي "كبير"، وما كان الكبر حينئذٍ هو حالَه، فإن كلمة "كبير" لا بدَّ أن تأتي في التقدير حالاً، أي تكون هكذا: "كبيراً"!

-2 وأنَّ اللهَ تعالى وهبَهُ على حالِِ الكِبَرِ غلاماً اسمُه: "يحيى". فيحيى هو هَدْيٌ أوْ هديّةٌ، هو هبةٌ منَ اللهِ سبحانهُ لعبدِهِ زكريّا، أيْ إنَّ اللهَ تعالى هدى لزكريّا، عليه السلامُ، هَدْيا، هديّةً،ً تمثّلتْ فيهِ رحمتُهُ له. وقدْ سبقَ لإبراهيمَ أنْ هدى إسماعيلَ هَدْياً للكعبةِ المشرّفةِ: "ربّنا إنّي أسكنتُ منْ ذرّيّتي بوادٍ غيرِ ذي زرعٍ عندَ بيتِكِ المحرّمِ؛ ربّنا ليقيموا الصلاةَ."

3- وأنَّ يحيى قدْ أوتِيَ حكماً وعلماً وهوَ صبيٌّ، أيْ أنَّ يحيى كانَ عليماً صبيّاً (وكلمةُ "صبيّاً" هيَ هنا حالٌ، وليستْ نعتاً ثانياً ليحيى، أو يمكن أن نعتبرها حالاً ثانيةً ليحيى باعتبار "عليماً" حالاً أولى(.

ألا تجدُ الآنَ أنَّ "كهيعص" هيَ: (كبيراً هديْناهُ يحيى عليماً صبيّاً)؟ أو قل: (كبيراً هداه يحيى عليماً صبيّاً)؟

حقّاً، صارَ زكريّا كبيراً فهداهُ اللهُ يحيى العليمَ في صباه. وهذا هوَ جوهرُ قصّتِهِ.

 

ومنْ أجلِ مزيدٍ منَ التبسيط ألفتُ نظرَكَ إلى الآتيةِ:

 1-     أبرزُ ما في أمرِ زكريّا، عليه السلام، في قصةِ القرآنِ عنهُ، هوَ كِبَـرُهُ: "وقدْ بلغتُ منَ الكِـبَرِ عِتِيّاً"؛ فقدْ وهنَ عظمُهُ، واشتعلَ رأسُهُ شيْباً. أجل، إنَّ أوْلى كلمةٍ بالذكر تبدأُ بالكافِ في قصةِ زكريّا هيَ كلمةُ" : كبير": "إنّي وهَنَ العظمُ مِنّي واشتعلَ الرأسُ شيْباً"، "وقد بلغتُ منَ الكِبَرِ عِتِيّاً".. "قالَ ربِّ أنّى يكونُ لي غلامٌ وقدْ بلغنيَ الكِبَرُ وامرأتي عاقرٌ؟ قالَ كذلكَ اللهُ يفعلُ ما يشاءُ" (آل عمران:40).

2-     وإنَّ أوْلى كلمةٍ تبدأُ بالهاء في قصةِ زكريّا هيَ كلمةُ "هدى"، منَ الهديّةِ والعطاءِ والهبة؛ فقدْ دعا اللهَ تعالى أنْ يهبَهُ، فوهبَهُ ذلكَ الغلامَ العليمَ هبةً منهُ، جعلَهُ هدْياً لهُ، أيْ هديّةً عظيمةً. ويجبُ أنْ ننتبهَ، تكراراً مراراً،  إلى أنَّ الفعلَ "هدى" يأتي بمعنى: آتى، وأعطى، وأهدى إلى. ويقالُ في العربيّةِ: هدى أو هدّى، وكلاهما بمعنى: أهدى إلى، وهبَ، وآتى. فلا يستغربنَّ أحدٌ هذا التقديرَ: "كبيراً هديْناهُ يحيى عليماً صبيّاً" بسببِ غيابِ "إلى" من بعدِ الفعلِ "هدى". والمعنى هوَ: قدْ هدى اللهُ تعالى إلى زكريّا على حالِ كبرِهِ يحيى العليمَ في صباهُ. لقد طلب زكريا من الله هبةً بقوله: "فهب لي من لدُنكَ وليّاً". طليب الهبة فوهبه يحيى، طلب ذرّيةً هديّةً من الله تعالى فكانت له. طلب أن يحلّ وريثه مكانه في العلم، فردٌ عليم يكون محلَّ فردٍ عليم؛ فالآخِر بديل عن الأول، ورديف له. أما تأتي المفردات ترادفاً؟ أما تحلُّ لفظةٌ محلَّ لفظةٍ أخرى؟ ذلك هو الترادف. أفليست الهدية من مرادفات الهبة أليسَ الفعل "هدى" مرادفاً لللفعلِ "وهب"؟ بلى، ثمَّ بلى. أجل، طلب زكريّا الهبة، فوهبه الله، أي هداه إيّاها، اختصاصاً بالرحمة وفضلاً؛ هداه يحيى العليم في صباه، واللفظ يحلُّ محلَّ اللفظ بديلاً، وريثاً، وكيلاً، إذا كان له معناه، ويؤدّي ما أدّاه!  وهنا قد يطرأ في بالك هذا السؤال: لماذا لم يأت الاختصار في القرآن هكذا (كويعص)، بدلاً من "كهيعص"؟ .. سيأتي الجواب في عنوان منفصل.

 

ولا ريْبَ أنَّ اللهَ تعالى قد استجاب لزكريا فهداه وهدّاه وأهداه ووهب له وأعطاه وأهدى إليه ما طلبَه منه في ندائِهِ الخفيّ.   

3-     وموضوعُ الرحمةِ، بل ومدار القصة، هوَ "يحيى" الذي كانَ أولَ إنسانٍ حظيَ بهذا الاسمِ: "إنَّا نبشّرُكَ بغلامٍ اسمُهُ يحيى لمْ نجعلْ لهُ منْ قبلُ سَمِيّاً". قد جاءت "كهيعص" في ذكر قصة زكريا، في ذكر رحمة الله تعالى له - فبماذا رحمه؟ رحمه بيحيى. وهل في قصة زكريا التي هي في ذكر يحيى، هل فيها- ياءٌ أوْلى بالذكر من ياء يحيى؟ لا، أبداً ما فيها ياء أوْلى من ياء يحيى لأن تًذكر في قصة أبي يحيى؛ إذ إن يحيى، عليه السلام هو مدارها، وهو محورها، وهو "زبدتها وخلاصتها". وهو فوق كلّ هذا، أول من سمّيَ بهذا الاسم.

 4-     وإنَّ أوْلى كلمةٍ تبدأُ بالعين في قصةِ زكريّا هيَ كلمةُ "عليم"؛ فقد طلبَ زكريّا الغلامَ ليرثَ العلمَ في الكتابِ: "يرثُني ويرثُ من آلِ يعقوبَ."

لقدْ طلبَ زكريّا أنْ يهبَهُ اللهُ تعالى غلاماً يرثُ العلمَ: "يرثُني ويرثُ منْ آلِ يعقوبَ"؛ فالأنبياء يورِّثونَ العلمَ: "يا يحيى خُذِ الكتابَ بقُوّةٍ وآتيْناهُ الحكمَ صبيّا".

5-               وإنَّ أوْلى كلمةٍ







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز