عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
الخليلي أستاذاّ في القدس الشريف!

من حكايات أستاذ خليلي

 

في الستينييّات الثماني الأولى من القرن العشرين (1960-1967)، زمن مواسم الردائح الإعلامية الحامية بين مصر والأردن، كان الأستاذ الخليلي "فرح" يعمل مسؤولاً عن الرياضة والكشّافة في مدرسة الأيتام في القدس الشريف، وقد اعتاد أن يسمع السيد "جعفر" صاحب أشهر كنافة فلسطينية وهو مارٌّ من أمام محلّه سراحاً ورواحاً-  يسمعه يوميّاً ينادي في المارّة: تفضل تفضل .... تفضلي تفضلي ...  تفضلوا تفضلوا ....  ففكر له بمقلبٍ لعله يقلل من نداءاته بهذه "التَّفَضَّلْ"، أو لعلّه يفهم أن مَنْ طرق الباب سمعَ الجواب! .. والخليُّليُّ دوماً يفكر بطريقة أخرى، كأنه "الخليل"، كأنه يحسب نفسه أمةً وحدَه .... فماذا فعل الأستاذ فرح؟ درّب فرقة الكشافة على إنشاد السلام الجمهوري المصري وبشرّهم بتحليةٍ تاريخية لم يذوقوا مثلها في حياتهم أبداً، وكانوا يثقون بوعوده. وذاتَ ضحىً استأذن المديرَ باصطحاب الكشافة إلى خارج أسوار القدس مروراً بشارع "باب خان الزيت"، وهم ينشدون السلام الملكي الأردني، إغراءً له لعله يرضى. وافق المدير؛ فكل ما يرضي السلطانَ، من نجدٍ إلى تطوان، هو سلَّم المُستمدر أن يترّفعَ ويترقّى.  وعندما مرّوا أمام محل "جعفر" سمعوه يقول: تفضلوا تفضلوا .. فطلب من الكشافة بعيداً عن آذان "جعفر" أن يدخلوا ويطلبوا ما يريدون بأي كميّةٍ، ومن كلِّ الأصناف، وأن "يتبحبحوا" ولا يقلقوا أبداً بدفع النقود؛ فالأمر ضيافة ما لها من تكرار! .. دخلت الفرقة كلها فنظّفوا كلَّ الصواني لحسوها لحساً، ما تركوا فيها "مطبّقةً" ولا إصبعاً من "أصابع زينب"! .. أمّا هو فقد جلس على طاولةٍ بجانب طاولة "جعفر" مُخرجاً من جيبه "دزداناً" قد حشّاه بأوراق مستهلكة حتى يخال الناظر إليه منها أن صاحبه "صيدة هبرة" من خير الدافعين. وتظاهرَ، حيلةً منه ومكراً، أنه هو من الصائمين، فما أخرج الغليون ولا طلب ماءً. وقبل أن يهم الكشّافة بالخروج كان الأستاذ فرح قد أصدر تعليماته من غير أن يسمعه "جعفر" ولا مساعدوه – أصدر لهم تعليماته بالاصطفاف أمام المحل كي يقوموا بإنشاد السلام الجمهوري المصري ثلاث مرات حالما يأمرهم هو بعد الخروج من المحل. خرج التلاميذ وهم من الأيتام المفلسين، جيوبهم هواء، ولما قام الأستاذ "فرح" من جانب طاولة المحاسبة يريد المغادرة، وقد أعاد الدزدان إلى جيبه، طلب منه "جعفر" الحساب!.. فقال له الأستاذ فرح: أنتَ قلتَ للتلاميذ تفضلوا فأجابوك وتفضلوا، فخلف الله عليك! .. فقال له "جعفر": أنا أقولها لكلِّ الناس! .. الخروج من الحمّامِ ليس كالدخول فيه يا أستاذ!.. فقال له الأستاذ فرح، وكان جوابه دوماً جاهزاً في فمه، بل على شفتيْهِ، على شفتيْهِ، كانه بوقُ قطار: ومَنْ قالَ لك إننا لسنا من الناس، هذه حقُّها كبير!؟! .. وهنا سارع يخرج من المحل، وطلب من تلاميذه أن ينشدوا النشيد الجمهوري المصريّ ثلاثاً، وما أن بدأوا حتى كان "جعفر" يسارع لإغلاق محله هارباً منه كالبرق، يتبعه مساعدوه، يجري يقول في نفسه: بالصواني على المَلان ولا ليلة عند السجّان!.. ثمَّ انصرف الكشافةُ ملأى كروشهم من حلويات "جعفر" وهم ينشدون النشيد الملكي الهاشمي تغطيةً واحتياطاً. لقد مات الاثنان بعد حين، فرحم الله أموات المؤمنين!..

لقد كان "فرح" دوماً يفكر بطريقة أخرى، يحسب نفسه أمةً من دون الناس. وذات مرّةٍ و لمّا يمضِ شهرٌ على النكبة الكبرى عام 1967، والاغتصاب الصهيوني الثاني "طازج طازج" كان الأستاذ فرح في الطريق إلى القدس متشوّقاً أن يرى ما دهاها، وكيف قد أصبحت في حجرتِها!.. وعند نقطة التفتيش العسكرية في "كفر عصيون" صعد الجنديُّ إلى عتبة "الباص" وصاح في الركاب: كلُّه "زلَماتْ" يِِنُزلْ مِنْ "باسْْ"!.. نزل الرجال جميعاً إلا النسوانُ والأستاذُ فرح، فقد بقي معهنّ وغليونه في يده، فدخل الجنديُّ مسرعاً إلى مقعده في آخر الحافلةِ وقال له معربداً – مع فصحنتنا لكلامه – أما سمعتَ أنني قلتُ: على كلِّ الرجالِ فوراً مغادرة الحافلة إلى الأرض للتفتيش؟.. ضرب فرح بغليونه على القضيب أمامه بخفّةٍ وقالَ للجندي: كلّه زلَماتْ من زمان ماتْ! وكان الجنديُّ ذكيّاً ففهمها "على الطاير" ونزل مسرعاً يقول للذين نزلوا: كلُّه يِِطلَعْ "باسْ" يا كذّابات!.. ولم يفتشْ منهم أحداً.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز