لؤي الســـرابي
loai3@hotmail.com
Blog Contributor since:
15 February 2011



Arab Times Blogs
لصوص التذاكر

 

        كانت علاقة "فارس" بمديرة شئون الموظفين للشركة العالمية للأمن مميزة فهي كانت تدرك أنه يحب العمل فلذلك كانت توفر له عملا إضافيا في يومي عطلة نهاية الاسبوع ، وكان أمرا مفروغا منه أن تخبره عن دورات في مجال الأمن مشجعة إياه للالتحاق بها لكي يرفع من مستواه الوظيفي بالإضافة إلى أنها كانت تنقله من موقع إلى آخر عندما تجد أن هذا في مصلحته ، وبناء على ذلك أسندت إليه الشركة العالمية للأمن العمل في كلية الغد بعد أن أصيب أحد موظفيها من جراء حادث سير ، كان للشركة العالمية للأمن في كلية الغد أربعة موظفين إثنان يشرفان على أمن الكلية من الخارج في ساحاتها وحدائقها واثنان آخران في داخل المبنى وعلى رأس الأربعة موظف خامس هو رئيس القسم .

    اجتمع "فارس" في اليوم الأول من عمله برئيسة القسم التي شرحت له المهام التي سيقوم بها كتنظيم السير في ساحات الكلية ومواقفها وبيع التذاكر لكل شخص يريد أن يستخدم موقف السيارات بحيث  يدفع صاحب السيارة ثمانية دولارات لليوم الكامل وإذا كان الوقت أقل من ذلك فالتذكرة بخمسة دولارات.وبعد الشرح الموجز لهذه المهام التي أنيطت به كان أمرا متعارفا عليه أن أي موظف جديد ترسله الشركة العالمية للأمن أن تقوم رئيسة القسم بمرافقة هذا الموظف للتعرف على مديرة الأمن " جانيت " التي تقف على رأس عملها من خلال الكادر الوظيفي للكلية وليس من خلال الشركة العالمية للأمن .

    كانت مديرة الآمن " جانيت " كتلة من الشحم واللحم فلا تستطيع ان تحدد معالم خصرها وإذا ما مشت فلا شك أن السلحفاة أسرع منها ناهيك على أن جسدها يتمايل يمينا ويسارا ، إن هذه الحركة لن يشطح فكر الإنسان ليتخيل انها حركة تدل على الرقة والآنوثة فهي ليست ممن قال فيهن الشاعر:

ميدي مع الالحان ميدي               بقوامك اللدن الفريد

    كان قداماها يئنان من فرط ثقل اللحم والشحم ومن يصيخ السمع قليلا يسمع صوتا شبيها بما يصدر عن قربة حليب معلقة على خشبة كالأرجوحة تماما تخضها أعرابية يمنة ويسرة لتستخلص السمن البلدي منها ، وعلاوة على هذا فمن خصالها التي يلمسها من يلتقي بها من أول جلسة أنها متعجرفة سليطة اللسان صارمة ويشاهد الزائر في مكتبها لوحة كتب عليها شعارها " إبسط قضيتك بسرعة وووضوح " ولسان حالها يقول ثم أرني عرض أكتافك . من الواضح جدا أن الابتسامة في هذا البلد مغروسة على الشفاه ترف على وجوه من تعرف ومن لا تعرف ولكن "جانيت" صورة مغايرة عن بقية أفراد المجتمع فأقول فيها :

أسطورة الغول والعنقاء تلتئم             للعلم ثالثها " جانيت " تبتسم

    دخلت الحيرة إلى نفس "سامر" وبدأ يخاطب نفسه ويقول كيف سيكون تعاملي معها وأنا ذلك الشاب الذي لم يخض من التجارب ما يكفي للتعامل مع مثل هذه النوعية أنا لا أتحمل أن يعاملني الآخرون بتعال أو كبرياء ، صار صوت "سامر" يعلو ويعلو وهو يحدث نفسه كمن ركبه جن بل هو في حلم يقظة مسترسلا في شطحات فكره قائلا لن أسكت عن أي كلمة نابية تخرج من فيها سأصيح بوجهها لأوقفها عند حدها ، ولكن قد يكون رد فعلها قاسيا يؤثر على عملي فتتهمني بأنني تجاوزت المنطق وحدود الأدب ، لمَ لا تكون هي من تجاوزت الحدود ، حتى ولو تجاوزت الحدود فمكالمة واحدة مع مدير الشركة كفيلة بطردي من العمل فما أنا سوى موظف صغير حتى ولو كنت موظفا كبيرا أتخسر الشركة العالمية عقدا بآلاف الدولارات مع الكلية من أجل سواد عيني موظف و" جانيت "هي المكلفة من قبل الكلية بإبرام مثل هذه العقود ، على كل حال الحمد لله أنه ليس لي ارتباط وظيفي مباشر مع " جانيت " وفعلا كان ارتباطه محصورا برئيسة القسم التي استدعته بعد عدة شهور من عمله في الكلية لتبلغه أنها ستكون بعد أسبوع في إجازة ولادة وأن الشركة قررت أن يتسلم وظيفتها بالإنابة طيلة فترة إجازتها ومدتها عام كامل وأوضحت له طبيعة عمله الجديد ، ورافقته للمرة الثانية لزيارة عابرة مع "جانيت " سمع منها جملة واحدة "اذا واجهتك مشكلة ولم تستطع أن تحلها سأحلها لك " .

    في اليوم التالي لاستلامه عمله الجديد اتصلت به مديرة شئون الموظفين في الشركة العالمية تبارك له عمله الجديد وتخبره أنها ستبعث ابنتها لتحل محله في العمل في كلية الغد تطلب منه أن يهتم بها ويرعاها ، وفعلا اعتنى بها "سامر " ودربها على عملها الذي ستقوم به في الجزء الخارجي من المبنى بالتعاون مع زميل لها وكان من مهام عملها تسلم التذاكر التي تباع لإصحاب السيارات من محاضري الكلية وطلابها وزوارها في بداية دوامها وتسليم التذاكر غير المباعة ونقود التذاكر المباعة في نهاية دوامها اليومي .

     في نهاية الشهر الثالث من استلام الفتاة لمهامها شعر "سامر " أن مبيعات التذاكر بدأت تنخفض وصارت ترد له من الطلاب شكاوى تدل على وجود تلاعب في بيع التذاكر ومن هذه الشكاوى أنه كانت تستوفى منهم ثمانية دولارات مهما كانت المدة التي يوقف فيها الطالب سيارته في الموقف ولفت "سامر " نظر الموظفين إلى ذلك فنفيا نفيا قاطعا وهددته بوالدتها وانها سترفع دعوى على هؤلاء الذين يفترون عليها ، واعتقد "سامر" أنه باستدعائه الفتاة وزميلها من خلال تسليط الضوء على المخالفة سيردعهما عن التمادي فيها ، وفعلا انشرح صدر "سامر" فقد مر شهران دون ورود أية شكوى ولكن الفرحة لم تطل فكما يقول المثل "عادت ريمة لعادتها القديمة " وعادت الشكاوى تتوالى ودخل الغم إلى نفسه وكأنه مرتكب المخالفة ،  فقد أحضر أحد الطلاب تذكرة بثمانية دولارات يتبين فيها ساعة دخوله الموقف وعند المغادرة بعد ساعتين رفضا إعطاءه فرق المبلغ ، ومن هنا بدأ "سامر " بإجراء تحقيق شامل مع مقدمي الشكاوى في مكتبه يوثقها بالصوت والصورة من خلال الة تصوير الفيديو المثبتة في مكتبه المخصصة أيضا لمراقبة ما يجري في الممرات الداخلية للكلية وساحاتها وحدائقها الخارجية . وقرر أن يذهب إلى موقف السيارات ليدقق بنفسه على التذاكر فوجد بعض التذاكر مزورة حيث كانت صورة طبق الأصل عن التذاكر التي يعطيها "سامر" للموظفين إلا أن الختم الأزرق على التذكرة الأصلية يكون بالتصوير مائلا إلى السواد وأنها تحمل أرقاما مشابهة للتذاكر الأصلية واستدعى هؤلاء الطلاب وحقق معهم واحتفط بالتذاكر التي كانت بحوزتهم ، كما شك بعدد التذاكر التي تباع منه مباشرة وتخص المحاضرين فقط  وقيمة كل منها مائتان وخمسون دولارا للفصل الواحد فوجدها أكثر مما توقع ، سجل ارقام السيارات التي بداخلها هذه التذاكر وقارنها بالمعلومات المثبتة على الحاسوب في مكتبه فوجد عشرين تذكرة إضافية غير مزورة مما يدل على انها سرقت من مكتبه واستدعى أصحاب السيارات فتبين له أنهم طلاب وليسوا محاضرين وقد حصلوا على التذاكر من موظفي الموقف مقابل مائة وخمسين دولارا .

    تأكد "سامر" أن ابنة مديرة شئون الموظفين وزميلها متورطان في هذا العمل إحتار ماذا سيعمل فأمها لها مركزها في الشركة وقد أوصته بها ، وكانت تساعده كثيرا ، ووصل إلى ما وصل إليه بفضل مساعدتها ، لا شك أنها كانت خلف ترقيته إلى رئيس قسم حتى ولو بالوكالة مدة عام ، من يحلم بهذا المركز ولم يتجاوز عمله في الشركة عاما واحدا!

     لا يستطيع "سامر" لملمة الموضوع في ظل شكاوى متزايدة من الطلاب بإضافة إلى أنه ملزم بدفع خمسة الاف دولار مقابل التذاكر الخاصة بالمحاضرين المختلسة من مكتبه ، فقرر ألا يتسرع بإثارة الموضوع مع مديرة الأمن "جانيت" لاتخاذ الإجراء المناسب وهو بذلك يعلم علم اليقين أنه يخالف التعليمات والقوانين والضمير ، ألا يعد هذا تسترا على ما يخالف عليه القانون ؟ يتستر على عمل هذه الفتاة ، فلو لم تكن ابنة مديرة شئون الموظفين فهل يتغاضى عنها طيلة هذه المدة ؟! وبدأ يتأوه ويقول : لو كان زميلها المتورط وحده في هذه المخالفة لاتصلت " بجانيت " التي بدورها ستتصل بالشرطة ، والآن ما العمل ؟ لا بد من الاتصال هاتفيا بمديرة شئون الموظفين في الشركة العالمية للأمن يبلغها بما جرى من ابنتها للاستئناس برأيها لحل المشكلة قبل أن تصل إلى مسامع "جانيت " ومن بعدها للشرطة وخاب ظنه في رئيسة القسم فقد سمع منها تهديدا ووعيدا بفصله من العمل ورميه في الشارع مذكرة إياه بأنها هي من أوصلته للمركز الذي هو فيه ، وعليه أن يتعلم الأمانة من ابنتها .

    عاد "سامر" إلى أحلام اليقظة التي يلجأ إليها كلما ألم به أمر ، مستغربا ما صدر عن مديرته ، لقد كان هدفه أن تساعده في إيجاد مخرج ملائم من هذه الورطة ، إنه يريد أن يساعد ابنتها ! لا شك أنها تستند في تهديدها له إلى موقعها في الشركة فعلاقتها بالمدير العام للشركة ممتازة فمن الممكن أن تنفذ تهديدها ، لا بل من المؤكد ، ما أنا إلا موظف صغير خدمتي في الشركة لم تتجاوز العام الواحد ، لم أقابل المدير العام إلا مرة واحدة وهي التي أرادت ان تعرف المدير العام علي ، لا شك أنه نسيني ، وفي الشركة من العاملين كما يقول المثل " على قفا مين يشيل " لقد خضت من الدورات والامتحانات الكثير للحصول على هذه الوظيفة والتي ستطير بمكالمة هاتفية بسيطة منها للمدير المباشر وليس للمدير العام ، وسيكون مصيري أن أرمى على قارعة الطريق ، الأفضل أن أعاود الاتصال بها كي ألطف الجو راجيا مساعدتها ، لا ، إن معاودة الاتصال يعني أنني أتذلل لها وهذا هدر لكرامتي وتحايل على حل هذا الموضوع ، وسيحاسبني ضميري على ذلك ، ولكن أليست هي من ساعدتك وأخذت بيدك ؟ لماذا أزج بالكرامة في هذا الموقف ؟ ولماذا أعتبر الاستنارة برأيها تذللا ؟ أنني أعطي معاودة الاتصال أهمية أكثر مما يستحق ، لا بد من الاتصال بها .

    أغلقت مديرة شئون الموظفين سماعة الهاتف عندما سمعت صوته وبدون تفكير أو تردد غادر "سامر " مكتبه متوجها إلى مكتب " جانيت " يرفع  الموضوع إليها ، وعلى غير ما كان يتوقع أصاخت إليه باهتمام ونسيت شعارها في موضوع السرعة في بسط القضية فصارت تواقة لمعرفة التفاصيل وانهالت بالأسئلة عليه فعرفت أن هذه الفتاة هي ابنة مديرة شئون الموظفين في الشركة العالمية وأنها تطاولت عليه اثناء المكالمة التلفونية ، وهنا صدرت عن "جانيت" عبارة استهانة تقول هه ! وإن كانت ابنة الوزير ! لم تكتف"جانيت" بما سمعت فقد ذهبت معه إلى مكتبه لتشاهد شريط الفيديو .

    اتصلت "جانيت" بالشرطة أولا ثم بوالدة الفتاة تعلمها بأنها سترسل كتابا للشركة العالمية لترسل مندوبا عنها لحضور جلسة التحقيق مع ابنتها وزميلها لحصولهما على أموال بطريقة غير مشروعة مقترحة عليها أن ترافق مندوب الشركة لحضور هذه الجلسة .

    في الموعد المحدد عقدت الجلسة بحضور رجل الشرطة ومدير الشركة العالمية للأمن ورئيسة شئون الموظفين والدة الفتاة وحضر عدد من الطلاب الشهود يدلون بإفاداتهم وحاول أحد الشهود التملص من الموضوع إلا أنه تراجع لما رأى شريط الفيديو أثناء توجهه للشكوى وحديثه مع "سامر" وهنا انهارت الفتاة وصارت تبكي مقرة بارتكابها المخالفة وأن زميلها هو من زين لها هذا العمل فهما مشتركان في المخالفة .

    أصدرت الشرطة حكمها على مرتكبي المخالفة بأن يقتطع من راتبي كل منهما ثلاثة الاف وخمسمائة دولار ثمن التذاكر الخاصة بالمحاضرين والتذاكر المزورة تدفع للكلية وتغريم كل منهما خمسة آلاف دولار تدفع للشرطة ، ووثقت الشرطة في ملفيهما أنهما لصان . كما تم نقلهما من العمل في الكلية ، ودفعت الكلية ثلاثمائة دولار مكافئة "لسامر" الذي أخذ يحدث نفسه آه لو استمعت لي مديرة شئون الموظفين !  







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز