نزيه عودة
olgalialina@gmail.com
Blog Contributor since:
18 April 2012



Arab Times Blogs
توبة ثائر (18-20)

-18-
في الطريق إلى أضنا توقف عبد الله ليتكلم مع شخص كان ينتظره ويعود بعدها إلينا فيعلمنا أن دوره للأسف قد انتهى هنا وأننا سنتابع رحلتنا مع جودت فسلمني جوازي السفر وبطاقات الطيران ثم ساعدنا في نقل أمتعتنا إلى السيارة الأخرى فعرفنا على سائقها وودعنا متمنياً لنا رحلة طيبة.
كان جودت قليل الكلام وكان الإرهاق قد نال مني ومن ياسمين فاستسلمت هي أولاً للنوم ممسكة بكلتي 
يديها بيدي اليمنى ومتكئة برأسها الصغير على كتفي. حاولت أن أقاوم النعاس لكن الصمت المطبق ورتابة الطريق أجبراني على الإستسلام فغطيت في نوم عميق لم يوقظني منه إلا صوت جودت وهو يوقظنا برفق ويعلن عن وصولنا إلى أضنة.
في المطار كانت الإجراءات سريعة وكان جودت قد قام عنا بكل الإجراءات مقدماً نفسه على أنه دليل سياحي خاص ومهمته أن يرافقنا إلى إسطنبول. وكنت أنا وياسمين ننتظره بين مجموعة من السياح وكان مظهرنا الخارجي لا يختلف في شيء عن أي سائح آخر. وعندما انتهى جودت من الإجراءات اللازمة دعانا فتوجهنا إلى الطائرة مع بقية الركاب.
كانت ياسمين تركب الطائرة لأول مرة في حياتها كما هو حالي أنا أيضاً ورغم أنه قد انتابني شعور ببعض القلق عند إقلاع الطائرة من أضنة إلا أنني حاولت طمأنتها بعد أن لاحظت عليها بوادر خوف بأنه ليس هناك ما يخشى منه في الطيران وأن هذا سيعجبها.
بعد ما يقارب الساعة من الطيران حطت طائرتنا في مطار إسطنبول الدولي. كما في مطار أضنة قام جودت بتدبر كل الأمور المتعلقة بتسليم الحقائب وتسجيل المسافرين على الرحلة ثم أعاد إلينا البطاقات وأخبرنا أنه في موسكو سيستقبلنا شخص إسمه غينادي وهو يتكلم العربية وسيساعدنا في استكمال ما يلزم لمتابعة رحلتنا دون أي عائق. ظل جودت منتظراً حتى اختفينا خلف مكاتب تدقيق الجوازات. كل شيء كان على ما يرام رغم تخوفي الشديد من انفضاح أمرنا وكنت أتضرع إلى الله أن يساعدنا ولم أشعر بالأمان إلا عندما أقلعت طائرة الخطوط الجوية الروسية متجهة بنا إلى خلاصنا..إلى الحلم الذي كنت أخاله مستحيل المنال، وعندها فقط شعرت بجوع شديد فسألت ياسمين الجالسة بجانبي:
- ياسمين ألست جائعة مثلي؟
فأجابتني بحيرة:
- ومن أين الطعام ونحن في الجو؟
فقلت لها:
- لا تقلقي، فهناك مطبخ لإطعام الركاب في هذه الطائرة.
فأجابتني:
- إذاً أنا حقاً جائعة!
فاستجمعت قواي واستحضرت كل ما أعرفه في اللغة الإنكليزية وسألت المضيفة:
- هل لديكم ما يؤكل سيدتي؟
وكم كنت فخوراً عندما أيقنت أن المضيفة قد فهمت قصدي وفهمت من كلامها أنها ستقدم لنا الطعام بعد قليل. وبالفعل لم يمض كثير من الوقت حتى دفعت المضيفات بعربات محملة بوجبات من الطعام والشراب باشروا بتوزيعها على المسافرين فأكلنا أنا وياسمين واستسلمنا بعدها للنوم.
-19-
على أرض المطار في موسكو المبللة بمياه الأمطار وتحت غطاء كثيف من الضباب الصباحي كان بانتظارنا عند سلم الطائرة شاب ممشوق القامة أشقر الشعر يرتدي معطفاً شتوياً ويحمل لوحة كتبت عليها أسماؤنا. كان الجو ماطراً وعندما تقدمت إليه وأخبرته أنني أنا خالد ومعي ياسمين قدم نفسه متكلماً بلغة عربية فصحى أنه غينادي ورحب بنا كثيراً و هنأنا بالسلامة وأكد لنا أننا أصبحنا الآن في أمان وعلمنا منه أننا سنستقل طائرة ستتوجه إلى اللاذقية لإيصال دفعة من المساعدات الإنسانية الموجهة للشعب السوري ثم اصطحبنا في سيارة صغيرة إلى مبنى المطار. كان موعد الإقلاع بعد ما يقارب الساعتين، فأخذ غينادي جوازي سفرنا وطلب منا الإنتظار على مقاعد مخصصة لركاب الترانزيت. لم يطل انتظارنا حتى عاد غينادي وهو يدفع أمامه عربة عليها حقائبنا التي سلمها جودت في مطار اسطنبول وطلب منا أن نتبعه فسلم الحقائب إلى الشحن واصطحبنا بعدها فاجتزنا تدقيق الجوازات وتوجهنا إلى قاعة خاصة قرأت على مدخلها أنها للشخصيات الهامة كان القائمين عليها يقدمون أنواعاً مختلفة من الطعام والشراب. فتوجه غينادي إلينا وقال:
- هنا يمكنكما أن تطلبا ما تريدان من طعام وشراب ريثما يعلن دعوة الركاب إلى الطائرة. أنا سأترككما لأعود عند اقتراب موعد الذهاب إلى الطائرة.
وتقدم من أحدى المضيفات في القاعة وتكلم معها فتوجهت إلينا وقدمت لنا لائحة بالطعام واشراب لنختار فاخترت بعض الأطباق وبعض العصير فجلبته لنا بعد وقت قصير.
بعد مرور ساعتين عاد غينادي وأخبرنا أن هناك بعض التأخير لأسباب فنية وأنه بين لحظة وأخرى سوف يدعى الركاب للتوجه إلى الطائرة. وبالفعل لم تمض دقائق إلا وأعلن عن توجه الركاب إلى الطائرة فاصطحبنا غينادي حتى باب الطائرة حيث ودعنا متمنياً لنا رحلة موفقة، فشكرته على المساعدة ودخلت أنا وياسمين إلى الطائرة.
كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشر بتوقيت موسكو عند إقلاعنا من مطار شيريميتيفو الدولي وعلمت من المضيفة أن الرحلة ستستغرق ثلاث ساعات ورغم الإرهاق الشديد من السفر وما عانيناه من خوف وقلق، فإنني لم أستطع أن أغمض عيني. وكانت صورة أبي حسن الذي لا بد ينتطر وصول ابنته في مطار اللاذقية لا تفارق خيالي. كنت في منتهى السعادة لأن ياسمين ستلتقي بوالدها وأنني رغم كل الصعوبات وفقت في تنفيذ ما وعدته به. لم أكن حتى لأكترث بمصيري أنا وكنت قد سلمت بأنني لا بد أن ألقى جزائي على كل ما قمت به. فكرت بأهلي الذين علمت أنهم غادروا قريتنا لكن ليس لدي أي معلومات عن أحوالهم. فأكثر ما كان يحزنني أن والدي بعد أن خسر إبنه الأكبر في ظروف غامضة قد خسر الإبن الثاني بمحض إرادته ونزولاً عند تحريض الناس. كنت أنظر إلى ياسمين الغافية على المقعد الذي يجاورني وأشكر الله على أنها بخير وأنني رغم كل تلك الذكريات السوداء من حياتي السابقة فإن سعادة لا توصف تغمر كياني فأعود من جديد لأشكر الله على نعمة التوبة التي هداني إليها وبفضله هو أعود الآن إلى وطني وأنا على كامل الإستعداد لأكفر عن ذنوبي وأقدم حياتي رخيصة في سبيل وطني طامعاً في غفران الله وعفوه.
-20-
عندما أعلن كابتن الطائرة عن الهبوط التدريجي إلى مطار اللاذقية تسارعت دقات قلبي وكأنني ذاهب إلى امتحان مجهول النتائج. نظرت من خلال النافذة فكانت زرقة البحر تتداخل مع خضرة الشطآن الممتدة على طول الساحل الذي عرفت فيه جغرافية لواء إسكندرون السليب. كانت ياسمين مستغرقة في النوم ولم أشأ أن أوقظها لكن المضيفة طلبت مني بلطف أن أوقظها وأعيد ظهر المقعد إلى وضعه العمودي فتوجهت إلى ياسمين برفق:
- ياسمين إستيقظي .. لقد وصلنا 
فتحت ياسمين عينيها ببطء وسألتني:
- أين نحن الآن؟
فأخبرتها أننا أصبحنا فوق اللاذقية وماهي إلا دقائق حتى نحط في مطارها فانفرجت أساريرها.
كان الجو صحواً ومشمساً وكان هبوط الطائرة سلساً. عند خروجنا من الطائرة كان شخصان بلباس مدني يقفان أسفل سلم الطائرة يتفحصان وجوه الركاب وعندما رأونا بادر أحدهما بالسؤال:
- أنتما خالد وياسمين؟
- نعم
أجبته.
فتابع بلهجة صارمة:
- تفضلا معنا
ثم اصطحبانا إلى سيارة صغيرة كانت بالقرب من الطائرة ففتح أحدهما الباب الخلفي وطلب منا الركوب أنا وياسمين ثم جلس هو إلى جانبنا بينما جلس الآخر إلى جانب السائق. ثم انطلقت السيارة بنا وسرعان ما وصلنا إلى مبنى المطار حيث اقتدنا إلى داخل المبنى فتوجه إلي أحدهما قائلاً:
- سأصطحب ياسمين إلى والدها أما أنت فستذهب برفقة الرقيب.
أنا بالطبع لم أتفاجأ بهذا لكنني رجوته أن يسمح لي أن أودع ياسمين فلم يمانع. بدت لي ياسمين قلقة بل خائفة ولم تكن تريد أن تذهب لوحدها فجلست القرفصاء وأمسكت بيدها وحاولت أن أطمئنها قائلاً:
- لا تخافي ياسمين، فكل شيء سيكون على ما يرام وسأراك قريباً..الآن إذهبي لملاقاة والدك فهو في انتظارك ..حسناً؟
أشارت بحركة من رأسها والدموع تتساقط على وجنتيها أنها موافقة فقبلت يدها ونهضت. راقبتها وهي تبتعد عني لكنها استدارت فجأة وركضت نحوي وحضنتني بذراعيها وهي تبكي فهدأت من روعها وأكدت لها مرة ثانية أننا سنلتقي قريبا وطلبت منها الذهاب فامتثلت واختفت هي ومرافقها بعد لحظات عن ناظري. كنت على يقين أنني لن أراها بعد هذه اللحظة.
اصطحبني مرافقي إلى أحد المكاتب وعندما أصبحنا أمام الباب أخبر الحاجب أنه بأمر من سيادة العميد وبرفقته خالد فدخل الحاجب وعاد على الفور طالباً منا الدخول. كانت دهشتي كبيرة عندما رأيته وراء الطاولة الخشبية الكبيرة وعندما رآني نهض وتوجه نحوي ولاحظ الذهول على وجهي فمد يده إلي مصافحاً وقال:
- الحمد لله على سلامتك يا خالد..ألم تعرفني؟
وهز يدي بحرارة فأجبته بعد أن تغلبت على ذهولي:
- أجل سيا ..د..ة ال..عميـ...د
فربت على كتفي وأشار إلي أن أجلس على المقعد المحاذي للطاولة وجلس هو على المقعد المقابل. ثم توجه إلى مرافقي:
- إنصرف يا إبني
وتوجه إلى الحاجب قائلاً:
- أطلب لنا يا سامر فنجانين من القهوة.
وتابع حديثه إلي:
- أنا أعلم أنك متعب من الرحلة الشاقة وفي الحقيقة أنا علمت كل التفاصيل من جيان وأود الآن أن أشكرك على أنك خاطرت بحياتك من أجل ياسمين.
- لكنني سيادة العميد ما قمت إلا بواجبي الذي كنت قد خنته قبل ذلك.
أجبته وأنا لا زلت مرتبكاً من وطأة المفاجأة وفرِحاً للقاءه الذي أحيا في ذاكرتي صورة صديقي حسن الذي قضى في حضن والده ولا تزال ابتسامته الأخيرة محفورة في خيالي.
فقاطعني قائلاً:
- لا داعي لهذا الآن ...
وهنا جلبوا لنا القهوة فرشف العميد معلا رشفة من فنجانه ونظر مبتسماً وقال:
- أنا لدي لك مفاجأة.
ونهض وأوعز بالتلفون:
- دعوا ضيوفنا يدخلون!
وبعد ثوان معدودة فتح الباب وكم كانت سعادتي غامرة عندما رأيت والديّ ومن أمامهما أخواتي الثلاثة يدخلون فقفزت من مقعدي وركضت نحوهم فقبلت يدي والدي وقبلت أخواتي الصغار ودموع الفرح تنهمر من عيني وأنا لا أكاد أصدق ما أراه. كان فرحنا عظيماً حتى أننا لوهلة نسينا ما حولنا إلى أن قاطعنا صوت العميد معلا:
- تفضلوا بالجلوس 
فجلسنا جميعنا على مقعد كبير حيث كانت والدتي إلى يساري وتمسك بيدي اليسرى بينما كان والدي إلى يميني ويمسك بيدي الأخرى وإلى جانبيهما جلست أخواتي. بعد صمت قصير شرح لي العميد معلا أنه بعد اختفائي مع ياسمين علم من أبي حسن عن أسرتي فقرر أن يعرف منها أي أخبار عني ولما علم بتهجيرهم من القرية لم يوقف البحث حتى علم أنهم جميعاً قد وجدو مأواً لهم في اللاذقية وعلم منهم أن المسلحين قد عاثوا في القرية فساداً وبدؤوا يتعرضون للأهالي بالسوء وخاصة الفتيات لهذا قرر والدي الخروج من هناك ولما كان الوضع في حلب في الفترة الأخيرة متوتراً فقد قرر بناءً على نصيحة أحد الأصدقاء الذهاب إلى اللاذقية حيث استأجر بيتاً مكثوا فيه حتى اللحظة. كما أخبرني والدي أن أحد الأقرباء الذين شاركوا في تلك المظاهرة المشؤومة التي قتل فيها أخي قد أسر إليه بعد أن ضاق ذرعاً بالمسلحين أن من قتل عامر لم يكن عناصر الأمن بل المسلحين أنفسهم لرفضه الإمتثال لأوامرهم برمي رجال الأمن بالحجارة وأنهم هددوه بالقتل إن أفصح عن ذلك، وهذا ما رسخ يقيني بخبث تلك الثورة المزعومة وانحطاطها. وسألت العميد معلا إن كان هناك أخبار عن جيان وأهلها فأخبرني أنه قد أجري معها تحقيق في القضية صباح اليوم ولم يستطيعوا إثبات أي شيء ضدها وهي بخير فسررت لهذا. قام العميد بعد ذلك وتوجه إلى مقعده خلف الطاولة ورفع سماعة التلفون متوجهاً بالحديث إلي وهو يبتسم:
- أظن أن هذا اللقاء غير مكتمل أليس كذلك يا خالد؟
بالطبع لم يكن من الصعب علي أن أتوقع ما يقصد فأجبته على الفور:
- أجل سيدي!
فأعطى تعليماته بالتلفون:
- أدخلوهما
وبعد لحظات كانت ياسمين برفقة والدها تدخل المكتب وعندما رأتني ركضت نحوي وعانقتني بحرارة فقبلتها وتوجهت إلى أبي حسن الذي توقف في وسط الغرفة صامتاً والدموع تنهمر من عينيه..تقدمت نحوه فضمني إلى صدره بقوة ومضت لحظات ونحن على هذه الحال تخيلت معها أني قد ولدت من جديد وأن في عناق العم أبي حسن طهارة لنفسي ودواء لروحي وشعرت وكأن حسن يهمس إلي: "رغم كل شيء فأنت لست معهم!" قبلني أبو حسن بحرارة وكأنه استعاد فيّ كل من فقدهم. جلسنا بعدها وتحدثنا طويلاً وعلمت أيضاً أن العميد معلا كان قد عرّف أبا حسن على أسرتي وأنه لا يزال يصر على أن تسكن أسرتي لديه في القرية وأما الآن بعد عودتي مع ياسمين فقد أقسم أنه لن يغادر إلى القرية إلا بصحبتنا جميعاً. ولتكتمل سعادتي فقد أخبرني العميد معلا أنني أشملت بالعفو الأخير وأنني لست مطلوباً لأي جهة أمنية.
لكثرة المفاجآت السارة في ذلك اليوم خلت أن كل شيء كان حلماً لا بد سأستيقظ منه عاجلاً أم آجلاً. لكن هذا الحلم الذي بدأ منذ شهور لا يزال مستمراً حتى اللحظة وأنا عائد إلى قطعتي العسكرية بعد زيارة أسرتي الجديدة ومن بيتي الجديد وقريتي الجديدة "أنباتة" المستلقية بين جبال اللاذقية وبحرها والشاهدة على صمود الإنسان السوري وعلى أجمل حكاية عرفها التاريخ إسمها سورية. 
- النهاية -







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز