نزيه عودة
olgalialina@gmail.com
Blog Contributor since:
18 April 2012



Arab Times Blogs
توبة ثائر (15-17)

-15-
رواية جيان عن اتصالها بالعميد معلا:
كما كان متفقاً عليه قمت في تمام الساعة العاشرة بالإتصال بالعميد معلا وسرعان ما وصلوني به. فأخبرني أنهم تلقوا الفيديو الذي يظهر ياسمين وأن فرحة والدها كانت شديدة وأنه كان مسروراً أكثر من أن خالد لم يكذب عليه وأنه نفذ ما وعد به وإن اضطر للذهاب إلى تركيا. كما أنهم استلموا الصور الشخصية ويعملون الآن على استصدار وثائق سفر تمكنك مع ياسمين بالخروج الآمن من تركيا. هو لم يشرح لي تفاصيل الخطة لكنه سألني إن كانت ياسمين في وضع يسمح لها بالسفر فأجبته أنها في تحسن مضطرد وربما خلال أيام سيكون بإمكانها السفر. ثم فاجأني بسؤاله:
- ما اسم والدك آنسة جيان؟
فأجبت:
- إحسان 
فأضاف:
- وأين يعمل؟
فأجبت:
- يعمل في القضاء وهو عضو في أحد أحزاب المعارضة
فقال:
- وهل ما يزال مصراً على رفع دعوى ضد أردوغان 
فقلت له:
- نعم سيدي ولكن من أين لكم أن تعرفوا والدي؟
فأجابني: 
- أعذريني آنسة جيان ففي مثل هذه الحالات نحن لا بد أن نتحرى عن شخص يقدم لنا مثل هذه المعلوملت مجاناً وتحرياتنا قادتنا إلى والدك وأنا سألتك فقط لأطابق ما لدينا من معلومات ..أما الآن فقد اطمأنيت على صدق ما تقولين ..وأعتذر منك مرة أخرى!
فقلت له:
- أنا لست منزعجة بل مسرورة إن استطعت مساعدة خالد وياسمين وأنا جاهزة لتنفيذ تعليماتكم بهذا الصدد
فقال:
- عليك أن تجهزي ياسمين للسفر فالوقت ليس في مصلحتنا إطلاقاً ولا يمكن أن نخاطر بحياتها. فإن استطاع بعض أصدقائنا فستكون جوازات السفر غداً عندك. عليك بالإنتظار غداً في المنزل على العنوان الذي زودتنا به. سيأتي إليك شخص من قبلنا ويقدم لك باقة من الياسمين فاستقبليه وهو سيشرح لك كل الخطوات التالية.
فقلت أنني سأكون بالإنتظار غداً ولن أبارح المنزل حتى قدوم هذا الشخص وسأساعده في كل ما يطلب.
بعد ذلك توجهت إلى المشفى وحاولت أن أحصل على أي معلومات تشير إلى تعليمات جديدة بخصوص ياسمين فعلمت من الإستقبال أن شخصاً يدعى مصطفى أبرز وثائق تثبت أنه مسؤول عن إيواء اللاجئين السوريين قد أتى ليستفسر متى سيكون بالإمكان إخراج ياسمين من المشفى ليصحبها إلى معسكر اللاجئين حيث أقرباؤها ينتظرونها فقيل له ربما بعد ثلاثة أيام. هذا يعني أن ما لدينا من الوقت هو اليوم وغداً. وسألت بعدها عن حالة ياسمين الصحية فلم يكن هناك من جديد سوى التقارير الإيجابية وأنها تستطيع الخروج من المشفى خلال يومين أو ثلاثة وأن حالتها مطمئنة للغاية. بعد ذلك تجولت في المشفى لأكتشف أفضل طريقة لإخراج ياسمين دون أن أثير اهتمام أحد من العاملين فوجدت أن الطريقة المثلى أن نخرجها من باب الطوارئ فهويفضي إلى الفناء الخلفي ومن هناك يمكن الخروج من المشفى دون إثارة الإنتباه. من ناحية أخرى ففي الفناء الخلفي يوجد مبنى المختبرات المركزية لذلك وفي حال سأل أحد ما عن سبب اصطحاب ياسمين سيكون الجواب لإجراء بعض الصور لها وهذا أمر يحصل مع غالبية المرضى.
بعدها ذهبت إلى الطبيب المعالج واستفسرت منه عن إرشاداته لياسمين من حيث الأدوية التي يجب المواظبة عليها وإن كان هناك من تعليمات خاصة فأخبرني بكل شيء. ثم فكرت كيف سأحصل على تعليمات خطية بإجراء التصوير ما فوق الصوتي لياسمين فقلت للطبيب:
- دكتور لقد لا حظت أثناء مناوبتي أن ياسمين تتألم من خاصرتها اليمنى ويعاودها الألم بين الحين والآخر فما عسى أن يكون السبب؟
فأجابني:
- الأسباب قد تكون عديدة.
فتابعت:
- ما رأيكم لو أجرينا لها تصويراً لمنطقة البطن لعلنا نضع يدنا على السبب؟
فأجاب:
- رغم أن الآلام هي أمر طبيعي بعد العملية الجراحية ولكن لا بأس سأكتب لك طلباً خطياً بذلك ولتصحبيها غداً إلى المختبرات.
فكتب لي الطلب وأعطاني إياه فشكرته وخرجت متجهة إليكما.


-16-

في صباح اليوم التالي وبعد أن انتهت الممرضة المسؤولة من تغيير الضمادات لياسمين، جلبوا لها طعام الإفطار فقامت بتناوله دون إبطاء متذكرة على ما يبدو وعود البارحة بلقاء والدها على أسرع وجه إن هي تناولت طعامها بشكل منتظم. بعد ذلك تركتها مع الممرضة المناوبة وخرجت لأشتري ما أسد به رمقي من بقالية عند باب المستشفى وعند اقترابي منه توجه إلي الحارس الذي اعتاد رؤيتي كل يوم فأصبح يعرفني:
- مرحباً خالد.. كيف حال ياسمين؟
فأجبته بامتنان:
- مرحباً ..ياسمين بخير شكراً لك سيدي.. 
كان يحاول جاهداً اختيار الكلمات العربية لكن لم يكن بمقدوره على أي حال إلا أن يلفظها على الطريقة التركية. وحسب ما استطعت أن أفهم منه من حديث سابق فهو من أصول عربية وأن جدته كانت تتكلم العربية بطلاقة لكنه هو قد نسي الكثير مما تعلمه في طفولته.
فتابع:
- الحمد لله .. هل انت ذاهب إلى البقالية؟
وعندما كان ردي بالإيجاب قال:
- حسناً، عند عودتك أرجو أن تمر علي في غرفة الحراسة..
فوعدته أن أفعل وخطوت خارجاً باتجاه البقالية وأنا أخمن ما وراء دعوته لي. وبعد أن اشتريت بعض المأكولات البسيطة عدت أدراجي إلى المشفى وعند البوابة رآني الحارس وأومأ إلي من خلال الزجاج الأمامي لغرفته مشيراً إلى باب الغرفة من جهة الساحة الداخلية للمشفى وعند وصولي كان الحارس قد فتح الباب وفي يده كيس فبادرني بالحديث بلغة عربية مشوبة ببعض التركية فهمت منها أن زوجته قد أصرت بعد أن علمت بقصة ياسمين إلا أن ترسل لها طعاماً قد حضرته خصيصاً من أجلها وهو عبارة عن طبق حلويات تركية ورجاني أوصل هذه الهدية المتواضعة إلى ياسمين مع أمنياتهما لها بالشفاء العاجل. فقبلت الهدية وشكرته وزوجته على هذه المشاعر الإنسانية. وتوجهت إلى الدرج المفضي إلى المدخل الرئيسي لمبنى المشفى وهناك لحظت رجلين يصعدان الدرج ويجتازان الباب الزجاجي للمستشفى. عرفت في أحدهما القيادي مصطفى الذي نقل إلي القرار المتخذ بشأن ياسمين فانتابني الخوف لكنني صعدت الدرج ورأيت من خلال الباب الزجاجي أنهما تقدما إلى عاملة الإستقبال فدخلت وراءهما رافعاً ياقة معطفي كي لا يتعرف علي مصطفى إن نظر إلي وانتحيت من القاعة مكاناً بحيث أراهما وأسمعهما دون أن أثير الإنتباه مغطياً وجهي بجريدة كانت على الطاولة. كان مصطفى يسأل عن الطبيب المعالج لياسمين وكان يشرح للموظفة أن لديه تعليمات باصطحاب الطفلة إلى ذويها المتواجدين في معسكر اللاجئين اليوم وأن طبيب المعسكر قد قدم خصيصاً من أجل ذلك حيث أن المركز الطبي في المعسكر يستطيع متابعة العناية الطبية الضرورية لياسمين حتى شفائها التام وهي بين أهلها وأقربائها. كان مصطفى يتكلم بالعربية بسرعة والتوتر باد على محياه وكان الشخص المرافق له يترجم إلى التركية ما يقوله بعدها كان جواب الموظفة مقتضباً بأن الطبيب المعالج ليس موجوداً وبدون تقرير منه لا تستطيع إدارة المشفى أن تأذن بذلك فسألها مصطفى عن موعد قدوم الطبيب فأجابته أنه سيكون في المناوبة المسائية وهي تبدأ في الساعة السابعة مساءً. فشكرها وقال إلى مرافقه وهما يتجهان نحو المخرج أن ليس باليد حيلة وأن عليهما أن لا يثيرا أي شكوك لهذا من الأفضل العودة مساءً.
بعد خروج مصطفى ومرافقه وضعت الجريدة جانباً وتنفست الصعداء. فهذا يعني أن لدينا من الوقت حتى السابعة مساءً لمغادرة المشفى قبل أن يعود مصطفى. فحملت أكياس الطعام وأسرعت إلى حجرة ياسمين.
كانت الساعة الجدارية في الردهة المقابلة لحجرة ياسمين تشير إلى الواحدة والربع عندما دخلت إليها فوجدتها نائمة. وضعت ما في يدي على الطاولة محاولاً أن لا أصدر ضجيجاً لكن ياسمين فتحت عينيها وتوجهت إلي معاتبة:
- لماذا تأخرت هكذا يا خالد؟
- لقد شغلني حارس البوابة بحديثه. أتعلمين..لقد أصبحت مشهورة هنا، فقد طلب مني الحارس، وهو شخص طيب على ما أعتقد، أن أتقبل هدية من زوجته موجهة إليك وهي عبارة عن طبق من الحلويات التركية، فهل ترغبين بتذوقه؟
كنت أقول هذا محاولاً إخفاء قلقي وخوفي فردت بصوت لعوب:
- لنَر فإن كانت الحلوى طيبة المذاق فلا بأس..
ففتحت الكيس الورقي المغلق وفيه وجدت وعاءً ورقياً لف بعناية بورق السولوفان المستخدم عادة لحفظ الأطعمة فنزعت السولوفان وقدمت الطبق إلى ياسمين فأخذت قطعة منه مفتعلة الحذر فقضمت بأسنانها البضاء قطعة ضغيرة جداً ثم بدت على وجهها علامات الإشمئزاز فسألتها:
- ليست طيبة المذاق؟
فانفرجت أساريرها وضحكت بكل ما أوتيت من قوة ثم قالت:
- لقد كنت أمزح يا خالد .. جربها إنها لذيذة بحق.
مديت يدي وتناولت قطعة حلوى وشعور من الفرح قد انتابني. لأول مرة أرى ياسمين التي عرفتها سابقاً، ياسمين المرحة الحيوية بضحكتها الساحرة وعفويتها الطفولية الآسرة. لم يدم هذا الشعور طويلاً فقد عادت إلي مخاوفي مما ينتظرنا في المساء وبدأت أتساءل ماذا أنا فاعل إن لم تأت جيان قبل السابعة؟ وكيف سأتصرف؟ فبقاء ياسمين في المستشفى بعد السابعة سيكون مخاطرة كبرى على حياتها وأنا لا أملك حرية الحركة ولا حتى الشكوى إلى أي شخص كان ولا حتى إلى البوليس فمصطفى ومن معه حسب ما ذكرت لي جيان يسيطرون على كل ما يتعلق باللاجئين السوريين وبتسهيلات استثنائية من السلطات التركية.
لاحظت ياسمين شرودي فسألتني:
- لم تعجبك الحلوى إذاً؟ أظن أنه معك حق فالحلوى السورية مذاقها أطيب..
فاستفقت من تخيلاتي وأجبتها:
- لا .. إنها لذيذة.. لكن بالطبع ليست بطيبة الحلوى السورية!
نظراً لاحتمال تسارع الأحداث لاحقاً قررت أنه لا بد لي أن أحضر ياسمين لأن تكون جاهزة إن لزم الأمر حتى للهروب من المستشفى لهذا بادرتها بالحديث:
- ياسمين .. أريد أن أخبرك أنني قلق جداً لأنني لم أستطع الإتصال بوالدك حتى الآن فقد ضيعت رقم تلفونه وهو بكل تأكيد قلق إلى أبعد الحدود عليك ويتحرق لرؤيتك وأنا اتفقت مع جيان أن تساعدنا في العودة .. لكن المشكلة التي قد تعترضنا هي أن المشفى قد لا بسمح بخروجك بحجة أن العلاج لم يكتمل بعد وأنا لا أدري كم ستطول مدة هذا العلاج.
قاطعتني ياسمين بعد أن وضعت طبق الحلوى جانباً:
- خالد أنا بخير ..وأثناء غيابك قمت بالسير بمساعدة الممرضة في أروقة المشفى لمدة طويلة ولم أشعر حتى بالتعب، وأخبرتني الممرضة أنه صار بإمكاني الخروج إلى الحديقة وربما بدون أي مساعدة.. 
- هذا جيد ولهذا أردت أن تعلمي أننا قد نضطر للخروج من المشفى دون إذن من إدارتها فهل أنت جاهزة لذلك؟
قلت هذا وأنا أعلم أنها سترد بالإيجاب بكل تأكيد فكان توقعي في مكانه عندما أجابت بحماس:
- طبعاً أنا جاهزة .. ومتى سنخرج؟
فشرحت لها أنه لا بد لنا أن ننتظر جيان التي وعدت بتأمين وثائق سفر لنا ونظراً لأن القوانين لا تسمح لغير الأقارب أن يصطحبوا أطفالاً بعمرها فقد نضطر أن نغير أسماءنا لكي نصبح أقرباء وبذلك نسافر إلى سورية دون أي مشاكل. كنت أشرح هذا كله بقدر ما استطعت من تبسيط وكنت رغم ذلك أشك أن ياسمين ستفهم ما أقصد من شرحي هذا ولكن ولشدة دهشتي فاجأتني قائلة:
- تقصد أننا سنمثل أننا أقرباء أليس كذلك؟
فأجبت بغبطة:
- بالضبط
فتابعت ياسمين:
- أنا أجيد التمثيل وسأقوم بكل ما تطلبه مني لكي نصل إلى سورية 
فقلت لها:
- عظيم .. إذاً سننتظر جيان ..لكن على أن يبقى هذا سراً لا يعلم به غيرنا أنا وأنت وجيان ..اتفقنا؟
فأجابت بثقة:
- اتفقنا.
كانت الدقائق تبدو لي ساعات وأنا أنتظر على أحر من الجمر مجيء جيان فهي نافذة الخلاص الوحيدة لياسمين مما يخطط لها من قبل أولئك المجرمين. كنت أزرع الحجرة الضيقة ذهاباً وإياباً بين سرير ياسمين والباب وأنا أحاول أن أهدئ نفسي وأختلق المبررات التي لتأخر جيان وأمني النفس بأنها ستظهر قبل فوات الأوان. ولولا خوفي أن أثير أي شكوك حول علاقتي بها لسألت عن هاتفها واتصلت بها. كانت ياسمين تنظر إلي وأنا في حالي هذا وهي صامتة تقلب بكلة شعرها بين يديها.
عند الساعة السادسة دق الباب ودخلت جيان وهي تلهث فقدمت لها المقعد لتجلس وبعد أن التقطت أنفاسها أخبرتني أنها علمت من الإستقبال أنهم سيسلمون ياسمين مساءً إلى ممثل عن معسكر اللاجئين لذلك لا وقت للشرح وتابعت قائلة:
- لقد دبر العميد معلا كل شيء والآن ستكون هناك حافلة في انتظاركما في الفناء الداخلي للمشفى عند مدخل المختبرات. سوف أصطحبكما إلى هناك بحجة إجراء بعض الصور الضرورية لياسمين. بعدها سوف نلتقي عندي في البيت. هل هذا واضح؟
- بكل تأكيد
قلت هذا وتوجهت إلى ياسمين بالكلام:
- هيا يا ياسمين علينا أن نخرج، جيان ستساعدك لتلبسي وسأكون أنا في خارج الحجرة في انتظاركما.
قلت هذا وطلبت من جيان أن تساعد ياسمين فأومت برأسها إيجاباً فخرجت من الحجرة.
بعد دقائق معدودات خرجت جيان وأخبرتني أنها سوف تأتي بكرسي نقال من أجل ياسمين وتعود بسرعة. وبالفعل ما هي إلا دقائق وجيان كانت قد عادت تدفع أمامها بكرسي ذو دولابين كبيرين فدخلت الحجرة وساعدت ياسمين على الجلوس إليه وطلبت مني أن أحمل ما تبقى من أدوية وأغراض تخص ياسمين فجمعتها ووضعتها في حقيبة سفري وخرجت خلف جيان التي كانت تدفع الكرسي النقال بسرعة وكانت ياسمين تجلس عليه مغطية ثيابها بغطاء أبيض. كانت الساعة في الردهة تشير إلى السادسة والنصف وكنت، وأنا أحث الخطى وراء جيان باتجاه المخرج الخلفي، أحاول أن أهدئ من روعي لكن دقات قلبي كانت تزداد سرعتها وكنت أتضرع لله أن يلطف بنا.


-17-

استقلينا المصعد وهبطنا إلى الطابق الأول وعند خروجنا من المصعد كان الإستقبال على يميننا فتفحصت المكان بشكل سريع فسيطر علي الرعب عندما رأيت مصطفى ونفس ذلك الشخص الذي قدمه على أنه طبيب وشخص ثالث فأشحت بوجهي عنهم ولحقت بجيان التي انعطفت إلى اليسار نحو المخرج فتوجهنا عبر الكوريدور الطويل باتجاه الباب وقبل وصولنا إليه تناهى إلى سمعنا صوت من ناحية الإستقبال:
- أنتم هناك ... أليست هذه ياسمين؟
كان صوت مصطفى الذي ارتاب فيما يجري فتوقفت جيان وأجابته برباطة جأش:
- نعم ..علي أن أجري لها بعض الصور بناءً على طلب الطبيب فهل لديك مانع؟
كنت أثناء ذلك أسرع خارجاً من الباب الخلفي لكي لا يراني مصطفى وخيل إلي أنني نجحت في ذلك وفي الفناء الداخلي كانت سيارة سوداء بنوافذ عاتمة تنتظر هناك فتوقفت أنتظر لكن نافذة السيارة انفتحت وناداني شخص من داخلها:
- أأنت خالد؟
فأجبت دون تفكير:
- نعم
فقال لي بلهجة آمرة:
- أدخل السيارة إذن.
كنت على يقين أن هذه هي السيارة التي كانت تنتظرنا أنا وياسمين فجلست على المقعد الخلفي فاستدار السائق نحوي وسألني:
- أين ياسمين
- هي قادمة ورائي
أجبته وقد ذكرني وجهه الصارم بالنظارتين السوداوين بأبطال أفلام الجواسيس ما خلق في نفسي بعضاً من الإرتياح.
بعد لحظات وصلت جيان ومعها ياسمين ففتحت الباب لها فدخلت بسرعة وجلست بقربي فودعتنا جيان وهي تغلق الباب:
- إلى اللقاء في البيت!
تابعت بنظري جيان حتى غابت خلف باب مبنى المختبرات. وما إن انطلقت بنا السيارة حتى رأيت مصطفى ومن معه قد خرجا من الباب الخلفي وكأنهما يبحثون عنا وعندما لم يجدوا أحداً لا حظوا ابتعاد سيارتنا فأخذوا الركض خلفنا والصراخ مطالبين بتوقفنا لكننا كنا أثناء ذلك قد تجاوزنا البوابة الخارجية وانطلقنا بسرعة جنونية مبتعدين عن المكان. آخر ما رأيته من زجاج السيارة الخلفي مصطفى وهويسدد بمسدس في يده إلينا فجذبت ياسمين وانحنيت بها إلى المقعد فسمعنا أصوات إطلاق النار لكن لحسن الحظ لم نصب بأذى.
بعد أن ابتعدنا بما فيه الكفاية وبعد أن اطمأن أنه لا أحد يطاردنا، توجه إلي السائق بالحديث:
- أنا صديق العميد معلا وبإمكانك أن تناديني بعبد الله .. مهمتي هي مساعدتكما في مغادرة تركيا بشكل هادئ. هناك طيارة مغادرة من أضنا إلى إسطنبول في الواحدة والنصف ليلاً ومن هناك ستستقلون الطائرة إلى موسكو في الخامسة والربع من صباح الغد ومن موسكو ستتابعان إلى اللاذقية. البطاقات كلها جاهزة مع التأشيرات اللازمة فما عليكما إلا أن تبدلا ثيابكما عند جيان وسنذهب فوراً إلى اسطنبول. سيكون لديكما جوازا سفر روسيان وللجميع أنتما أخ وأخت من أب سوري وأم روسية وتقيمون مع والديكما في سورية بعد انفصال والديكما وأتيتما إلى تركيا للإستجمام وللقاء والدتكما التي تعمل في شركة سياحية في اسطنبول. أسماؤكما خالد وياسمين دون تغيير. مفهوم؟
- أجل 
أجبته ونظرت إلى ياسمين لأتحرى إن كانت قد استوعبت كل هذا لكنها فاجأتني بسؤالها الذي وجهته إلى عبد الله:
- إذا كان خالد أخي الكبير ووالدتنا روسية فلا بد أن نتقن اللغة الروسية أليس كذلك؟
رمقني عبد الله عبر المرآة وهو يبتسم وأجاب:
- أحسنت ياسمين..ملاحظة في محلها .. لكن لدينا تفسير مقبول لهذا.. فأنتما لم تعيشا يوماً في روسيا ولم تتعلما الروسية وكانت والدتكما تعيش معكم في سورية حتى بداية الأحداث وكانت قد تعلمت اللغة العربية هناك... هل هذا مقنع؟ ما رأيك ياسمين؟
فقطبت ياسمين حاجبيها لبرهة ثم أجابت:
- أظن ذلك مقنعاً!
كنت أظن أن ياسمين قد تسبب لنا بعض المشاكل بسبب صغر سنها لكنها أظهرت لي فطنة أدهشتني كما أدهشت عبد الله الذي توجه إليها مادحاً:
- أنت فتاة ذكية يا ياسمين وكم كنت أتمنى أن يكون لدي ابنة تشبهك!
فأجابت على الفور:
- إذا كان خالد أخي فما يمنعك أن تكون والدي؟
فضحكنا جميعاً. وبعد فترة وجيزة وصلنا إلى بيت جيان فوجدناها قد سبقتنا إلى البيت وعندما دخلنا شرحت لنا على عجل كيف استطاعت الخروج من المشفى دون أن يكتشف أمرها بعد أن انتظرت قليلاً في مبنى المختبرات ورأت كيف ركض مصطفى ومن معه خلف السيارة وسمعت إطلاق النار وكانت مذعورة وقلقة علينا ولكنها حمدت الله على سلامتنا. كان في استقبالنا أيضاً والد جيان السيد إحسان الذي كانت قد وضعته جيان في صورة ما جرى لنا فأيدها على ما تقوم به لأجلنا وكان أخوها حكمت أيضاً قد عاد من عمله. وهنا سألت ياسمين جيان:
- كيف استطعت أن تصلي قبلنا ونحن قد غادرنا المشفى قبلك؟
فضحك عبد الله وأجاب وسط دهشة الجميع من ذكاء ياسمين:
- لخوفي أن نكون ملاحقين سلكت طريقاً ملتوياً وجبت المدينة حتى تأكدت أنه لا أحد يلاحقنا وعندها فقط توجهت إلى البيت.
- هكذا أصبح الأمر واضح!
عقبت ياسمين على شرح عبد الله معبرة عن قبولها للتوضيح فنظرنا إلى بعضنا البعض وضحكنا من جديد وأثنيتا على ياسمين.
بعد ذلك قمنا بارتداء الثياب التي قام عبد الله وجيان بشرائها لنا لنبدو كسيّاح عائدين إلى بلادهم. وساعدتنا جيان في استخدام كريم خاص كي نحول لون بشرتنا إلى البرونزي فطلينا وجهينا وأيدينا فبتنا أشبه بمن قضى أياماً طويلة على شاطئ البحر ينعم بأشعة الشمس. وقبل المغادرة تقدمت بالشكر الجزيل لجيان على كل ما قدمته لنا فقد كانت منقذتنا بحق ثم توجهت بالشكر إلى حكمت وإلى السيد إحسان، ولما كنت قلقاً على جيان سألتها:
- بم ستجيبين إن سألوك عنا؟
فأجابت بكل ثقة:
- لا تقلق فقد استشرت والدي في الأمر.
ثم تابعت بعد أن نظرت إلى والدها بينما هز هو برأسه معبراً عن موافقته:
- غداً صباحاً عندما تكونون في طريقكم إلى سورية سأذهب وأقدم إلى البوليس بلاغاً ضد مجهولين قاموا بإختطافكما بقوة السلاح بعد أن قاما بتهديدي بالقتل إن قمت بالإبلاغ عنهم وأن والدي أشار علي عند عودتي إلى المنزل أن أتوجه بإبلاغ البوليس وهذا سيدفع الشبهة عني.
فتمنيت لها السلامة وشكرت والدها وأعربت عن أمنيتي أن أراهما من جديد في أقرب فرصة إن قدر لنا النجاة من محنتنا. تقدمت جيان بعد ذلك وعانقت ياسمين ولم تتمالك نفسها فبكت وبكت ياسمين معها فتوجه السيد إحسان إليهما:
- ولم البكاء .. يجب أن تفرحا فياسمين إن شاء الله ستكون غداً في أحضان والدها وخالد بين أهله..
كنت أستمع إلى كلمات السيد إحسان وأنا أتساءل بيني وبين نفسي: "أين هم أهلي ياترى؟ هل هم أحياء؟ وماذا جرى لهم يا ترى؟ بعد ذلك حملت أنا وعبد الله بعض حقائب السفر التي حضرت خصيصاً لتستكمل صورة السياح وخرجنا بعد أن ودعنا جيان ووالدها وأخاها والحزن يخيم على الجميع.
- يتبع -







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز