نزيه عودة
olgalialina@gmail.com
Blog Contributor since:
18 April 2012



Arab Times Blogs
توبة ثائر (8-10)

-8-
كان الظلام قد عم المكان فتلمست طريقي نحو الباب حيث باتت الأصوات واضحة في الشارع فسارعت وفتحت الباب وخرجت إلى الشارع المضاء بمصباح الإنارة الخافت فسرت بخطىً حاولت أن أزرع فيها ما استطعت من الثقة وقبل أن يشعروا بقدومي رميت على المسلحين السلام لأعرّف بنفسي:
- السلام عليكم يا شباب..
- قف مكانك من أنت؟
صرخ أحدهم موجهاً بندقيته نحوي
- أنا خالد .. أخو الشهيد
قلت هذا آملاً أن يؤثر هذا على المسلحين الذين ربما لا يعرفون خالد لكنهم بالتأكيد قد سمعوا بقصتي واللقب الذي منحته تشريفاً. كان ظني في مكانه إذ رد الجميع السلام وبادرني كبيرهم بالحديث:
- ماذا كنت تفعل في تلك الدار يا خالد؟ وهل كل شيء على ما يرام؟
- أجل شكراً لك.. لقد أضعت جهاز تلفوني فقلت لنفسي لم لا أبحث في بيوت هؤلاء ربما أجد بديلاً..
قلت هذا وأنا نفسي مذهول لسرعة بديهتي فرد متحدثي ضاحكاً:
- وهل وفقت في ذلك؟
- أجل 
قلت هذا رافعاً تلفوني ليراه الجميع ثم تابعت بعد ثوان:
- هناك أمر آخر لكنني محرج قليلاً في الإفصاح عنه..
فاستغرب محدثي وشجعني قائلاً:
- لم الخجل؟
وتابع بخبث موجهاً كلامه إلى الجميع:
- على ما يبدو فإن خالد قد وجد إحدى السبايا الجميلات أليس كذلك؟
كنت سعيداً بما قاله لأنه ساعدني من حيث لا يدري فتابعت تمثيل الدور الذي رسمه هو لي:
- ليس هذا بالضبط يا أخي ..هي فتاة صغيرة وجريحة ذكرتني بأختي الصغيرة وأود لو آخذها معي ..
كانت كلماتي متقطعة من شدة خوفي أن لا يوافقوا لكنهم فهموا هذا وجلاً واستحياءاً من قبلي فانفجروا ضاحكين وقال كبيرهم حاسماً الأمر:
- حسناً يا خالد لك هذا 
شكرته وركضت نحو المنزل فلففت ياسمين بحرام وجدته وخرجت متجهاً نحو تجمع المسلحين في ساحة القرية. كانت الساحة تعج بالأهالي المفترشين للأرض وحولهم حراس وفي الجانب الآخر كانت سيارات الدفع الرباعي وإحدى السيارات المخصصة للإسعاف فركضت نحوها كان كل من يصادفني في طريقي يبتسم بخبث لكنني لم أعر هذا اهتمامي وعندما وصلت إلى عربة الإسعاف استقبلني الطبيب الذي أعمل معه ضاحكاً:
- أهذه هي سبيتك يا خالد؟
ارتبكت للحظة ثم أجبت:
- آه .. أجل إنها هي وهي جريحة فأرجوك المساعدة..
- حسناً اتبعني
قال هذا بصوت جاد وسار باتجاه العربة فتبعته.
-9-
كان مشفى "أراش ترما" في بلدة يلدز التابعة إدارياً لأنطاكية مشفىً صغيراً فلم تمض أيام على دخول ياسمين إليه حتى باتت الشغل الشاغل لكل العاملين فيه. كانت ياسمين الطفلة الجريحة الوحيدة بين من قمنا بنقلهم إلى هناك فمن تبقى كانوا من المسلحين الذين اعتاد المشفى على استقبالهم منذ بداية الأحداث. لعل قصة ياسمين التي سردتها على الأطباء بشيء من التصرف الذي فرضته ظروف تواجدنا في تلك البيئة قد أدخلت الشفقة إلى قلوب الجميع. ياسمين الطفلة البريئة الجميلة التي فقدت كل أهلها وكادت تفارق الحياة لولا مشيئة الله التي قدرت لها أن تأتي من قريتها البعيدة عبر الحدود لتعالج على أيدي هؤلاء الأطباء. كان الجميع يشعر بالمسؤولية العميقة تجاهها ويحاول بمناسبة وغير مناسبة أن يتقدم لمواساتي. عندما بدأ التحضير للعملية الجراحية التي قالت لجنة من الأطباء أن لا بد من إجرائها على وجه السرعة، كان الأطباء يحاولون أن يهدئوا من روعي مؤكدين أن لا خطر على حياة ياسمين. كانت كلماتهم المكونة من خليط من التركية والعربية والإنكليزية ومحاولاتهم رغم الصعوبات اللغوية أن يجدوا الكلمات المناسبة لطمأنتي تشعرني بشدة اهتمامهم بمصير ياسمين وحرصهم على إنقاذ حياتها وإخراجها من دائرة الخطر. بعد العملية أكد لي الأطباء أنها كانت ناجحة وليس لديهم ما يدعو لأدنى قلق بشأن صحة ياسمين. وهاهي الآن مستلقية على سريرها بعد خروجها من العناية المشددة مغمضة العينين لم يستطع لا المرض ولا العملية الجراحية أن يقلل من سحر وجهها الطفولي البريء. كنت أنتظر استفاقتها من تأثير المخدر ممسكاً بتلك الفراشة الملونة التي مدت إلي بها قبيل العملية وكأنها تستودعها عندي لأنها ستنام قليلاً كما شرح لها بلطف الطبيب المخدر. بالرغم أن الطبيب أخبرني أن هذا سيتطلب ساعة أو أكثر إلا أنني لم أستطع الخروج من غرفتها أو حتى التفكير بأمر آخر كان قد شغلني منذ الصباح الباكر عندما تلقيت اتصالاً هاتفياً من أحد أقربائي أخبرني فيه أن أهلي قد اضطروا لمغادرة القرية باتجاه حلب لينقطع عند هذا الإتصال. بعد ذلك حاولت مراراً أن أتصل بأهلي أو بأي من أقربائي ولكن دون جدوى فالخطوط كلها مغلقة. فأصبحت أتضرع إلى الله أن يشمل أهلي برعايته وأطلب منه أن يشفي ياسمين.
بعد ساعة ونصف بدأت ياسمين تستفيق من غيبوبتها شيئاً فشيئاً وعندما عادت إلى وعيها تماماً كنت جالساً أمام سريرها وأنظر إليها منتظراً أن تعطيني الإشارة أنها قد استيقظت تماماً. وكم كانت سعادتي غامرة عندما مدت بيدها النحيلة ولامست بها وجهي الحليق وهي تتكلم لأول مرة منذ مغادرتنا "أنباتة":
- ..خــ ــ ا لــ ـد ..
- نعم أنا خالد ومسرور جداً لأنك عرفتني أخيراً..أما الآن فعليك أن تستريحي وسأكون بجانبك..
قلت هذا وروح جديدة بدأت تدب في أوصالي فشعرت وكأنني قد امتلكت الدنيا بحالها. لكنها سألتني مطالبة:
- وأين فراشتي؟
فمددت يدي وقدمت لها الفراشة فأخذتها وضمتها إلى صدرها وأغمضت عينيها لتنام من جديد.
بعد اطمئناني على ياسمين، بدأت تطفو على سطح ذاكرتي كل الأمور التي كنت قد أجلت حتى التفكير بها قبل ذلك فخرجت بهدوء من الغرفة وطلبت من إحدى الممرضات مراقبة ياسمين ريثما أعود فلبت طلبي مبتسمة.
بعد افتراقي مع أبي حسن لم يكن بإمكاني الإتصال به لأنني سمعت بالصدفة أن إتصالاتنا كلها مراقبة من قبل المخابرات التركية ولم أشأ أن يُشك في أمري. لكن كيف سأخبره بأن ياسمين بخير فهو لا بد على أحر من الجمر في انتظارها. وربما يساوره الشك بصدق نواياي مما يزيد في معاناته. كان غير مسموح لنا التحرك بحرية خارج المستشفى وكنت أشعر على الدوام أن هناك من يراقبني وكأنني في سجن. لهذا بدأت أخطط للعودة إلى سورية حال شفاء ياسمين، خاصة بعد ذلك الإتصال الغريب من قريبي. كنت أعيد مراراً وتكراراً: لماذا غادر أهلي القرية؟ وكيف السبيل للإتصال بهم؟ وما عساي أن أفعل للعودة إلى سورية وكيف سأتحرك أصلاً مع ياسمين بدون وثائق شخصية إن كنت أتوخى عدم الرجوع إلى المسلحين؟ كنت أتمشى في حديقة المشفى مكرراً هذه الأسئلة وغيرها عندما استوقفتني فتاة في مقتبل العمر ظننتها من العاملات في المستشفى وتوجهت إلي بالتحية باللغة العربية فرديت التحية فسألتني:
- هل أنت مرافق تلك الطفلة الجريحة؟
- ..في الحقيقة أنا أحد أقاربها..
أجبت في تردد فلاحظت الفتاة هذا وتابعت:
- أنا إسمي حياة وأعمل لدى مؤسسة خيرية تعنى بشؤون النازحين وبالتحديد الأطفال وأقلقنا كثيراً حال ياسمين..هكذا أعتقد إسمها أليس كذلك؟
- نعم
فتابعت:
- نحن علمنا أنك من الثوار وأنك ساعدت هذه الطفلة المسكينة وأنقذت حياتها ونظراً لأنك عاجلاً أم آجلا ستعود إلى مجموعتك رأينا أن نقوم نحن برعاية ياسمين في حال مغادرتك..ولك فيما بعد أن تزورها متى تشاء في المصح الذي خصصناه لهذا الغرض فما رأيك؟
فوجئت بهذا العرض المفاجئ وتلكأت قليلاً قبل أن أجيب:
- هذا جميل منكم أن تقدموا الدعم لأطفال مثل ياسمين، لكن في الحقيقة فإنني سأصطحب ياسمين إلى أهلي وهم يقطنون في الجهة الأخرى من الحدود ليس ببعيد من هنا وأنا تدبرت الأمر..على كل حال شكراً لك..
- هل أنت واثق من ذلك؟
سألتني بريبة واضحة فسارعت بالإجابة:
- نعم بكل تأكيد
- حسناً ..حظاً طيباً..
قالت هذا وابتعدت.
ظهور هذه الفتاة أثار قلقي وشكوكي فحثيت الخطى عائداً إلى ياسمين.
عند وصولي غرفة ياسمين كانت لا تزال مستغرقة في النوم فنصحتني الممرضة بالهمس أن لا أوقظها فالنوم جيد لتسترجع قواها فأومأت برأسي موافقاً وجلست مكانها على الكرسي القريب من السرير بينما هي كانت تخرج مودعة بحركة من يدها.
في هدوء الغرفة التام بدأت أفكر بما يجب علي فعله فحاولت تنظيم أفكاري. إن تجاوز الحدود يمكن أن يكون نظامياً في معبر كسب الحكومي لكن يلزمني وثائق سفر لا أملكها ومن الصعب الحصول عليها هنا لذلك لم يتبقى أمامي سوى خيار اللجوء إلى قيادتي التي أمهلتني أسبوعاً كي ألتحق بهم في المعسكر. لكن ماذا سأقول لهم؟ وكيف سأشرح لهم حاجتي للسفر إلى سورية مع ياسمين؟ وإلى أين سأذهب بها؟ أسئلة شوشت أفكاري من جديد. تذكرت أن أبا الفداء أحد المسلحين من مجموعتي قد أصيب في العملية الأخيرة وكان يعالج في نفس المشفى فخرجت مسرعاً وتوجهت إلى إدارة المشفى وعلمت منهم رقم غرفته فذهبت إليه على الفور.
طرقت باب الغرفة المفتوح برفق لكن لم يرد أحد من المتواجدين. عندما دخلت الغرفة كان أبو الفداء مستلقياً على السرير ورأسه معصب بالشاش الأبيض وإلى جانبه طبيب وممرضة عرفتهما من خلال زياراتهما لياسمين. كانوا يضحكون بصوت عال وكان المرح باد على وجوه الجميع. لاحظوا دخولي فكفوا عن الضحك فحياني الطبيب بحركة من رأسه وكذلك الممرضة واستأذنا بالخروج.
- لا تنس أبا الفداء غداً سنخرجك معافاً بإذن الله
قال الطبيب وهو يغادر الغرفة.
اقتربت من السرير فهم أبو الفداء بالنهوض فمنعته من ذلك بحركة من يدي فعانقني وقال معاتباً:
- ألم تسمع أنا بخير..لكن أين كنت فمنذ وصولنا لم أرك؟
ثم تابع ممازحاً:
- وكيف حال غنيمتك هل هي بخير؟
فأخبرته بالعملية الجراحية الناجحة وأنها حسب رأي الأطباء ستتماثل للشفاء. ثم فاتحته بأنني أنوي زيارة الأهل في قريتي وأود أن أصطحب معي ياسمين لتعيش مع أهلي وأنا أتيت إليه لينصحني ففكر قليلاً ثم أجاب:
- لا بأس سأساعدك. لا بد لك من وثيقة من قيادة اللواء تساعدك في تجاوز الحدود وبعدها كل شيء سهل.
شكرته كثيراً على المساعدة فزجرني معتبراً أن مساعدة الأخوة واجب وبعد أن نظر قليلاً إلى الأعلى وكأنه يتذكر شيئاً ما قال:
- أعتقد أن أحد مقاتلينا سيذهب بعد يومين أو ثلاثة إلى حلب .. هذا ما أخبرني به هو عندما جاءني زائراً قبل خروجه من هنا .. أنا غداً سأتحرى الأمر عندما سيأتون لاصطحابي من هنا ..سوف أساعدك وسوف تصل أنت وياسمين إلى أهلك بسلام إن شاء الله فلا تقلق..
شكرته من جديد وصافحته مودعاً على أن آتي إليه في الصباح.
-10-
في صباح اليوم التالي أسرعت إلى غرفة أبي الفداء فوجدته جالساً بكامل لباسه على السرير وإلى القرب منه يجلس شاب نحيف قدمه إلي على أنه أحد المسؤولين عن معسكر اللاجئين وإسمه مصطفى وأنه على علم بأمري ويريد المساعدة.
- أنا أشكر الأخ مصطفى وفي الحقيقة أنا أود أن أصطحب ياسمين إلى قريتي في سورية وأبقيها في عهدة أهلي فهذا أفضل لي ولها حالياً..
قلت هذا محاولاً استباق ما قد يقترحه هذا الشاب الذي لم أكن مرتاحاً لرؤيته فبادرني على الفور:
- لا يا أخ خالد ... أظن أن من الأفضل أن نصطحب ياسمين إلى معسكر اللاجئين حيث ستكون في الرعاية التامة..أما الطريق إلى قريتك في سورية فهو محفوف بالمخاطر فانس الأمر واطمئن. نحن سنأتي عند انتهاء علاجها وننقلها إلى المعسكر وسيكون بإمكانك فيما بعد زيارتها في أي وقت تشاء ..
وتابع بلهجة غامضة:
- أليس عليك أن تلتحق بمجموعتك يا أخ خالد؟
أجبته دون أن أعي ماذا علي أن أقول:
- أجل ..ولكن ..
فقاطعني بحزم قائلاً:
- إذاً فلتكن على استعداد .. سيأتي أحد الأخوة لإصطحابك لتلتحق بمجموعتك
كان كلامه كالصاعقة يخترقني وشعرت بجسدي يرتجف فبادرني بالسؤال:
- ماذا بك هل أنت بخير؟
- أجل .. عذراً فأنا لم أنم جيداً لأيام ..سوف أكون في الإنتظار..
قلت هذا على عجل واستأذنتهما بالإنصراف. في طريقي إلى غرفة ياسمين كنت تائه الفكر لا أدري ما سأفعل. كان مجرد التفكير بكلمات مصطفى تخيفني. عند وصولي إلى غرفة ياسمين كانت بانتظاري مفاجأة أخرى.
كانت ياسمين نصف جالسة على سريرها وعلى كرسي إلى جانب السرير تجلس فتاة عرفت فيها على الفور حياة التي صادفتها في الحديقة. كانت تحدث ياسمين بشيء ما وكانت ياسمين تصغي إليها. وعندما شعرت حياة بدخولي نهضت وبادرت إلي بالتحية:
- السلام عليكم أخ خالد..لقد أتيت لأتعرف على أحوال ياسمين والحمد لله على سلامتها..
أجبتها باقتضاب وأنا أفكر بالسبب الحقيقي من هذه الزيارة:
- وعليكم السلام .. شكراً لحضورك..
- سأدعكما الآن ..
ثم توجهت إلى ياسمين:
- إلى اللقاء ياسمين ..أرجو لك الشفاء العاجل!
ثم أعطتني كرتاً وهي خارجة مؤكدة:
- هذا كرتي وفيه تلفوني أرجوك أخ خالد لا تتردد فإن كان يلزمك أي مساعدة فنحن جاهزون ..حسناً؟
فأجبتها دون تفكير:
- بكل تأكيد شكراً لك
- إلى اللقاء
قالت وهي تلوح لنا بيدها مودعة.
بعد خروجها علمت من ياسمين أن حياة كانت تسألها عني وعن صلة القرابة بيننا وعن أهلها وعندما سألتها إن كانت قد أجابت عن أسئلة حياة فهزت برأسها نافية ذلك فأثنيت عليها وطلبت منها أن لا تتحدث لأحد غيري.
كان وضعها قد تحسن بشكل واضح لكن شحوباً لا يزال واضحاً على محياها وشيء من السواد يحيط بعينيها فأمسكت بيدها بكلتا يدي وطمأنتها أننا سنعود إلى سورية وأننا سنجتمع بوالدها قريباً جداً فاستسلمت للنوم من جديد.
انتهزت فرصة نوم ياسمين وذهبت لأستفسر من خدمة الزوار في المشفى عن سبب سماحهم لشخص غريب لزيارة ياسمين دون علمي بذلك فكانت دهشتي كبيرة عندما أخبروني أنها ادعت أنها من أقربائها أتت خصيصاً لرؤيتها وأن أسرتها أصبحت مشتتة بين سورية وتركيا وترجتهم أن يسمحوا لها بزيارة سريعة فنزلوا عند رغبتها نظراً لما ظنوا أنه دواع إنسانية واعتذروا مني إذ علموا أن الأمر ليس كذلك ووعدوني أن يعلموني بأي شيء من هذا القبيل إن حصل في المستقبل.
ازدادت شكوكي بعد ما علمته من خدمة الزوار حول حياة، فهذه الفتاة كانت تكذب علي إذاً، ولكن لماذا؟ وماذا تريد من ياسمين؟ وإذا كانت فعلاً تمثل جمعية خيرية كما أخبرتني فما دفعها لتلفق قصة قرابتها لياسمين؟ هذا غريب، فكونها تمثل جمعية خيرية تعنى بشؤون الأطفال كان سيسمح لها بكل سهولة الدخول إلى المشفى في أي وقت فهذا من صلب عملها. إذاً هي ليست كذلك. من هي إذاً؟ وأي جهة تمثل؟
كنت أشعر أنه ليس لدي من الوقت الكثير وأنني كفراشة في حوض زجاجي مغلق، أرى العالم من حولي لكنني لا أستطيع الحركة فيه. الشيء الأكيد الآن هو أنه ليس لدي من أثق به هنا، فأبو الفداء الذي كان قد أكد لي أنه سيرسلني مع ياسمين عبرالحدود هاهو قد أثبت أنه حتى لم يعترض على القرار الذي نقله لي مصطفى. أما حياة فأمرها مريب وخوفي منها بات أكبر بعد زيارتها المريبة لياسمين.
عدت إلى ياسمين فوجدت إحدى الممرضات وهي تتحايل عليها لتأكل قليلاً. كانت أكثر الممرضات لطافة وأكثرهم تعلقاً بياسمين ولعل معرفتها العربية جيداً خلق جواً من التواصل بيننا. كانت تحرص أن لا توجه لي أسئلة حول ظروف قدومنا إلى هنا أو عن حقيقة علاقتي بياسمين وكنت أشعر أنها غير مؤيدة لما يحصل في سورية. بعد أن تناولت ياسمين الطعام بقيت الممرضة بقربها حتى غطت في النوم عندها توجهت إلي وسألتني إن كان بإمكاننا أن نتكلم فرديت عليها بالإيجاب فاقترحت أن نخرج لكي لا نزعج ياسمين فوافقت. توجهنا إلى القاعة المخصصة للإنتظار ولحسن حظنا كانت خالية من الرواد فجلسنا على مقعدين جلديين متقابلين فبادرت هي بالكلام :
- أنا إسمي جيان .. في الحقيقة أنا أعرف أنك خالد قريب ياسمين .. وأنا آسفة جداً لما حصل لهذه الطفلة الملاك ...
كانت كلماتها تواسيني وتخفف إلى حد ما من القلق والخوف اللذان سيطرا علي. لم أستطع الخوض في الكلام لكنني كنت حقاً ممتناً لها، فارتسم على محياي شبح ابتسامة اعتبرته جيان ضوءاً أخضر لتتابع الكلام:
- لا تقلق يا خالد فحالة ياسمين جيدة وإن شاء الله ستتعافى بسرعة..
توقفت قليلاً ثم تابعت:
- أنا ليس من حقي بالطبع أن أتدخل في أمر لا يعنيني، لكنني أشعر أنك إنسان طيب وتختلف عن أولئك الجرحى الذين يتوافدون على المستشفى..كلهم يتباهون بعدد الذين لقوا حتفهم على أياديهم حتى من المدنيين وكأنهم في حفلات للصيد وكأن البشر تحولوا في نظرهم إلى حيوانات برية محلل مطاردتها واصطيادها..
كنت أشعر وكأنها أخيراً وجدت من تستطيع البوح إليه بما يعتلج في صدرها من ألم وحزن سببته مشاهداتها الشخصية بسبب إحتكاكها اليومي بالكثير ممن يسمون أنفسهم ثواراً، فهي إذ لا تعرفني حق المعرفة وأنا لم أبد أي رأي لأي شخص هنا حول ما يدور في بلادي فهي كانت تجازف بهذه المصارحة. لكن حدسها كان في محله فأنا مشمئز حتى الثمالة من هذه الثورة الفاجرة ومن أولئك الثوار المزيفين الذين يقتاتون على دماء الأبرياء. لم أكن بالطبع قادراً على أن أصارحها بما يختلج في صدري لكنني كنت مشدود الأعصاب أتلقف كلماتها التي كانت تروي أرضاً عطشى في داخلي وتعيد إلي إيماني بالفطرة البشرية الطيبة. كأن جيان كانت تقرأ ما يدور في خلدي فتابعت دون أن تنتظر أي إجابة مني:
- أنا سورية الأصل من أب وأم سوريان وكانت عائلتي وما زالت تبكي انفصالنا عن وطننا سورية .. منذ عدة سنوات كنا نعيش حالة من الإنتعاش والفرح بعد تحسن العلاقات بين بلدينا لدرجة كدنا ننسى معها مأساة الإنفصال. كانت أيام الأحلام الجميلة. عائلتي عوضت خلال فترة قصيرة انقطاع عشرات السنين عن زيارة وطننا الأم وكان لا يمر شهر إلا ولنا زيارة إلى سورية.. كنا نشعر أننا في حلم سعيد..لكن واأسفاه كان الحلم قصيراً وأفاقنا منه بقسوة نفس الشخص الذي كان يؤملنا بأحلى مستقبل لعلاقات أخوة وحسن جوار مع أهلنا في سورية، ونفس الحكومة التي كانت ترفع أعلام الأخوة والإخلاص على شرف سورية، فهل كان هذا نفاقاً؟
من جديد توقفت قليلاً ونظرت إلي وكأنها تختبر فيما إذا كانت قد أثقلت علي بحديثها وتابعت:
- حسناً .. أعلم أنه ما كان لينبغي أن أقول ما قلته أمامك .. لكنني فقط أود أن تجيبني، إن أردت بالطبع، عن سؤال يحيرني:
لم أتمالك نفسي عندها وارتأيت أنه من غير اللائق أن أبقى صامتاً:
- لا أبداً .. أنا أود أن أعترف لك أن كلماتك أعادت الروح إلي في أصعب لحظات تمر علي، ولم أكن لألتزم الصمت إلا لأنني ما زلت مسؤولاً عن طفلة صغيرة جريحة غدر بها الزمان وكان قدري وعزائي في الظاهر أنني منحت فرصة إنقاذها لكن في الحقيقة هي فرصة لإنقاذي أنا..فرصة لتطهير روحي من أدران الحقد والكراهية..أنا يا سيدتي استفقت وربما قد تأخرت كثيراً حتى أصل إلى ما تتكلمين عنه، وجل عزائي أنني عقدت العزم أن أموت ولا أسمح لشيء في هذه الدنيا أن يصيب بأذى ملاكي الصغير..ياسمين إن كنت تودين سؤالي فهي منقذتي هي ملاكي الذي مد بيده البيضاء إلي عندما كنت أغرق في غياهب الضلال، اليوم هي بالنسبة إلي كل شيء: أبي وأمي وأخي وأختي هي ضميري وإيماني والهواء الذي أستنشقه ..
وهنا لم أحتمل أكثر فانفجرت باكياً من فرط انفعالي، فبدأت جيان تحاول أن تهدأ من روعي وتواسيني:
- بالله عليك يا خالد لا تبكي فإن تابعت فإنني سأبكي أنا أيضاً .. 
انتظرتْ قليلاً وبعد أن اطمأنت أنني قد هدأت نوعاً ما تابعت بصوت خافت وكأنها كانت تخشى أن يسمعنا أحد:
- في الحقيقة ما دفعني إلى مفاتحتك هو أنني وبالصدفة كنت شاهدة على حديث خطير يخص ياسمين وبالتالي يخصك ..
توقفت عن الكلام وجالت بنظرها القاعة والرواق المفضي إليها وكأنها تتأكد أن لا أحد يراقبها ثم سحبت مقعدها وجعلته أقرب ما يكون إلى مقعدي وباشرت يصوت أقرب إلى الهمس بسرد تفاصيل ما جرى أمام سمعها وناظرها صباح هذا اليوم.
- يتبع -







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز