د. علي طه
mdlzb@yahoo.co.uk
Blog Contributor since:
07 July 2012

باحث في العلاقات الدولية



Arab Times Blogs
الوهابية في المنطقة.. مشروع أيل للسقوط..

لا بد للمتابع للاحداث في المنطقة العربية أن يتوقف عند التطورات الاخيرة التي حصلت في غير بلد عربي و شرق اوسطي و حملت أنباء بالغة السوء للمشروع الوهابي السياسي و التبشيري و الذي أنفق عليه الوهابيون مئات الملايين من الدولارات و حشدوا له أعلامهم و دعاتهم و منابرهم في لغة فيها الكثير من الفحش و التكفير و التخوين و الكثير الكثير من الفتاوي المضحكة المبكية التي تناوب دعاة الوهابية على أصدارها و أصبحت موضع تندر و أستغراب المسلمين في أرجاء الارض كافة

 و لعل الفتوى الاخيرة المتعلقة بموضوع جهاد النكاح و ما لحقها من ممارسات من بعض التكفيريين في الشام كانت علامة فارقة للكثير من المسلمين حول العالم اذ ان العقل لا يقبل مثل هذه الترهات حتى و أن صدرت عن من يزعم انه داعي أسلامي او فقيه يتصدى لاصدار فتاوي دينية للناس.. الفطرة الانسانية التي فطر الله الناس عليها تأبى أن تستوعب أو أن تتقبل مثل هذه الفتاوى و نحن نعلم جيدا ان الدين بشكل عام و الاسلام الحنيف بشكل خاص جاء لكي يضع تلك الفطرة الانسانية في موضعها الصحيح و أن يزيل عنها الشوائب و لكي يبرزها ناصعة بهية مشرقة و لكي تعزز أدمية الانسان لا شهوانيته و أن تبرز كرامته التى أشار اليها الله عز و جل في كتابه العزيز.. و عودة الى التطورات الميدانية في المنطقة العربية في الشهور و الاسابيع الماضية لنجد أنها ساهمت في تعرية المشروع الوهابي التكفيري أبتداء من تونس و أنتهاء بالعراق

 ففي تونس أثبتت الاحداث أن الهدنة التي كانت قد جاهدت حركة النهضة للوصول اليها مع السلفيين قد أنهارت بعد أن أتضح للتوانسة عامة خطر المشروع التكفيري الوهابي على عموم تونس.. لم يكن يخطر في بالي أبدا {و أنا أزعم أني أعرف تونس جيدا} أن أسمع يوما من الايام بأن أنتحاري تكفيري قام بتفجير نفسه أمام فندق سياحي في سوسة او الحمامات او سيدي بو سعيد و لكن التكفيريين تجاوزا كل الخطوط الحمر و أرادوا أن يقطعوا شريان الاقتصاد التونسي و هو السياحة عبر أستهداف الفنادق التي يرتادها السياح و من المنطقي ان يخاف السياح و يفكروا الف مرة قبل أن يقرروا السفر الى تونس مجددا

و لم يقف الامر عند هذا الحد بل تمادى التكفيريون في غيهم بأستهداف رموز تونس من نقابين و سياسين و أعلاميين بل لم يسلم قبر زعيم تونس السابق بورقيبة من شرهم فبعثوا أحد غلمانهم الانتحاريين لتفجيره.. فالقوم لا يحتملون لغة من يختلف معهم في الفكر و لا بد من أستخدام العنف ضده لاسكاته أو تخويفه.. حال ليبيا ليس بأحسن و الفوضى العارمة التي ضربت البلاد كانت ملاذا أمنا و فرصة مؤاتية لتنظيم القاعدة لكي يؤسس موضع قدم في تلك الدولة المترامية الاطراف و التي يصعب السيطرة على حدودها و خاصة الصحراوية منها و تشير التقارير سواء الصادرة من الامم المتحدة او من بعض الدول صاحبة القرار الدولي الى أن تنظيم القاعدة بات يمتلك حرية الحركة و التواجد في بعض مناطق الجنوب الليبي و شمال مالي و تشاد و صحراء الجزائر و ذلك بسبب ضعف سيطرة أجهزة الدولة و أنعدام التنسيق بين الدول لمكافحة القاعدة و أنشطتها مما أدى الى أنتشارها و تعزيز نفوذها

ضربة الفكر التكفيري الوهابي في مصر كانت مؤلمة أيضا و لعل القارئ يتذكر اننا ذكرنا في مقالات سابقة أن الشعب المصري لا يمكن أن يتقبل الفكر المتشدد للوهابية و هذه هي طبيعة شعب مصر منذ زمن الراحل {رمسيس الاول} و لكن الوهابية أبوا الا أن يفرضوا عليهم نمطا معينا من التفكير و السلوك و كانت ردة الفعل الشعبية عارمة و هنا لا أتحدث عن التظاهرات او الاستفتاء المليوني في الثلاثين من يونيو {حزيران} الفائت فقط بل أيضا الى ردة الفعل الشعبية ضد بعض ممارسات السلفية و التي جيرت بأسم الرئيس المخلوع مرسي لانه ببساطة غض النظر عنها أو تبناها في بعض الاحيان.. و أذكر أني قرأت ان بعض هذه القوى التكفيرية كانت قد شكلت هيئات للامر بالمعروف و النهي عن المنكر على شاكلة الهيئة {سيئة الصيت} في السعودية و أصبحت تتدخل في شؤون الناس و خصوصياتهم دون أن تتمكن الدولة و أجهزة الشرطة من التدخل لردعها.. الحادثة الى أثارت أنتباهي وقعت في مدينة بور سعيد المصرية عندما أصدر مفتي أحدى هذه الجماعات فتوى بردة و تكفير صاحب محل لبيع الملابس لانه عرض نموذجا لملابس نسائية في واجهة المحل {الفترينة} كما تدعى في مصر و قد كاد أن يقع المحظور و يتم تنفيذ حكم الشرع الوهابي بهذا المسكين لولا تدخل اصحاب المحال المجاورة و دفعهم مبلغ من المال {كدية} لتحرير رقبتهّ

 أحد اصحاب المحال أخبر وكالة رويتر بعد الحادث أنه أتصل بقسم البوليس في المنطقة لكي يتدخلوا و ينجدوا الرجل المسكين و لكن الضابط المسؤول أخبره أنه لا يستطيع أن يفعل شيئا حيال هذه المجموعة بالذات... في سوريا حصلت الكارثة الكبرى للمشروع الوهابي و التكفيري اذ بعد هزيمة القصير و كما توقع العديد من المراقبين أنهارت المدن و القرى السورية و التي كانت تحت سيطرة التكفيرين واحدة بعد الاخرى كقطع الدومينو و بان الانهيار و الارتباك واضحا على تلك القوى التكفيرية لدرجة أنها بدأت تجبن الاخرين و الاخرين يجبنونها.. و لعل من يقرأ التاريخ و يمر على واقعة خيبر يدرك ما أعني جيدا.. المهم ان القوى التكفيرية بدأت تفقد الارض و لكن الاهم في نظري أنها بدأت تفقد تعاطف الناس بعد أن أنكشف أمامهم بعض من سلوك المنهج التكفيري

 أشير هنا الى تقرير من مراسل التلفزيون الالماني يحمل دلالة خاصة أذ عندما أقترب التكفيريون من ريف دمشق قبل عدة أشهر وصف مراسل القناة الالمانية الحدث بأنه فريد أذ قام الاهالي بالنزوح من المنطقة و الهروب.. و لكن الى أين ؟.. الى المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوري و هذا يعني ببساطة أن الاهالي لا يثقون بالتكفيرين و يخافون على أنفسهم و أعراضهم و بالتالي أتوا الى مناطق الجيش طلبا للحماية و الامان.. كما أن أستقبال الاهالي للجيش السوري و هو يدخل الى بعض قرى حمص و حلب و كان أخرها بلدة السفيرة خير دليل على أن التكفيريين لم يفلحوا في كسب عقول و قلوب أهل الشام و أن داعش و أن صرفت الملايين لا يمكن لها أن تقنع الاخرين بسوية منطقها و فكرها الضال

في العراق ايضا أتت التطورات الاخيرة لتثبت صحة أندحار الفكر التكفيري الوهابي اذ قام الارهابييون بجملة من المجازر ضد الابرياء من الامنيين عبر أستهدافهم المساجد و الحسينيات و الاسواق الشعبية و المدارس بل و مجالس العزاء أيضا و هي كلها عبارة عن أهداف رخوة يصعب حمايتها من قبل أجهزة الامن و يبدو أن الهجمات مخصصة لايقاع أكبر عدد من القتلى بين صفوف المدنيين لا غير و لكي يقال في الاعلام بأن الوضع في العراق غير مستقر اذ من المسلم به أن مثل هذه العمليات لا يمكن أن تغير وضعا سياسيا سواء كان في العراق أو أي بلد أخر.. داعش مرة أخرى أثبتت أنها تراهن على الحصان الخاسر و أنها لا تفقه في السياسة شئ.. كيف و لماذا ؟ من الواضح أن الحاضنة الاساسية لداعش في العراق هي محافظة الانبار ذات الغالبية السنية و ذات الثقل العشائري المعروف للجميع و هؤلاء و أن كان لهم شكوى و ظلامات ضد حكومة بغداد التي يقودها المالكي الا أنهم أنخرطوا بالعملية السياسية و لهم نواب في البرلمان و وزراء في ذات الحكومة التي تصفها داعش بالعميلة و الصفوية و الرافضية و الى غير ذلك من الشتائم

 كما أن الكثير من أبناء الانبار قد أنخرطوا في الاجهزة الامنية و بالتالي أصبحوا هدفا لعمليات داعش و تنظيم القاعدة الارهابي و قد بادرت الحكومة العراقية الى أحياء الصحوات مرة أخرى في محافظة الانبار و يبدو أن تنظيم القاعدة قد تلقى في الايام الماضية العديد من الضربات المؤلمة من قبل رجال الصحوات و الجيش العراقي.. الاهم هو القطيعة التي لا رجعة عنها بين القاعدة و جميع مسمياتها و رجال العشائر في الانبار و لعل الموصل و تكريت تتبع ذات النهج في القريب العاجل أذ أثبتت التجربة أن محاربة تنظيم القاعدة و فكرهه الوهابي المتشدد لا يمكن ان تتم الا بتظافر جهود الحكومة و قواها الامنية مع الاهالي و مؤسسات المجتمع المدني و في النهاية الكل يتفق على المصلحة العامة في محاربة هذا الفكر الضال المضل

هل سيسكت تنظيم القاعدة و أذرعه التنظيمية التكفيرية ؟ الجواب كلا و أنا أرى بوادر فتنة تطل برأسها في غير بلد عربي و تحركها قنوات الاعلام الوهابي التي تخدم المشروع الصهيوني في المنطقة و الذي أصبح معروفا للجميع بأغراق المنطقة بصراع طائفي مفتعل يضعف الخط المقاوم للعدو و يمنع تقدم و أزدهار و تطور بلداننا العربية و يسهل السيطرة عليها من قبل الاخرين.. الفتنة تطل برأسها في مدينة طرابلس اللبنانية عبر صراع سني ـ علوي بذل المخلصون من أهل لبنان جهودا مضنية للسيطرة عليه و أحتوائه الا أننا نلاحظ و نرى محاولات البعض لصب الزيت على النار كلما أرادات أن تخبو و تنطفئ لتكفي شرورها البلاد و العباد.. و السؤال من يحاول أن يجر عاصمة الشمال اللبناني الى حرب طائفية لا تبقي و لا تذر و من المستفيد من هذا الصراع ؟.. أنه نفس الطرف الذي فجر الصراع في سوريا بحجة أن النظام فيها علوي الهوى و أن غالبية أهل سوريا هم من أهل السنة و الجماعة

البلد الاخر الذى حاول الوهابيون فيه مرارا و فشلوا هو اليمن السعيد.. و الهدف هناك كان و لا يزال كبح جماح الحوثيين في صعدة و المناطق التي تخضع لسيطرتهم هناك و الحوثييون هم من الشيعة الزيود أي أنهم لا يتبعوا المذهب الاثني عشري السائد عند الشيعة في أيران أو العراق و لكن هذا لا يهم عند أصحاب القرار التكفيري الوهابي أذ المهم زرع الفتنة هناك و أبعاد خطر هؤلاء عن الحدود السعودية المجاورة و لهذا الغرض قاموا أولا بتجييش أعلامهم و أصدروا الفتاوى و الاكاذيب عن خطر الحوثيين و شرهم الداهم و من ثم رشوا بعض القبائل الساكنة في تلك المناطق و قدموا لها المال و السلاح لمقاتلة بني جلدتهم و بعد ذلك عمدوا الى أرسال المغفلين الذين يتبعونهم من كل بقاع الارض للجهاد ضد الكفار من أل عبد الملك الحوثي في صعدة.. تماما كما فعلوا في سوريا و العراق من قبل بتكرار لسيناريو أصبح معروف البدايات و أن كانت نهايته غير واضحة المعالم بعد.. المشروع الوهابي في المنطقة هو مشروع فتنة كبرى يهدف الى تقسيم الارض و الاوطان و زرع بذور الفتنة بين الشعوب و الطوائف و المذاهب في شرق عربي قام منذ قرون عديدة على فكر التعايش و التسامح و المحبة و العيش المشترك.. الا أن أتباع أبن عبد الوهاب لهم رؤية أخرى و أن كنت أعتقد أن مشروعهم اما ساقط أو أيل للسقوط







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز